ماكينة الأهداف والتمريرات الحاسمة.. هل يكسر صلاح رقم آلان شيرر التاريخي؟

محمد صلاح وآلان شيرر

"هذا مهاجم خارق، يملك كل ما تحتاجه اللعبة الحديثة. لا يمتلك نقطة ضعف واضحة، سريع، ويمتلك قدما يسرى قاتلة، وقادر على توقع المساحات داخل الصندوق وحوله، وبنيته مثالية، بالإضافة إلى قوته وسرعته بالكرة وبدونها وفطرته التهديفية. هذا لاعب كرة قدم عظيم، بل الأعظم"

– آلان شيرر (1)

في المرحلة نفسها من موسم صلاح التاريخي الأول في البريميرليغ 2017-2018، أي بعد 18 جولة بالضبط، كان الجناح المصري قد نجح في تسجيل 14 هدفا وصناعة 4 غيرها، أي أنه كان قد شارك في إجمالي 18 هدفا. الآن، وصل صلاح بهذا الرقم إلى 24. قف للحظة، وتذكر أن الرقم الأول تحقق في الموسم الذي كسر فيه صلاح كل أرقام البريميرليغ القياسية التاريخية في التهديف، ثم عُد للموسم الحالي وتخيل أنه نجح في التفوق عليه، حتى اللحظة على الأقل(2)(3).

 

جُل هذا الفارق الرقمي (6 مشاركات إضافية) أتى من صناعة الأهداف التي ارتفعت من 4 إلى 9 عند هذه المرحلة في الموسمين، وهو أمر منطقي، إذ كيف يمكنك التفوق على الرقم التاريخي الصامد حتى اللحظة في التهديف؟ بصناعة المزيد من الأهداف طبعا. عدد الأهداف التي صنعها صلاح حتى اللحظة، أي قبل انتصاف الموسم بجولة واحدة (9 أهداف)، يعادل تقريبا عدد الأهداف التي صنعها في موسم 2017-2018 التاريخي كاملا (10 أهداف).

هذا هو ما أغرى "مات فورنيس"، محرر "The Analyst"، بطرح السؤال: هل ينتقل صلاح للمستوى الأعلى؟ هل يحطم الرقم القياسي لعدد المشاركات التهديفية -بالتسجيل والصناعة- في موسم واحد؟ هل يكون الرجل الذي أتى للبريميرليغ فقهر كل من سبقوه قبل أن يرحل؟ هل ينهي الموسم وهو يتصدر قائمتَي التهديف وصناعة الأهداف كما هو الآن؟(4)(5)

 

حتى الآن، تضم هذه القائمة 8 مواسم فردية هي الأعظم في تاريخ البريميرليغ بالنسبة إلى لاعبي الهجوم، يتذيلها تييري هنري بـ39 مشاركة في موسم 2004-2005، متعادلا مع دروغبا وفان بيرسي بالعدد نفسه من المشاركات في موسمَي 2009-2010 و2011-2012 على الترتيب، ثم يعلوهم صلاح بـ42 مشاركة في موسم 2017-2018، ثم لويس سواريز بـ43 مشاركة في 2013-2014، وبعدها يظهر تييري هنري مجددا بـ44 في موسم 2002-2003، وأخيرا يتعادل كل من آندي كول وآلان شيرر في القمة بـ47 مشاركة -تخيل الرقم!- في موسمَي 1993-1994 و1994-1995 رفقة نيوكاسل وبلاكبرن على الترتيب، وبتفاصيل الحصيلة نفسها؛ 34 هدفا و13 تمريرة حاسمة(4).

 

عقلية البطل

بعض الإجابات المهمة كثيرا ما تكون في آخر مكان نتوقعه. على سبيل المثال، لعبت الراحة السلبية التي حصل عليها صلاح قبل بداية الموسم الحالي دورا كبيرا في وصوله إلى هذا المستوى البدني والذهني في مراحل مبكرة من الموسم. لم يحصل أحد على أي راحة تُذكَر قبل بداية الموسم الماضي بسبب تلاحم المباريات، أما صيف 2018 فقد قضاه صلاح في السفر الطويل عبر روسيا أثناء فعاليات كأس العالم، خاصة إذا علمت أن البعثة المصرية آنذاك اختارت مدينة بعيدة للإقامة بناء على اعتبارات غير رياضية لا داعي للخوض فيها(1).

في تفسيره للأمر، اختار "بيب لييندرز"، مساعد كلوب الأول الموثوق، هذه الإجابة تحديدا: الراحة. صلاح قسّم وقته أثناء الإجازة ما بين الشاطئ وصالة الألعاب الرياضية، وكان متفهما لقرار ليفربول بمنعه من السفر إلى طوكيو رفقة المنتخب الأولمبي المصري، وهذا انعكس بالإيجاب على حالته عند وصوله لمعسكر النمسا الصيفي(6).

 

هذا السبب البديهي -الراحة- قد يكون هو الأكثر أهمية على الإطلاق، لأن السبب الثاني الذي ذكره لييندرز أثناء حواره مع "The Athletic" في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، لم يعد حاضرا ببساطة. مساعد كلوب ذكر ما أسماه بـ"الصلة بين عناصر الجبهة اليمنى (The Right-Side Connection)"، وما كان يقصده هو الأدوار المختلفة لمركز 8 أو لاعب الوسط الثالث الأيمن رفقة أرنولد وصلاح، والتي قام بها في بداية الموسم الشاب هارفي إيليوت قبل إصابته المفجعة، ومن خلال هذا المثلث حصل كلوب ولييندرز على لاعب وسط أقرب إلى الجناح يستطيع الخروج للخط والمراوغة والتفوق في ثنائيات واحد على واحد، ليسمح لصلاح بالتسلل في أنصاف الفراغات والاقتراب أكثر من الصندوق(6).

 

كل هذا كان يحدث على خلفية بطلها أرنولد نفسه الذي كان يتحرك إلى عمق الملعب في محاولة لتأمين دفاع الفريق في حالة فقدان الكرة، في عملية ترحيلٍ دقيقة وبديعة تشبه ما كان يفعله بيب غوارديولا مع فيليب لام في بايرن وكانسيلو في سيتي الآن، مع الفوارق في التفاصيل بين الحالات الثلاث طبعا.

 

رغم هذه الإصابة، نجح صلاح في الاستمرار في معدلات التهديف والصناعة الخرافية حتى بعد عودة هندرسون إلى موقعه السابق في هذه المساحة، وهو ما يفسره المدرب الهولندي بعقلية صلاح الذي دخل الموسم مصمما على استعادة الحذاء الذهبي، وتحقيق المزيد من البطولات مع ليفربول، رغم كل الضغط الذي تحمله مفاوضات التجديد المتعثرة، والأخبار المتناثرة هنا وهناك عن احتمالية رحيله.

نحن أمام رجل ليس قادرا على مواجهة الضغط وحسب، بل إن درجة تركيزه تجعله يقدم أفضل مستوياته في هذه الوضعية، في حين أننا رأينا الكثير من اللاعبين يفقدون مواسم كاملة لحساب مفاوضات التجديد، ولا يستطيعون تقديم الحد الأدنى من المستوى المقبول.

 

مسار إجباري

في موسم 2017-2018 لعب صلاح 36 مباراة في البريميرليغ، ولو حاولنا رسم مسار إحصائي لما تبقى من الموسم الحالي، بفرض أنه سيتمكن من لعب العدد نفسه من المباريات، فإن استمراره على هذا المعدل من تسجيل الأهداف وصناعتها سيكون كافيا لتجاوز رقم شيرر وكول بهدف واحد، ليصبح أكثر مَن شارك بالأهداف في موسم واحد بـ48 مرة(2)(3).

 

ما يجعل هذه الاحتمالية مغرية هو حقيقة أن صلاح تفوق على نفسه في النصف الثاني من موسم 2017-2018، فبينما سجل 14 هدفا وصنع 4 في النصف الأول، تمكن من تسجيل 18 وصناعة 6 في النصف الثاني من الموسم، أي أنه من المحتمل أن يتجاوز صلاح الرقم بفارق مريح يجعله محفوظا باسمه لفترة طويلة(3).

 

الرقم الثاني الذي قد يكسره صلاح هذا الموسم هو عدد المباريات المتتالية التي شهدت مشاركته بهدف (تسجيل أو صناعة)، وهو حاليا يقف عند 15 مباراة متتالية متعادلا مع إنجاز جايمي فاردي في موسم 2015-2016 على قمة القائمة، وهو رقم آخر قد يحتفظ به صلاح لنفسه لو تمكن من التسجيل أو الصناعة أمام ليدز في الجولة التاسعة عشرة من البريميرليغ(4).

المشكلة الوحيدة في كل ما سبق قد تكون المفاوضات الحالية حول موعد إقامة كأس الأمم الإفريقية، والتي قد تحرم صلاح من أي فرصة لكسر رقم شيرر أو معادلته حتى. جياني إنفانتينو، رئيس الفيفا، صرح بأنه يدعم تأجيلها للصيف حتى لا تتأثر الأندية الأوروبية أثناء احتدام الدوريات. في الواقع، ما سيحدث لليفربول هذا الموسم لو فقد صلاح ومانيه وكيتا لمدة شهر كامل في وسط الموسم، سيكون تحذيرا واضحا لكل أندية أوروبا الكبيرة من التعاقد مع لاعبين أفارقة أساسيين أو الاعتماد عليهم في المستقبل(7)(8).

 

الرقم القياسي يظل مجرد رقم في النهاية، أنت لم تكن تحتاج لقراءة اسم شيرر أو دروغبا أو هنري أو فان بيرسي في القائمة أعلاه لتعلم أنهم كانوا من أعظم مهاجمي البريميرليغ في تاريخه، ولكن يظل للأرقام سحرها الخاص الذي يختصر الكثير من التفاصيل للأجيال القادمة.

 

الأهم، أن تحقيق رقم كهذا، بغض النظر عن تحقيق ليفربول للألقاب هذا الموسم من عدمه، قد يجعل صلاح أول لاعب عربي يفوز بالكرة الذهبية. إنجاز آخر لم يعد يعني الكثير بالمعايير المنطقية، ولكنه سيظل جديرا بالفخر رغم ذلك.

صلاح يملك كل ما يحتاج إليه لكسر رقم شيرر، والذي يتصدر قائمة الهدافين التاريخيين للبريميرليغ بـ260 هدفا، ولكنه لا يحتاج إليه ليثبت أفضليته الحالية على باقي مهاجمي العالم بفارق ملحوظ يصعب الاختلاف عليه. الفكرة هنا ليست في مراكمة إحصائيات تهديفية بلا معنى، بل في حقيقة أن هذه الإحصائيات لا تفي صلاح حقه من التقدير هذا الموسم، فهي لا تُظهر صعوبة الأهداف وأهميتها طبقا لحالة المباراة، ولا عدد اللاعبين الذين راوغهم قبل التسديد، ولا تظهر عدد الفرص التي صنعها لزملائه وأهدروها، ولا حقيقة أنه أصبح غير قابل للإيقاف بأي شكل ممكن. هذا ما يعتقده شيرر نفسه، وإن كنت لا تصدقنا فما عليك إلا العودة للاقتباس الذي افتتحنا به هذا المقال(9).

——————————————————————————————

المصادر:

  1. التسديدة، والتوقيت، والعبقرية..آلان شيرر يحلل أهداف صلاح – The Athletic
  2. السجل التهديفي لمحمد صلاح في موسم 2017-2018 – Transfermarkt
  3. السجل التهديفي لمحمد صلاح في موسم 2021-2022 – Transfermarkt
  4. أكبر عدد من المشاركات التهديفية في موسم واحد – The Analyst
  5. إحصائيات لاعبي البريميرليغ خلال الموسم الحالي 2021-2022 – موقع البريميرليغ الرسمي
  6. الراحة والعقلية والتواصل بين عناصر الجبهة اليمنى..سر تألق صلاح هذا الموسم – The Athletic
  7. كأس الأمم الإفريقية 2021..موتسيبي رئيس الكاف يؤكد أن المنافسات ستكون استثنائية – BBC
  8. كأس الأمم الإفريقية 2022..جياني إنفانتينو رئيس الفيفا يدعم خيار التأجيل مع تهديد متوقع لإقامة بطولة كأس العالم للأندية – Inews
  9. هل يعد محمد صلاح أفضل لاعب في العالم حاليًا؟ – The Athletic
المصدر : الجزيرة