برشلونة وباريس.. تسقط الديمقراطية!

برشلونة هُزم بنتيجة كبيرة في دوري الأبطال للمرة الـ… حقيقة لا نعلم كم مرة حدث الأمر. لقد توقفنا عن العد بعد ليلة أنفيلد. في الواقع، لم يَعُد الأمر يبدو بهذه الأهمية أصلا، لا نعتقد أن أحدا في قواه العقلية الكاملة كان يتوقع عرضا قويا من برشلونة أمام باريس، لا نعتقد أن أحدا كان يتوقع التعادل حتى، ما حدث كان العدالة المنطقية ببساطة، لا مفاجآت في الأمر.

 

هذه هي مشكلة كرة القدم ببساطة؛ الشغف. عادة ما ترتبط هذه العبارة بمعانٍ إيجابية، ولكن الجميع ينسى أن الشغف هو ما يُبقي على آمالك في ليلة كهذه. تملأ الدنيا حديثا عن عدم اهتمامك، عن فقدانك للأمل وتوقفك عن المشاهدة، ثم بانطلاق الصافرة تجد نفسك جالسا تنتظر لمحة من هنا أو هناك، أو لعبة تُغيِّر كل شيء، تنتظر معجزة أو لقطة سحرية.

 

المشكلة أنها المرة العاشرة، أو العشرين، التي تنتظر فيها معجزة في مباراة لبرشلونة. هذه مفارقة مريرة تشرح نفسها؛ لو كانت المعجزات تحدث بهذه الكثافة لما كانت معجزات أصلا، وصارت واقعا اعتياديا. (1)

 

هذه هي قوة كرة القدم كذلك؛ أنها تدفع الناس نحو الخرافات طوال الوقت، ولكن واقعيا، بعيدا عن الخرافات، فإن بوتشيتينو وطاقمه الفني لم يحتاجوا إلى كثير من الوقت للتفكير في إستراتيجيتهم وخطتهم؛ هناك ثغرة ضخمة بحجم الكرة الأرضية في دفاع برشلونة، وكان كل ما يحتاج إليه الأرجنتيني هو أن يملأها بالخوف.

الخوف ليس اللفظة الأنسب هنا، بل الرعب، لأن دفاع برشلونة يخاف أسماء من طراز لوكاس بيريز وموراليس وخايمي ماتا، لذا كان ثلاثي من إيكاردي وكين ومبابي مرعبا بما يمتلكه من مزيج السرعة والفاعلية، كان الثلاثي كافيا لحجز رباعي الدفاع في مناطقهم، بعدها يكفي صعود كورزاوا وفلورينزي بدرجة أقل لحجز الجناحين غريزمان وديمبيليه على الخط، ثم لا يتبقى سوى ميسي وثلاثي الوسط في مواجهة غير متكافئة عدديا أمام ثنائي الدفاع كيمبمبي وماركينيوس، بالإضافة إلى ثلاثية غانا وفيراتّي والرائع باريديس.

 

الأمر بهذه البساطة، والمعركة كانت محسومة تكتيكيا من قبل أن تبدأ. القوة الغاشمة تكفي لخلق التفوق العددي في المنطقة التي سيختارها الأرجنتيني ورفاقه، ببساطة لأنها القوة الغاشمة نفسها التي كان يستخدمها برشلونة من قبل للهدف نفسه عندما كان يملك ثلاثيات هجومية مُشابهة. (2)

 

رغم ذلك، سيكون من السذاجة الظن بأن بوتشيتينو لم يحسب حسابا لهجوم برشلونة. في الواقع، كان الهدف الوحيد من صعود كورزاوا وفلورينزي المحدود هو تجريد الكتلان من أبرز أسلحتهم الهجومية؛ تمريرات ميسي وقدرته على التصرف تحت الضغط، والسرعة الخارقة للفرنسيين على الأطراف.

 

بتقنية الهندسة العكسية نفسها التي استخدمها الصينيون في العقود الماضية، فإن بوتشيتينو يُهندس هجماته بشكل استباقي، هدفه إبعاد مصادر التهديد عن مرماه في حال فقد الكرة. كان هذا هو الهدف الوحيد من صعود ظهيريه بهذا الشكل، ليس فقط لأنه يضطرهما للركض لمسافات طويلة للغاية بعد استخلاص برشلونة للكرة، ما سيُرهقهما مع مرور الوقت، ولكن أيضا لأن هذه الثواني الإضافية التي سيستغرقها غريزمان أو ديمبيليه للوصول ستمنح خط وسطه فرصة محاصرة ميسي وبوسكيتس في العمق بكثافة عددية لا قِبَل لهما بها، وبالتالي وأد المرتدات في مهدها، بل واستخدام محطة انطلاق أجنحة برشلونة، ميسي، في خلق التحولات المعاكسة على دفاع الكتلان. (3) (4)

 

لم يكن الأمر معقدا، ولا نعتقد أنه احتاج إلى الكثير من الدراسة والتخطيط، فعبر مواسم كاملة كان خط التواصل المفتوح بين بوسكيتس وميسي في العمق هو أهم حلول برشلونة للانتقال إلى الثلث الأخير، ومن هناك يتكفّل ميسي بالباقي. هذه الحيلة كانت تنجح مع خطوط هجوم الليغا والأريحية الفطرية التي يواجه بها برشلونة خصومه في إسبانيا، لكنها فشلت في كل مرة واجه فريقا منظما في دوري الأبطال، وحتى ولو لم يكن بقوة باريس أو بايرن أو ليفربول.

مواقع لمسات كورزاوا وفلورينزي حتى تقدم باريس في الدقيقة 65 – المصدر هوسكورد

 

لاحظ كيف أجبر باريس برشلونة على تمديد خطوطه أفقيا بينما راكم بوتشيتينو لاعبيه في العمق لقطع الإمداد عن ميسي – المصدر هوسكورد

فَكِّرْ في الأمر قليلا وستجد أنه حتى في الموسم قبل الماضي، الذي كان ميسي فيه هدافا لدوري الأبطال، وتمكَّن من التأثير بقوة في كل مباريات برشلونة تقريبا، فإن ذلك لم يحدث لأن مدربه وفَّر له قاعدة تكتيكية تُمكِّنه من التألُّق؛ أمام ليفربول اضطر الأرجنتيني للتسجيل من ركلة حرة إعجازية ومتابعة داخل المنطقة، أمام يونايتد كان هدفاه من خطأ ليانغ ومتابعة لتوغل من كوتينيو، وأمام تشيلسي اضطر للخروج على الخط والتسديد من زاوية صعبة للغاية للتسجيل في مرمى كورتوا، وقبلها سجَّل مِن تَحوُّلٍ قاده إنييستا، وبعدها من مرتدة تولّى أمرها بنفسه.

 

فَكِّرْ قليلا وستكتشف أن العمق كان مُحرَّما على ميسي في هذه الأوقات، وستكتشف أنه لم ينجح في اختراقه إلا بأخطاء فردية فجة أو بعد تقدُّم برشلونة في النتيجة وحاجة الخصم إلى الصعود والتعويض. قصة تكتيكية بائسة مُثيرة للشفقة ولكنها حقيقية تماما كذلك.

 

ما سبق هو ما يُثبت قدر التغيير الذي أحدثه بوتشيتينو في فترته القصيرة حتى اللحظة. بعد تقدُّم برشلونة كان من المتوقع أن يندفع الخصم بكل خطوطه لمحاولة الرد على هذه الوقاحة، ولكنّ بوتشيتينو ولاعبيه كانوا يعلمون أن خطتهم كفيلة بتحقيق الفوز حتى لو ساءت الأوضاع مؤقتا. باريس لم يُعدِّل من أموره، بل استمر على النهج نفسه وكان له ما أراد.

 

أصلا حقيقة أن برشلونة يحتاج إلى توغلات دي يونغ داخل المنطقة للتسجيل هي قصة تكتيكية بائسة أخرى. الهولندي رائع في كل ما يفعله منذ بداية الموسم تقريبا، ولياقته البدنية تتصاعد بشكل ملحوظ مع كل مباراة جديدة، ولكن استغلال كومان له بهذا الشكل ليس إلا تعبيرا آخر عن قلة الحيلة وانعدام الخيارات.

لاعبو الوسط يندفعون للمنطقة للتسجيل طوال الوقت في كل فِرَق أوروبا الكبيرة، ولكن ليس عندما يلعبون بجانب بيدري وبوسكيتس؛ الأول شاب يشق طريقه في مركز جديد بعد أن نشأ صانع ألعاب، والثاني كهل قضى آخر ثلاثة مواسم في محاولة اللحاق بسرعة اللعبة المتزايدة، أو بالأحرى في الفشل في اللحاق بسرعة اللعبة المتزايدة.

 

لهذا السبب تحديدا كان الإصرار على الصبر هو أهم ما فعله بوتشيتينو في هذا اللقاء. لا يصبر إلا الواثقون أو الأغبياء، ما يُحدِّد أيهما كان بوتشيتينو هو المنطق. باريس أفضل من برشلونة في كل الخطوط باستثناء حراسة المرمى، والتفوق لم يكن إلا مسألة وقت، مسألة وقت حتى يغفل ديمبيليه عن كورزاوا أو يكتفي بملاحقة شكلية تُعفيه من المساءلة، ومسألة وقت حتى يتمكّن الظهير الفرنسي من الوصول إلى منطقة خطيرة، ومسألة وقت حتى تنفجر طاقة مبابي وسرعته في وجه مدافعي برشلونة.

 

بصراحة، سرعة مبابي هي مشكلة لأي مدافع في العالم وليس لمدافعي برشلونة وحدهم. هذا النوع من التفوُّق المتطرف في جزئية ما لا يُجابه فرديا، بل تكتيكيا كمجموعة، ومن السخف لوم بيكيه أو لونغليه على عجزهم عن مجاراة الفهد الفرنسي. ديست وسيميدو هم من أسرع المدافعين في العالم، ولكنهم فشلوا فرديا أمام مبابي وديفيز في آخر كارثتين، رغم أنهم بدؤوا بشكل مُبشِّر للغاية في المباراتين.

 

بعدها ينتهي كل شيء، بوتشيتينو كان يعلم من البداية أن تقدُّمه بهدف واحد كان كفيلا بالتسبُّب في فضيحة، ببساطة لأن كومان لا يملك دكة بدلاء إلا في خط واحد، أو لأنه يعتقد أن ديباي كان سيساعده في مباراة كهذه رغم الزحام الذي يملأ مركزه، أو لأنه ليس مدربا كبيرا من الأساس. تتعدد الأسباب ولكن النتيجة واحدة؛ هرج ومرج في صفوف برشلونة لأن الهولندي لا يملك حلولا سوى الدفع بالمزيد من المهاجمين على حساب لاعبي وسطه ودفاعه، سائرا نحو الفخ ببلاهة وإصرار لا يتناسبان مع فارق الإمكانيات.

"رونالد كومان" مدرب نادي برشلونة

هذه مشكلة أخرى من مشكلات نادي برشلونة؛ أنه يملك ما يكفي من لاعبي الجيل التاريخي لتظل ذكرى الأيام الجميلة في مخيّلته، وهذا يمنعه من التعامل مع الواقع على حقيقته وإدراك حدود قدراته.

 

قبل سقوط بارتوميو بأيام كتب روري سميث في نيويورك تايمز متسائلا؛ هل تصلح الديمقراطية لنادٍ مثل برشلونة؟ هل تصلح الديمقراطية في كرة القدم عموما؟ (5)

 

فكرة سميث كانت بسيطة؛ الديمقراطية قد تسمح لبرشلونة بالعودة يوما ما في المستقبل، لأنها هي ما منحته الأدوات لعزل بارتوميو، ولكن ألم تكن الديمقراطية هي ما أتت ببارتوميو في المقام الأول؟ ألم تكن الديمقراطية هي ما أتت برئيس منتخب راكم على النادي أكبر دَيْن في تاريخ الرياضة عموما وهو يملأ تشكيلته بلاعبين لا مكان لهم؟ (6)

 

بالطبع هذا يقودك إلى العديد من الأسئلة الأخرى، مثل؛ هل كان أعضاء برشلونة مؤهلين لاختيار رئيس أصلا؟ القصة التي نعلمها هي أن ثلاثية 2015 هي ما ضمن له الفوز بالانتخابات، وهذه هي مشكلة الديمقراطية بالضبط، أن الرئيس يقضي فترته في محاولات مستمرة لإرضاء الأعضاء حتى يُعاد انتخابه، ومنطقيا، هناك نقطة واحدة فقط قد يلتقي فيها رجل أعمال لا يعلم شيئا عن كرة القدم مع جمهور مُولع بمنافسة الغريم التقليدي، وهي ضم المزيد من النجوم بأسعار فلكية.

 

ومع كل نجم جديد يفشل، يسعى بارتوميو نحو آخر على أمل إنقاذ الموقف، في متوالية عبثية أشبه بالركض على رمال متحركة، والهدف هو ضمان إعادة انتخابه عند لحظة ما في المستقبل، أو على الأقل تحقيق مجد شخصي يضمن له نجاحات على أصعدة أخرى في أعماله الخاصة.

"بارتوميو" أثناء تقديمه "رونالد كومان" كمدرب رئيسي جديد لنادي برشلونة

ربما المشكلة ليست في الديمقراطية بحد ذاتها، بل في ضوابطها. هل يجب أن يحصل رئيس برشلونة، أو أي نادٍ آخر، على صلاحيات مُماثلة؟ هل من المنطقي أن يُعيِّن كل أفراد الإدارة الرياضية حتى يضمن أن يكونوا من الموالين له ولقراراته؟ ألا ينبغي أن تكون هناك لائحة تُجبره على الحصول على موافقة اللجان التقنية والفنية قبل إنفاق نصف مليار يورو على أجنحة ومهاجمين لم يُحقِّقوا نصف الاستفادة المَرجوّة؟

 

مع كل هزيمة مُذِلّة جديدة سيتجدَّد الحديث عن بارتوميو، الرجل الذي لم يكتفِ بتشويه ماضي برشلونة وحاضره، بل نجح بطريقة ما في نسف مستقبله كذلك. فقط قِفْ للحظة وتخيَّل أن بشاعة تجربته الإدارية دفعت كاتبا أميركيا مُثقفا للتشكيك في جدوى الديمقراطية.

 

ربما كان الأمر الوحيد الذي أخطأ تقديره سميث هو أن الديمقراطية منحت برشلونة طريقا للخروج رغم كل شيء. صحيح أن إعادة بناء النادي كاملا، وليس الفريق وحسب، قد تستغرق 5 سنوات أو أكثر، وصحيح أنه لا توجد طريقة واقعية لسداد ديونه في الوقت الحالي سوى بيع كل ما يقدر على بيعه من اللاعبين، وصحيح أنه قد يدخل في دوامة اقتصادية تُطيح به خارج المنافسة لسنوات طويلة، ولكنه لم ينتهِ تماما بعد. ما زال برشلونة موجودا.

 

الرهان الأهم الآن هو على قدرة أعضائه على التعلُّم من أخطائهم وتجنُّب تكرارها، وعلى إحساسهم بالمسؤولية تجاه اختيارهم القادم. في الواقع، يبدو أن هذا هو رهان فكرة الديمقراطية عموما؛ ذاكرة البشر وقدرتهم على التعلُّم والتطوُّر و… لا عليك، انسَ كل ما سبق، لأن نظرة واحدة حولك ستكشف أنه ليس أمرا يستحق المراهنة عليه، ربما لم يكن سميث مخطئا لهذه الدرجة.

——————————————————————————————-

المصادر

  1. كرة القدم والمنطق لا يمتزجان – نيويورك تايمز
  2. تحليل لثلاثيات برشلونة الهجومية عبر الزمن – Total Football Analysis
  3. تقرير المباراة – Whoscored
  4.  مركز المباراة – Whoscored
  5.  مقال روري سميث: هل تصلح الديمقراطية لبرشلونة؟ أو في كرة القدم عموما؟ – New York Times
  6. دين برشلونة الملياري سيؤشر لانهيار كارثي وخروج ليونيل ميسي – Telegraph
المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة