تحكُّم أفضل وإصابات أقل.. هل يُهيمن قصار القامة على كرة القدم مستقبلا؟

في عام 2011، أصدر مرصد اللاعبين المحترفين (Professional Football Players Observatory) دراسته السنوية الثالثة على التوالي، وفيها أدركنا أن برشلونة، أفضل فريق في العالم آنذاك، كان الأقصر كذلك (بالنظر إلى متوسط أطوال لاعبيه)، ربما للمرة الأولى في تاريخ اللعبة. (1)

بالطبع، لم يعنِ ذلك أي شيء في وقتها سوى استثنائية هذا الفريق، ببساطة لأن الفِرَق التالية في ترتيب الطول كانت؛ شامروك روفرز، وأيك لارناكا، ولوريان، وسانت ميرين. لم تسمع عنهم من قبل؟ حسنا، هذا يُثبت الفكرة. المهم أن هذا الفريق كان استثنائيا لأن الطول، أو درجة معينة منه بالأحرى، كانت أمرا ضروريا للنجاح في اللعبة، وربما لا يزال كذلك.

في 2014 مثلا، قاس الباحث الصحفي كريس أندرسن، الذي شارك في تحرير كتاب "لعبة الأرقام" (The Numbers Game)، مدى الترابط بين النجاح في كرة القدم، باستخدام معامل فيفا (FIFA Coefficient)، وبين متوسط الأطوال لمنتخبات كرة القدم، باستخدام البيانات المتاحة من ويكيبيديا. (2) (3)

النتيجة التي توصَّل إليها أندرسن كانت أن العلاقة بين الأمرين واضحة، وأن منتخبات مثل البرازيل وإسبانيا وإيطاليا وإنجلترا تتفوَّق في هذه العلاقة، وإسبانيا بالأخص كانت الأكثر بروزا، ولكن هذه التجربة الإحصائية لم يكن لها أية قيمة، ببساطة لأن متوسط الأطوال لا علاقة له بالأمر، والمتوسطات عموما ليست الطريقة المثلى للتدليل على هذه العلاقة.

كتاب "لعبة الأرقام" (The Numbers Game).

مثال بسيط؛ يعتقد الكثير من الباحثين في مجال كرة القدم أن هناك عُمرا مناسبا للاعب غالبا ما يصل فيه إلى قمة مستواه، وهذا العمر يتراوح بين 25-29 سنة، وهي نظرية تبدو منطقية؛ متوسط أعمار المنتخبات التي فازت بكأس العالم كان 27.5 سنة بالضبط، وأصغر فريق فاز بالبطولة كان الأرجنتين في 1978 بمتوسط بلغ 25.7 سنة، والأكبر كان البرازيل في 1962 بمتوسط 30.7 سنة، وآخر لقب فازت به فرنسا بمتوسط بلغ 26.3، وألمانيا فازت بالذي سبقه بمتوسط 27.3، وحتى إسبانيا نفسها فازت بالمونديال عندما كان متوسط أعمارها 27.3 سنة، وخسرته في 2006 عندما كان المتوسط 24.9. (4)

للوهلة الأولى تبدو هذه النظرية صلبة للغاية، بينما الحقيقة تقول إن فرنسا لم تكن تملك إلا لاعبين اثنين فقط في هذه الفئة العمرية في 2018 هما غريزمان وكانتي، وألمانيا لم تكن تملك إلا 4 فقط هم نوير وميرتساكر وبودولسكي وهوفيديس، لم يلعب النهائي سوى اثنين منهم، وهكذا يمكنك العثور على العديد من الثغرات كلما تحدَّث أحدهم عن المتوسطات الإحصائية.

الأهم هو أن الطول موزَّع على مراكز مختلفة، فمن بديهيات اللعبة أن مدافعي القلب يجب أن يفوق طولهم 180 سم على الأقل، بينما ليس هذا ضروريا لمدافعي الجنب، أو للاعبي الوسط، أو حتى للمهاجمين والأجنحة، وبالتالي لا يمكننا استخراج علاقة حقيقية بين متوسط الأطوال والقدرة على لعب كرة القدم بكفاءة، على الأقل ليس بهذه الطريقة.

أقدم حيلة في الكتاب

الحقيقة أن الطول مهم في اللعبة لسبب واضح بسيط؛ وهو أن أسهل ما يمكن فعله في كرة القدم هو ضرب الكرة في السماء وانتظار وقوعها، وهي الحالة التي يصبح فيها الطول ذا أهمية قصوى، ولكن ما حدث خلال السنوات الأخيرة أن الفِرَق التي تلعب بهذه الطريقة باستمرار وانتظام قد تراجعت بشدة، على الأقل في المستوى الأعلى الذي يشمل البطولات الكبرى من اللعبة، ولم تعد تتمتع بالجاذبية الجماهيرية اللازمة، ولا حتى الدعم الإعلامي، لكي تستمر.

الحقيقة أيضا أن الفريق الاستثنائي الذي لم يكن متوسط أطواله يعني شيئا في 2011، تحوَّل إلى موجة عالمية أسَّست لنمط جديد من كرة القدم؛ نمط يهتم ببناء اللعب من الخلف، والدراسة التفصيلية لأساليب لعب الخصوم، والضغط بأنواعه، خاصة بعد ثورة رالف رانييك في ألمانيا، التي أنتجت فيالق من المدربين المؤمنين بأهمية الضغط للتحكُّم في المباراة، وإجبار الخصوم على اللعب وفقا لمتطلباتهم.

مع انتشار هذه الأنماط، أصبح الضغط مؤثرا في طريقة لعب الكرات الطولية من الخلف للأمام، وأصبح أحد أهم أساليب إيقافها والتقليل من دقتها، وهذا أنتج نوعا جديدا من التمريرات الطويلة المعزولة التي لا تُوجَّه لرؤوس اللاعبين بقدر ما تُوجَّه إلى مساحات تسمح لهم بالركض نحوها، أو الهبوط للتخلُّص من الرقيب ثم الاستلام والدوران، وغيرها من التقنيات التي أصبحت أكثر شيوعا الآن من الكرات الطويلة التقليدية القديمة، حتى في البريميرليغ وفي إنجلترا، البلد الذي بنى ثقافته الكروية كاملة على هذه الفكرة لعقود.

إن أضفت إلى ما سبق الوعي المتزايد بخطورة ضرب الكرة بالرأس، والإصابات طويلة الأمد التي تنتج عن ارتطام رؤوس اللاعبين بعضها ببعض أثناء الالتحامات الهوائية، فلن يمر وقت طويل حتى تأتي المبادرة من اللاعبين أنفسهم ويبدأوا في تجنُّب هذا الأسلوب من اللعب حفاظا على صحتهم المستقبلية، بعد أن اتضح أثره في الإصابة بأمراض مثل الخرف وألزهايمر وغيرها. (5)

بالتخصُّص

في إحدى محاضراته، يتحدَّث المحقق الصحفي الرياضي ديفيد إبستين عن تطور أجساد الرياضيين عبر الزمن، فيبدأ بالقول إن الاعتقاد القديم كان يقضي بأن الطول المتوسط كان الأمثل لممارسة جميع الرياضات، ثم أتى عصر التخصُّص، فأصبح من المهم للسبّاحين مثلا أن يكون الجذع أطول مقارنة بالمتوسط، وكذلك الذراعان، وهو ما لخَّصه بالقول إنه كلما اقترب السباح من نِسَب أجسام الأسماك (ذراعان طويلتان وجذع طويل مع ساقين قصيرتين) كان أفضل. (6)

يمكننا القول إن أمرا مشابها قد حدث في كرة القدم؛ تطوُّر أساليب الضغط تطلَّب تطوُّر مهارات الاستلام والتسليم والتمرير، وهي مهارات تدفع المدربين للاعتماد على لاعبين أكثر مرونة، بردود أفعال أسرع، وقدرات أكبر على التحكم في الكرة.

ستازينوس ستافرانياس، بروفيسور علم التدريبات بجامعة ويلاميت الأميركية، يشرح الأمر باعتباره بديهية مُسلَّما بها؛ قصار القامة يملكون ما سمَّاه بـ "أنماط خطو أسرع" (Quicker Stepping Patterns)، وهو ما يعني أنهم يرتكزون على الأرض عدد مرات أكبر، بتباعد أقل، وهو ما يكفل لهم تسارعا أكبر مقارنة بطوال القامة، بالإضافة إلى المزية الأهم وهي أن "قصار القامة يمكنهم تغيير اتجاههم أسرع بكثير من أقرانهم من طوال القامة، بالإضافة إلى كونهم يمتلكون قدرا أكبر من التحكُّم في أطرافهم، وهذا ما يجعلهم تهديدا أكبر للمدافعين". (3)

هذه المزية -تغيير الاتجاه أثناء الركض بسرعة- هي الأهم على الإطلاق في المراوغة، ولكنها أصبحت الأهم كذلك في تطبيق الضغط مؤخرا، إذ يسعى الكثير من المدربين لاستخدام لاعب واحد لحجز لاعبين من الخصم، وذلك حتى يحتفظ بأفضلية عددية في الخلف تسمح له بتطبيق التغطية الوقائية في حال تفوق مهاجم الخصم على رقيبه مثلا، وتطبيق هذا الأسلوب من الضغط يتطلَّب أن يركض المهاجمون ولاعبو الوسط في مسارات التمرير بطريقة منحنية، أو ما يُعرف بالـ "Curved Run"، لأنها مفيدة في حجز أحد لاعبي الخصم والركض نحو آخر في الوقت ذاته. (7)

الركض المنحني أثناء عملية الضغط    (مواقع التواصل)

أضف إلى ما سبق ما يؤكِّده تقرير مهم نُشر على "BBC Future" في 2015، يقول إن قصار القامة عادة ما تكون ردود أفعالهم أسرع بسبب قِصر أطرافهم، وبالتالي قِصر المدة الزمنية التي تستغرقها الإشارات العصبية من المخ إلى باقي الأطراف. كذلك هم يتمتعون بقدرة أكبر على الاتزان نتيجة لمركز ثقلهم المنخفض نسبيا، وهو ما يؤكِّده جميع مَن واجهوا أمثال مارادونا وميسي. (8)

"أول ما تكتشفه عن ميسي بعد مواجهته هو أنه أقوى بكثير مما يوحي به جسده، والإطاحة به ليست سهلة على الإطلاق.. من الصعب جدا إسقاطه بالقوة البدنية".

(بول سكولز عن مواجهته لميسي في نهائيَّيْ دوري الأبطال 2009 و2011) (9)

بعض الدراسات ترى أن طوال القامة أكثر عُرضة للإصابات كذلك، بسبب كونهم يحملون أوزانا أكبر في أجسامهم دون اختلاف كبير في كثافة العظام أو العضلات مقارنة بقصار القامة. أحد التقديرات يقول إن زيادة قدرها 20% فقط في الطول كافية لتُولِّد ضِعْف الطاقة الحركية (Kinetic Energy) عند السقوط، ما يعني ارتطاما أقوى واحتمالا أكبر للكسور والتمزُّق العضلي، وهو ما تؤكِّده دراسة أخرى مهمة لاثنين من باحثي جامعة أوكسفورد اكتشفت أن النساء اللاتي يبلغ طولهن 5 أقدام و8 بوصات تبلغ احتمالات إصابتهم بكسر في الحوض ضِعْف احتمالات النساء اللاتي يبلغ طولهن 5 أقدام وبوصتين. (8) (10)

سوتشيك.. توماس سوتشيك

كالفرت لوين

هذه الفكرة تنطبق أساسا على المهاجمين ولاعبي الوسط باعتبارهم يُمثِّلون الموجة الأولى والثانية من الضغط، ولكنها لا تنطبق على المدافعين ولاعبي الارتكاز إلا فيما ندر، وحتى اللحظة لا يزال امتلاك لاعبين طوال القامة في قلب الدفاع على الأقل أمرا لا مفر منه، ولكن تدريجيا، بدأ طوال القامة ينحصرون في مدافعي القلب فقط، وكل هذا دفع المدربين للاعتماد على الرأسيات في حالة واحدة فقط هي الكرات الثابتة.

تلك كانت القاعدة في الموسم الماضي من البريميرليغ مثلا وما عداها كان الاستثناء، ففي قائمة اللاعبين الذين أحرزوا أهدافا من الرأسيات تصدَّر كالفرت لوين -الاستثناء الأهم لهذه القاعدة- بسبعة أهداف طوال الموسم، ثم تلاه كريستيان بنتيكي وكافاني بستة أهداف لكلٍّ منهما، وهاري كين بأربعة، وفي باقي القائمة، التي شملت أكثر من 120 لاعبا، لم يُحرز أي مهاجم أكثر من هدفين مهما بلغ طوله، ربما باستثناء ثنائي ليفربول روبرتو فيرمينو ودييجو جوتا، اللذين لا يمكن اعتبارهما من طوال القامة بأي تقدير، إذ يبلغ طولهما 181 و178 سم على الترتيب. (11)

تتكرَّر الظاهرة نفسها في قائمة أكثر 50 لاعبا فوزا بالالتحامات الهوائية في البريميرليغ، فطبقا لموقع "Whoscored"، كان 32 لاعبا منهم مدافعي قلب، و12 من المهاجمين بعضهم قصار القامة، بخلاف 4 لاعبي وسط لعل أبرزهم التشيكي توماس سوتشيك، المعادل العصري لمروان فيلايني، أحد لاعبي مدرب مانشستر يونايتد الأسبق ديفيد المويس المفضلين عبر التاريخ. (12)

توماس سوتشيك

المثير أن سوتشيك هنا مثال مهم على القاعدة وليس استثناء لها كما هو متوقَّع، فالتشيكي يفوز بـ 2.6 التحامات هوائية في المباراة الواحدة في البريميرليغ، ليس لأنه لا يستطيع الفوز بأكثر من ذلك، ولكن لأن أسلوب اللعب لا يملك رفاهية الارتكاز عليه بشكل أساسي، على عكس منتخب التشيك الذي يتضاعف معه هذا الرقم إلى 5.2 في المباراة الواحدة، غالبا بسبب ضيق الوقت المتاح لابتكار الخطط وأساليب اللعب، ما يدفع مدربي المنتخبات عادة للاعتماد على المهارات البديهية الواضحة، سواء كانت فنية أو بدنية أو لياقية. (13)

"لقد قمت بتدريب جسدي لكي أصبح أشبه بالثور، قصيرا وجاهزا للمعركة!".

(بيتشنتي ليزارازو نجم بايرن ميونيخ وفرنسا المعتزل) (3)

في 2011 كان أفضل فِرَق العالم هو أقصرها، وفي السنة نفسها، صرَّح الفرنسي المعتزل بيتشنتي ليزارازو، ظهير أيسر بايرن ميونيخ سابقا، أنه عانى في شبابه من قلة الفرص بسبب قصر قامته، ولكن هذا دفعه لتطوير لياقته وقوته بشكل أكبر. ليزارازو كان يعتقد أن "هؤلاء الذين يبدأون السباق بأفضلية واضحة مثل الطول يكونون أقل رغبة في تطوير أنفسهم"، وكان هذا لصالحه، ولكن فيما يبدو سينقلب الوضع مستقبلا، إن لم يكن قد بدأ في الانقلاب بالفعل.

_______________________________________________

المصادر:

  1. أنماط كرة القدم في 2011؛ ملخصها وتفاصيلها – The Guardian
  2. كتاب لعبة الأرقام؛ لماذا قد يكون كل ما تعرفه عن كرة القدم خاطئا؟ – Amazon
  3. لماذا قد يكون قصر القامة مفيدا في كرة القدم؟ – The Atlantic
  4. متى يصل لاعبو كرة القدم إلى قمة مستواهم؟ – BBC
  5. الخرف؛ هل يتسبب ضرب الكرة بالرأس في الإصابة بالمرض؟ – BBC
  6. هل يصبح الرياضيون أقوى وأسرع وأفضل؟ – Tedx
  7. مسارات الركض المنحنية وإجبار الخصم على اللعب المتوقع – Session Planner
  8. طويل أم قصير؛ أيهما الأفضل؟ – BBC Future
  9. بول سكولز: "ليونيل ميسي عبقري ولا يحتاج إلا إلى لحظة لكي يجعلك تبدو أحمق!" – Independent
  10. الجسم والطول وكسر الحوض؛ دراسة تضمَّنت 90 ألف سيدة – Pub Med
  11. الأهداف الرأسية في البريميرليغ موسم 2020-2021 – EPL
  12. قائمة اللاعبين الأكثر فوزا بالالتحامات الهوائية في البريميرليغ موسم 2021-2022 – Whoscored
  13. توماس سوتشيك – Whoscored
المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

كان هناك تناقض واضح بين حياة كريم في الملعب وحياته خارجا، وما اكتشفناه في الأعوام الأخيرة هو أن مسيرة بنزيما الاحترافية لم تكن إلا سوء تفاهم كبيرا حُرم خلاله من الحب الذي يستحقه من جماهير ناديه.

Published On 22/9/2021
المزيد من مقالة
الأكثر قراءة