ضجة الجمهور المزيفة في المباريات.. لماذا لا نتفاعل معها؟

برشلونة هُزم على أرضه وكذلك لايبتسيتش، هذه ليست مفاجأة ضخمة، لأنه منذ اندلاع الجائحة ونتائج أصحاب الأرض في تراجع مستمر. قبل ذلك كشفت دراسة للاتحاد الأوروبي لكرة القدم، جُمعت من نحو 6500 مباراة في دوريات القارة المختلفة، أن أصحاب الأرض يفوزون في 50% من الحالات تقريبا. (1)

 

في تقرير نشرته وكالة دويتش فيله الألمانية، يقول أحد المصورين الذين عملوا لسنوات في الدوري الألماني إن التجربة السمعية في كرة القدم لا تقل أهمية أبدا عن نظيرتها البصرية. (2)

 

أليساندرو رايتانو، أحد مديري الإنتاج في شبكة سكاي، يقول إن العينات الصوتية التي يستخدمونها لإضفاء ضجة الجماهير على المباراة هي عينات متفردة أُعِدَّت خصيصا لجمهور كل نادٍ، ولا تتكرر مع أكثر من فريق، والأهم لا تتكرر مع الفريق الواحد في أكثر من مباراة.

 

أصوات جماهير دورتموند مميزة مثلا، ولكن مباراتهم أمام شتوتجارت لن تشهد الصخب نفسه والأناشيد نفسها التي تشهدها إذا كان الخصم شالكه، أو بايرن ميونيخ على سبيل المثال.

الأمر بالطبع يختلف حسب مسار اللعب. لويس فوغلر، أحد "منتجي الأجواء" كما ينص لقب وظيفته، يجلس أمام لوحة مفاتيح تتضمن أكثر من 20 عينة لمواقف اللعب المختلفة، وشاشة ضخمة تُظهِر مسارين للذبذبات الصوتية، واحدة خاصة بالفريق صاحب الأرض، والأخرى خاصة بالضيوف. (2)

 

كل هؤلاء تعاونوا مع منتجين فنيين من ألعاب "FIFA" يملكون مكتبة ضخمة لأصوات الجماهير وأناشيدهم وأهازيجهم لاستثمارها في هذه الفكرة. كرة القدم في ملاعب خالية لا تُطاق فعلا، وحتى اندلاع الجائحة لم يكن أحدنا يدرك مدى أهمية أصوات الجماهير في التجربة البصرية. (3)

 

لا أحد يستفيد من الوضع سوى المدربين ومحللي الأداء. في حوار سابق مع حسن بلتاجي، المدرب ومحلل الأداء بنادي باريس سان جيرمان، لفت النظر إلى أن الملاعب الخالية تسمح له بالاستماع لكل ما يقوله المدرب للاعبيه أثناء المباراة، بالتالي يكتسب قدرة أكبر على تحليل قراراتهم ومدى ملاءمتها لخطة اللعب الأصلية التي وضعها المدرب. أمر مشابه أكّده برناردو سيلفا حينما صرّح أن خلو الملاعب يجعل التهرب من تعليمات غوارديولا صعبا، إذ إنه في السابق كان يستطيع التظاهر بأنه لم يسمعه بسبب ضجة الجماهير. (4)

 

نحن مخلوقات تعتمد على البصر بطبعها، ولكن على عكس المتوقع، فإن حاسة السمع لدينا هي الأكثر تعقيدا وتطورا. أُذن الإنسان تستطيع استيعاب ضعف عدد المؤثرات مقارنة بعينه، بالإضافة إلى كونها الحاسة الأولى التي يُطوِّرها الإنسان على الإطلاق، إذ يستطيع الجنين الذي يبلغ عمره 22 أسبوعا أن يُميِّز بين الأصوات المختلفة وهو في رحم أمه، بينما لا يكتمل تطوُّر بصره إلا في الشهر الثالث بعد ولادته.

 

في 2011 تقابل دورتموند كلوب مع هوفنهايم في أجواء حماسية محمومة على ملعب الأخير، سببها الأول كان هجوم جماهير دورتموند على رجل الأعمال المشهور ديتمار هوب مالك هوفنهايم، الذي تعاديه أغلب جماهير الكرة في ألمانيا لكونه أحد القلائل الذين يخرقون قاعدة الـ 50+1، التي تنص على تحكُّم مجموعات المشجعين في أندية الكرة بالنسبة ذاتها في نواديهم، لذلك يرون هوب، الذي يملك 96% من هوفنهايم، عدوا لقواعد الكرة الألمانية وتقاليدها، وسفيرا لما يسمونه بكرة القدم الحديثة. (5)

في هذه المباراة، أخفى أحدهم مكبرات صوت ضخمة بجانب مدرجات دورتموند، تُطلق صفيرا عالي التردد بمجرد أن تبدأ جماهير دورتموند في هتافاتها العدائية ضد هوب، ببساطة لأنها كانت تُسبِّب إحراجا ضخما للفريق في ملعبه. وفي 2020 توقفت بضع مباريات لهوفنهايم للسبب ذاته، بعد هتافات مُعادية من جماهير الخصوم، كان من ضمنها بايرن ميونيخ.

 

حتى في الصناعات الأخرى، تعتمد الشركات على الصوت بوصفه محفزا مهما؛ يقول التقرير ذاته إن مصانع السيارات تُهندس أصوات المحركات بترددات معينة توحي بالقوة والشراسة، وأحيانا السرعة، لتُثير إعجاب المستهلكين. كذلك الأصوات الصادرة عن غلق باب السيارة، تُهندَس بحيث تكون مطمئنة ودالة على الأمان. الأمر نفسه يلجأ إليه مُصنِّعو آلات الحلاقة الكهربائية، أيضا تقوم شركة ملابس أبيركرومبي آند فيتش بتشغيل موسيقي معينة في متاجرها، حيث تعتقد بأنها تُغري الشباب بإنفاق المزيد من الأموال. (2)

 

الأمر يعتمد بشكل أساسي على ما يُعرف بالفيزياء السايكولوجية (Psychophysics)، العلم الذي أسّسه الألماني جوستاف ثيودور فيشنر ووضع أُسسه، والمعنيّ بدراسة المؤثرات والمحفزات السيكولوجية على تصرفاتنا وأفعالنا. (6)

 

تقول بروفيسور آرادنا كريشنا من جامعة ميتشيغان، المختصة بعلم التسويق الحسي (Sensory Marketing)، إن هذا هو ما يحدث عندما يقوم أحد المشجعين في المدرجات ويرفع يده مثلا، ثم يبدأ في الغناء، فيبدأ الآخرون في الانضمام إليه تدريجيا حتى يعم الأمر الملعب كله.

هذه التجربة، أي الإثارة التي يشعر بها المشجعون عندما يتشاركون فعلا ما، هي ما يغيب عن أصوات الجماهير المزيفة التي تستخدمها قنوات البث حاليا، إذ يستطيع الإنسان أن يتفاعل مع إنسان آخر بسهولة، وأن يستجيب للمحفزات البصرية والسمعية التي يُطلقها، سواء كانت نشيدا مُعينا، أو هتافا غاضبا، أو حتى مجرد التلويح بالأيدي ضد قرار ظالم، ولكن التفاعل مع ما تعرف سابقا أنه مفتعل هو أمر صعب للغاية.

 

لذا تنال هذه التقنية هجوما واسعا من عدة أطراف؛ أولها وليس آخرها هو جماهير الكرة الألمانية ذاتها. نايغل بيرسون شبَّهها بأصوات الضحك الموجودة في مسلسلات السيتكوم الأميركية للدلالة على زيفها وانعدام تأثيرها. في الواقع، هذا هو التشبيه نفسه الذي استخدمه الشاب لويس فوغلر، منتج الأجواء في سكاي، وكأنها إشارة لكي يضحك الجمهور، أو في حالة كرة القدم، كأنك تنتظر الإشارة لتنفعل مع كل هدف وفرصة خطيرة! (7)

 

يعود رايتانو ليؤكد أن الحُكم على التقنية ظالم للغاية، إذ يُنظر لها على أنها بديل للجمهور بينما هي لن تكون كذلك أبدا، لأن لا شيء يُضاهي الأجواء الحقيقية الأصيلة التي يصنعها المشجعون، مهما كانت دقة التسجيلات الصوتية التي تملكها مكتبته.

 

رغم ذلك هي أفضل من لا شيء على الإطلاق. في التقرير ذاته قام مُعدِّو دويتش فيله بإجراء تجربة لتوضيح مدى واقعية مثال السيتكوم الذي استخدمه نايغل بيرسون ولويس فوغلر، فعرضوا مقطعا من مسلسل "فريندز" بدون أصوات ضحك الجمهور. تحديدا، اللقطة التي يكتشف فيها روس وريتشيل أنهما قد تزوجا وهما ثملان في فيغاس، وهي تجربة يجب أن تمر بها بنفسك لتحكم عليها. ما شعرنا به نحن أن اللقطة اكتسبت قدرا كبيرا من الجدية فجأة، وكأنهما في ورطة حقيقية تنتمي إلى مسلسل درامي حقيقي وقادرة على إثارة انتباهك وترقُّبك، لا مجرد موقف مضحك نعلم يقينا أنهم سيتجاوزونه لأننا شاهدنا المسلسل 10 مرات من قبل.

كل ما سبق من مجهودات رايتانو وفوغلر يُوضَع على قناة صوتية يمكنك إلغاؤها ومشاهدة المباراة بدون هذه المؤثرات، ولكن في كوينز بارك رينجرز قرّر المسؤولون نقل أصوات الجمهور إلى الملعب نفسه، إذ كانوا يؤمنون أنها ستؤثر ولو بدرجة بسيطة على أداء لاعبيهم حينما يستضيفون خصومهم، وأنها واحدة من الوسائل التي ستُشعرهم بالأُلفة المفقودة في ملعب كان يضم 16 ألف مشجع كل أسبوع على الأقل.

 

ويل ماكغوناغل مدير التعيين في شركة أوتوغراف، المَعنية بضبط النظام الصوتي للملعب، يقول إنهم قاموا بتقسيمه إلى 12 منطقة، وفي كل منطقة قاموا بوضع مكبرات صوت في المدرجات لتُحاكي أصوات الجمهور، وعبر عملية معقدة تضمّنت التعاون مع شركة "Fan Chants"، التي تمتلك مكتبة بها 26000 تسجيل صوتي لأناشيد الجماهير، تمكَّنوا من خلق أجواء صوتية شبيهة بتلك التي كانت ترج ملعب كوينز بارك رينجرز قبل الجائحة، ولاحظوا تغيُّرا إيجابيا على أداء اللاعبين أثناء المباراة. (8)

 

هذه المحاولات مُكلِّفة للغاية ولا تجلب أي عائد تقريبا سواء لسكاي أو لكوينز بارك رينجرز، وهذه هي الفكرة بالضبط؛ عندما بدأت هذه التقنية تخيَّل البعض أنها ستكون وسيلة مستقبلية لاستبدال المشجعين ولكنها لن تكون كذلك أبدا، ولو سألت ناديا مثل كوينز بارك رينجرز لأكَّد لك مسؤولوه أنهم يُفضِّلون أن يتقاضوا الأموال من المشجعين ليحصلوا على الأجواء الحقيقية بدلا من أن يدفعوها للحصول على أجواء مزيفة.

 

ربما تكون هذه هي الفائدة الوحيدة التي جلبتها الجائحة لكرة القدم؛ قبل ذلك كنا نعلم يقينا أن جمهور كرة القدم غير قابل للاستبدال، لسبب بسيط بديهي هو أن أمواله هي ما يُموِّل اللعبة، الآن صرنا نعلم أنه لو تمكّنت العولمة وشبكات التلفزة من إجلاس الجميع في بيوتهم مستقبلا دون أن تتأثر عوائدهم، فلا شيء سيُضاهي حماس جمهور يتفاعل مع اللعبة على الهواء مباشرة، وأنه ربما هناك مزايا أخرى لجمهور الكرة إلى جانب أموالهم.

———————————————————————————————–

المصادر

  1. لماذا تفوز فِرَق كرة القدم على أرضها وتخسر خارجها؟ – DW Kick Off
  2. كيف تصنع ضجة الجماهير المزيفة في مباريات كرة القدم؟ – DW Kick Off
  3. ضجة الجماهير المزيفة في مباريات البريميرليغ.. كيف تُصنع؟ ولماذا تُستخدم؟ وهل يستطيع اللاعبون سماعها؟ – Goal
  4. برناردو سيلفا: "في وجود المشجعين كان بإمكاني التظاهر بعدم سماع تعليمات بيب!" – BeSoccer
  5. لماذا يكره مشجعو البوندزليغا هوفنهايم وديتمار هوب؟ – Goal
  6. الفيزياء السيكولوجية Psychophysics – Britannica
  7. نايغل بيرسون يقارن أصوات الجماهير المزيفة بضحكات الجمهور في مسلسلات السيتكوم الأميركية – The Standard
  8. مَن يتحكم في أصوات الجماهير المزيفة أثناء المباريات؟ – Four Four Two
المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة