انتخابات برشلونة.. إذا كان الكلام من فضة!

عندما كان صراع الانتخابات الرئاسية الأميركية على أشده، كتبت ميشيل كوتل في نيويورك تايمز أن أهم دور قام به جو بايدن لم يكن الوعود أو التطلعات أو الخطب الحماسية، بل كان، على العكس مما هو متوقع من أي مرشح انتخابي، التواري في الظل. (1)

 

عندما تجد منافسك يحفر قبره بنفسه فإن أفضل ما يمكنك أن تفعله هو أن تشاهده وتدعه وشأنه. هذه هي العبارة التي استخدمتها المختصة في السياسة الأميركية، وهذه النصيحة هي الأذكى على الإطلاق، إذا نحينا القيم الأخلاقية جانبا، كما هو الحال في أغلب صراعات السلطة.

 

عنوان ميدان

لابورتا لم يفعل مثل بايدن بالضبط، ولكن خصومه حفروا قبورهم بأيديهم قطعا. حملة فريشا كانت هزلية من اللحظة الأولى، هزلية لدرجة التشكك في حقيقتها وجديتها أصلا! هذا رجل كان له دور مهم مع مجلس الإدارة المستقيل، وشاهد الأمور تصل إلى هذا المآل ولم يُحرِّك ساكنا، ورغم ذلك يعتقد أن هناك سببا واحدا قد يدفع أي عاقل لانتخابه، رغم أن الوعد الوحيد الذي قدّمه كان استكمال مسيرة صديقه بارتوميو! رجل كان رد فعله الوحيد على القبض على بارتوميو هو نشر صورة لهما معا معنونة بـ "إنهم يريدون تدمير برشلونة!" (2)

 

هذه رسالة واضحة ومباشرة تماما، وبالغة الغباء لدرجة لا يمكن استيعابها، وكأن هناك درجة من التدمير تفوق مراكمة أكبر دَيْن في تاريخ الرياضة ودفع نجمه الأول وأفضل لاعبي جيله على الإطلاق للرحيل.

 

رسالة غبية لدرجة تجعل الوصف الأدق لحملة فريشا أنها مرعبة، ليست هزلية بل مرعبة؛ مجرد التخيل بأن رجلا بهذه القدرات العقلية كان أحد أعضاء إدارة بارتوميو الموثوقين مخيف، والتخيل بأنه ظن نفسه قادر على الفوز، رغم ذلك، مرعب. دعك من حقيقة أنه استخدم حسابات وهمية لتزييف استطلاعات الرأي لصالحه، وفعل ذلك بعد أن كانت أبرز الفضائح التي أطاحت ببارتوميو هي استخدام تقنيات مشابهة لمهاجمة "أعدائه". فريشا أتى لـ "يهرج" كما قال يحيى الفخراني في "الكيف"، وما كان على لابورتا إلا أن يشاهده ويدعه وشأنه، وربما يضحك مع الباقين. (3)

 

فونت بدا أكثر اتزانا. طبعا من المضحكات المبكيات أن نَصِفَ رجلا وعد بإقصاء المدرب حتى لو جلب سداسية بأنه "أكثر اتزانا"، ولكن هذا هو أثر وجود فريشا في السباق، لقد أخفض التوقعات لدرجة غير مسبوقة، وصار أي مرشح قادر على تكوين جمل مفهومة وتمرير المؤتمرات الصحفية دون ارتكاب مصيبة شخصا يمكن وصفه بالاتزان مقارنة به، أثر أشبه بما فعله القذافي في المنطقة إن جاز التشبيه.

 

مشكلة فونت كانت فريدة من نوعها؛ الرجل كان أول المرشحين ظهورا وأكثرهم نشاطا، بل ويمكننا الجزم أنه كان أكثرهم جدية في العمل على مشروعه، وأكثرهم بذلا للجهد عبر السنوات الأخيرة، بل وربما كان محقا عندما اتهم لابورتا بأنه "لا يملك مشروعا رياضيا حقيقيا"، ولكن أبرز أدواره على الإطلاق كان أن حملته برمّتها كانت بالون اختبار للابورتا، بالون اختبار ناجح تماما استفاد منه لابورتا بما لا يقاس. (4)

 

فكِّرْ في الأمر؛ الوعد بجلب تشافي وجوردي كرويف كان أمرا متوقعا من لابورتا لا فونت. دغدغة مشاعر الجماهير بالماضي واللعب على الذكريات كان أسهل وأقوى سلاح في جعبة لابورتا، السلاح البديهي الذي قد يلجأ له لابورتا بدون تفكير لحسم الأمور لصالحه، وفي الحقيقة، نحن لا نعلم إن كان لابورتا قد رغب في استخدامه أم لا، ربما هو نفسه كان محتارا، ولكن ما حسم حيرتنا وحيرته هو فونت، الرجل الذي تطوّع لارتكاب كل أخطاء لابورتا المحتملة، ومن ثم منحه الفرصة لتجنُّبها، وحزمة أخرى من المزايا أثبتت نفعها لاحقا. المفارقة أن فونت اتهم لابورتا بكونه "رجل الماضي"! (5)

FC Barcelona's presidential candidate Victor Font smiles during an interview in Barcelona, Spain, November 17, 2020. REUTERS/Albert Geaفيكتور فونت

 

عنوان ميدان

بعد أن احتكر فونت الماضي لصالحه، لم يعد أمام لابورتا خيار سوى المستقبل؛ هالاند وتدعيم الفريق وتسديد ديونه والإبقاء على ميسي. هذه العناوين هي الأهم في مستقبل برشلونة فعلا. المشكلة أننا لا نعلم إن كانت تلك هي أجندة لابورتا من البداية، أم أنها، ببساطة، ما تبقى على الطاولة بعد إعلان خصومه أجنداتهم الخاصة. هذه حقيقة مخيفة أخرى في هذه الانتخابات المرعبة؛ أن الأمور الأهم على الإطلاق، والأكثر حساسية وتأثيرا، هي ما تبقى على الطاولة بعد أن أعلن أول مرشحين عن مشروعاتهم، إن جاز تسمية مزاح فريشا الثقيل "مشروعا" أصلا.

 

بالطبع كان هذا قبل أن يخرج جوردي كرويف بنفسه ليؤكد أن والده كان ليصوّت للابورتا. لم تكن هذه ضربة قاتلة لفونت وحسب، بل إنها منحت لابورتا كل ما أراده دون أن يطلبه؛ حصل على كل ما تحمله الذكريات الجميلة من قبول لدى الجماهير، ولكن دون أن يبتذلها باستثمارها في معركة انتخابية، دون أن يبدو بحاجة إليها، بل بدا وكأن الماضي، مُتمثِّلا في جوردي كرويف، هو مَن يُذكِّر الجميع بلابورتا، لا العكس. (6)

 

هذه مزية أن تعلم متى تصمت وأن تُدرك متى تكتفي بالمشاهدة؛ لابورتا لم يفز بالانتخابات بأقل مجهود وحسب، بل إنه، على العكس من فونت، لم يمنح الجماهير أي وعود قطعية، بينما، لسبب غير مفهوم، بدا وكأن حملة فونت بأكملها قد تعلقت بقرار تشافي المجيء لبرشلونة، وهو أغبى قرار كان من الممكن أن يتخذه فونت، خاصة بعد كمِّ الجهد والوقت الذي استثمره في حملته الانتخابية، وكأنه قرّر تدمير نفسه بنفسه.

 

النتيجة أننا لا نعرف ما سيفعله لابورتا بالضبط، وإذا حاولنا الوصول إلى سبب رئيس لفوزه بهذه الانتخابات، فسيكون أنه تجنَّب كل ما وقع فيه خصومه؛ لم يدافع عن بارتوميو، وطبعا لم يكن جزءا من نظامه في المقام الأول، ولم يَعِد بإقصاء المدرب حتى لو جلب سداسية، ولم يدخل في سجال علني مع ثاني قادة الفريق لأنه استخدم كلماته في غير موضعها، ولم يغامر بالمراهنة على حب كرويف عن طريق محاباة ابنه. باختصار؛ كان السبب الأهم في فوز الرجل هو أنه اكتفى بالمشاهدة بينما انهمك خصومه في حفر قبورهم، ليُقدِّم حملة انتخابية ذكية للغاية، ولكنها، في الوقت ذاته، لا تعد بالكثير، على الأقل حتى اللحظة. (7)

BARCELONA, SPAIN - MARCH 07: New FC Barcelona President Joan Laporta faces the media during a press conference following his victory in the FC Barcelona President Elections at Camp Nou on March 07, 2021 in Barcelona, Spain. (Photo by David Ramos/Getty Images)خوان لابورتا

 

عنوان ميدان

كل ما سبق يظهر بوضوح في آخر حوار رسمي أجراه لابورتا قبل الفوز بالانتخابات. حواره مع الصحفي خافيير جيرالدو من السبورت الكتالونية بتاريخ 5 مارس/آذار شهد تكرار العبارة نفسها بالضبط، عندما سُئل عن دور ماتيو أليماني المستقبلي بوصفه مديرا رياضيا محتملا: (8)

 

  • ماذا سيكون دور ماتيو أليماني بالضبط؟

– لديّ علاقة رائعة مع ماتيو، إنه مدير رائع يمتلك معرفة ضخمة باللعبة ويعمل بجد، ولكنني لا أملك أي التزامات تجاه أي حد. سنرى. أريد التحدث مع المديرين الحاليين وسماع خططهم من باب الاحترام، وحتى لو كنا سنقوم ببعض التغييرات.

هذه سمة متكررة في أحاديث لابورتا الإعلامية؛ القدرة الاستثنائية على المزج بين الحسم والمراوغة، ربما الأمر مرتبط بكونه محاميا مشهورا ولامعا ومتحدثا لا يشق له غبار، ولكنه شيء جدير بالملاحظة فعلا. تأمل هذه الإجابة مثلا عندما سُئل عن تشافي وجوردي كرويف:

 

  • تشافي وجوردي كرويف.. في صفك أم في صف فونت؟

– لديّ صداقة جيدة بكلٍّ منهما، وهذه الصداقة مستمرة منذ فترة، ولكن لإجابة سؤالك فعليك أن تسألهما، وأن تسأل هؤلاء الذين يؤكدون أنهم في صفهم (يقصد فونت). لقد لاحظت أن قلة الخبرة تدفع البعض للتعجل أحيانا. لقد تابعت كل ما يحدث على الساحة والعديد من الأمور لا تبدو منطقية لي. أملك الكثير من الاحترام لتشافي وجوردي. إنهما يريدان العودة للنادي. لا أعلم إن كانت تلك هي اللحظة المناسبة أم لا، ولكن إن أرادوا العودة فسيعودون.

 

ما يمنحه لابورتا هو الاحتمالات، ولكنه في الوقت ذاته قادر على توضيح موقفه تجاه بعض القضايا. يتحدث عن سماع خطط المديرين الحاليين للنادي، ولكنه يستدرك سريعا بقوله: "من باب الاحترام"، ليخبرك ضمنيا أن العملية كلها تحصيل حاصل. يخبرك أن أليماني سيكون تعاقدا مهما نظرا لخبرته الواسعة ونجاحاته السابقة، ولكنه يؤكد في الوقت ذاته أنه لم يَعِد أحدا بشيء وليس مرتبطا بأية صفقات انتخابية، وإن كنت مشجعا لبرشلونة، فعلى الأغلب ستكون أيضا أحد هؤلاء الذين لم يَعِدهم لابورتا بشيء حتى الآن.

يسأله جيرالدو عن إمكانية جلب نجوم عالميين لبرشلونة، فيتحدّث لابورتا عن علاقاته بأكبر وكلاء اللاعبين في العالم، وبقائه على تواصل معهم طيلة السنوات الماضية. إجابات لا تُسمن ولا تغني من جوع، وربما كان لابورتا يتعمد ذلك لأنه ليس منطقيا أن يكشف كل أوراقه في مقابلة قصيرة عابرة قبيل الانتخابات، ولكن وسط كل هذه الحيرة يمنحك لابورتا إجابة مهمة في أهم قضايا الساعة؛ تجديد عقد ميسي.

 

من جهة، أكّد لابورتا بكل الطرق حبه لميسي ورغبته في بقائه، حتى إن بعض هذه الطرق كان مبتذلا، ولكنه في الوقت ذاته أكّد عجز برشلونة عن مجاراة العروض المالية الضخمة لما سمّاه بـ "أندية الدول"، في تلميح واضح لباريس وسيتي، ثم أنهى حديثه بالتأكيد أن ميسي يحب برشلونة وليس من الراكضين خلف الأموال.

 

هذه ليست إجابة، بل مصيدة مُحكمة لا يمكن الفرار منها. بطريقة ما تمكَّن لابورتا من معالجة أصعب مشكلاته بصيغة مثالية تعفيه من المسؤولية لو رحل ميسي، رغم أن الإبقاء عليه كان أحد أهم أركان حملته الانتخابية، إن لم يكن أهمها على الإطلاق!

Barcelona's former president Joan Laporta (L) and Lionel Messi hold the Spanish first division trophy of the 2009-2010 season before a friendly match at Camp Nou stadium in Barcelona, August 25, 2010. REUTERS/Albert Gea (SPAIN - Tags: SPORT SOCCER)خوان لابورتا وميسي

في الوقت ذاته، تمكَّن من إحراج ميسي بمدحه، تقنية تشبه أن يقول لك أحدهم: "أنت أذكى من أن تُصدِّق هذه الخرافات"، أو: "رجل مثلك يعرف الأصول لا يمكن أن يتغيب عن العزاء"، هذه الطريقة التي تُجبرك على الفعل دون أن تمنحك فرصة للتفكير، وتُخيّرك ضمنيا بين أن تذهب للعزاء أو أن تكون "رجلا لا يعرف الأصول". أسلوب قديم قدم الأزل ولكنه يظل ناجحا وفعّالا عندما لا يملك الطرف الآخر فرصة للرد السريع.

 

لابورتا يحب ميسي، لا شك في ذلك، ويحب برشلونة، ولا شك في ذلك أيضا، ولكنه نصب فخا إعلاميا لميسي ليحمي نفسه، لأنه يحبها أكثر من كل ما سبق، ولا شك في ذلك أيضا.

 

الآن لو خرج ميسي إلى باريس أو سيتي فسيؤكد عكس ما قاله لابورتا، سيكون الرجل الذي تحكمه المادة والرجل الذي لا يعرف الأصول ولم يذهب إلى العزاء، الرجل الذي لا يحب برشلونة، وأنت لا تحتاج إلى أن نخبرك أن هذا هو ما فعله جوزيب ماريا بارتوميو بالضبط مع ميسي في آخر أيامه.

 

شيء واحد أثبته لابورتا في هذه الانتخابات وكل ما صاحبها من جدل؛ أنه الأذكى على الإطلاق بين كل المرشحين، وبفارق شاسع عن تاليه، لدرجة أن البعض استنتج أنه كان متعمدا عندما ترك لفونت الساحة في البدايات، وأنه عَلِم أن الرجل سيحرق الأرض من تحته ليفوز هو دون عناء في النهاية. هذا كله رائع ويمنح جماهير برشلونة حول العالم شيئا من الطمأنينة بعد عقد كامل من التخبط والعمى الإداري والغباء المستحكم في إدارة الأمور، فقط لو كان لابورتا لا يزال بهذا الذكاء في الغرف المغلقة.

—————————————————————————————

المصادر

  1. جو بايدن لم يختبئ، بل تربص وتوارى – نيويورك تايمز
  2. كيف تمكَّن لابورتا من حسم الانتخابات لصالحه؟ – Barca Universal
  3. مرشح رئاسة برشلونة يحاول تزييف استطلاعات الرأي – Barca Universal
  4. ماذا تعني انتخابات برشلونة الرئاسية بالنسبة لليونيل ميسي؟ – The Athletic
  5. فيكتور فونت يعد بجلب تشافي وجوردي كرويف إلى برشلونة إن فاز – 90 Min
  6. جوردي كرويف: "كان أبي ليصوت للابورتا!" – ماركا
  7. بيكيه يعترض على استخدام فيكتور فونت لتسجيل إعلامي له للترويج لحملته الانتخابية – Sport
  8. مقابلة خوان لابورتا.. عالم كرة القدم يريد عودتنا! – Sport
المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة