أنا برونو فيرنانديز.. قلت لا لوالدي حتى أطارد حلما، وتحقّق!

قبل أن نبدأ، دعنا نعترف أننا أمام حالة فريدة، لا يُولَد في كل يوم لاعب يتفق على مزاياه المدربون والمحللون والجماهير والصحافة، وكلما سجّل هدفا أو منح تمريرة حاسمة احتفلوا جميعا، ومعهم لاعبو "الفانتازي" فرحا بالنقاط التي يجلبها لهم بمجرد وضعه في التشكيل قبل بداية الجولة.

 

ولأن الحياة قائمة على التسلسل، فبالتأكيد هناك مَن دعته نقاط الجولة في "الفانتازي" إلى متابعة إحدى مبارياته، وقادت 90 دقيقة أحدهم إلى ملخص لمساته، أو هدف مميز أرسله إلى مقطع فيديو لأفضل 10 أهداف سجلها، وإيمانا بمبدأ التسلسل، دعنا نخبرك أن حقبته في مانشستر يونايتد قادتنا إلى التعرف عليه، وحين قمنا بذلك أدركنا أن الحكاية أكبر بكثير من مجرد عام في مانشستر يونايتد.

 

يعجبك في كرة القدم أنها صورة مصغرة للحياة، أليس كذلك؟ الكون كله وحدة واحدة، وما يحدث داخل المستطيل يمكن أن يتكرر خارجه، ولو اتخذ سيناريست قصة من الحياة لتجسيدها كما هي لاتهمه النقاد بالمبالغة، لذلك تجد الحياة دائما أكثر قدرة على الإلهام، وتجد الواقع أكثر سينيمائية من الخيال.

 

كم مرة فكّرت وأنت تشاهد فيلما في أنه لو رفض البطل تنفيذ أمر ما لانتهى الصراع قبل أن يبدأ؟ في الحقيقة فيلم برونو أيضا كاد ينتهي قبل أن يبدأ، وذلك حين قرّر الأب خوسيه فيرنانديز الهرب من الفقر إلى وطن يمنحه عملا ثابتا، أب عاطل عن العمل لديه زوجة و3 أبناء لا يعلم من أين يوفر لهم ما يحتاجون إليه، الأب يجد ما يريده في سويسرا ويستعد لاصطحاب الأسرة معه، ولكن الابن الأوسط يواجه والده بالرفض؛ والسبب؟ كرة القدم. (1)

 

برونو رفض وأخبر والده بأنهم لا يعرفون كيفية لعب كرة القدم في سويسرا، بل وصل به التمرد إلى أنه هدّد بالهرب في حال أصرّوا على خطتهم، فما كان للأب إلا أن انصاع لرغبة المراهق المهووس بالكرة، ليترك الأبناء والزوجة ويذهب للعمل بمفرده. أين كان برونو وقتها؟ في فريق الشباب لنادي بوافيستا البرتغالي، يطارد حلما لم يتشكّل بعد إلا في خيالاته. (2)

 

تذكَّر، الكون كله وحدة واحدة، وكما استطعت البدء من كرة القدم والإسقاط على الحياة يمكنك القيام بالعكس. قدرة برونو على أن يكون صاحب قرار في مراهقته هي نفسها قدرته على تحويل مسار المباريات بقرار شجاع؛ في كل مرة يمنح تمريرة حاسمة أو يسدد من خارج المنطقة أو يترك مركزه لاستلام الكرة من موقع متأخر على الأرجح يكون قراره معاكسا للمنطق التقليدي ورافضا الاستسلام لأسهل الحلول، تماما كما كان في صغره.

 

 

"لقد عملت في هذا المجال لفترة طويلة ويمكنني أن أؤكد لكم: برونو فيرنانديز هو أفضل لاعب لدينا في البرتغال خلال المواسم القليلة الماضية".

 

(رئيس نادي سبورتينغ لشبونة السابق سوزا سينترا)

منذ صغره يشهد له الجميع بالموهبة، وبامتلاك ما يسبق سنه بخطوة أو اثنتين، في سن 7 سنوات التقى برونو بأول مدرب له الذي يُدعى سيرخيو ماركيز، الرجل قال في حوار لـ "فور فور تو" إن إمكانياته كانت واضحة من البداية، حين انضم إلى نوفارا لم يلعب مع فريق تحت 19 عاما إلا 3 أشهر فقط قبل أن يُصعَّد للفريق الأول نظرا لفارق الإمكانيات بينه وبين أقرانه. (3)

 

ربما لا تُصدِّق أن برونو فيرنانديز في بداية مسيرته لعب قلب دفاع، الأمر لا يُصدَّق ليس بالنظر إلى مهاراته فقط، بل بنيته الجسدية التي لا تتناسب مع متطلبات هذا المركز أيضا، لكن رغم أنه لم يكن متحمسا لفكرة أن يصبح قلب دفاع، فقد أدرك منذ ذلك الحين أن تلك التجربة جعلت منه لاعبا أكثر حكمة، وبالمزج بين الموهبة والحكمة نتج ما نراه اليوم.

 

أبيليو نوفيس، لاعب كرة القدم السابق الذي درّب فيرنانديز في بوافيستا يتحدث في سياق متصل عن الأمر ذاته، حيث يقول إن برونو كان مُتقدِّما بسنتين أو ثلاث سنوات على الأطفال الآخرين، ويحكي الرجل أنه صُدم بالمعرفة التكتيكية التي امتلكها في سن صغيرة، وما زال يتذكر عندما كان يلعب مع جيل فيسنتي وكانت لديه مشكلة مع قلب الدفاع في الشوط الأول، ليعرض برونو على الفور أن يملأ الفراغ، وقدّم أداء رائعا قلب به موازين المباراة. (4)

في كرة القدم الحديثة بات هناك توجُّه بألا يُقيَّد اللاعب بمركز واحد مع الفئات السنية الأصغر، حيث إن المطالبة بواجبات محددة تجعل الرؤية التكتيكية للاعبين محدودة ومحصورة في متطلبات مركزهم فقط، لذلك تلجأ الأكاديميات إلى وضع اللاعب في أكثر من مركز في طفولته من أجل تعزيز الرؤية والوعي التكتيكي لديه. ماتياس دي ليخت مثلا لعب ارتكازا في كثير من الأوقات في صغره، لذلك بات أكثر قدرة على البناء من الخلف والخروج بالكرة. (5)

 

هذا هو النهج في أكاديمية أياكس، حيث لم يكن الأمر حكرا على دي ليخت فقط، وهو النهج أيضا في العديد من الأكاديميات التي آمنت بتطور اللعبة، وهذه النقطة لم تكن وحدها ما بلوَر إمكانيات برونو أكثر وجعله أكثر نضجا ومهارة وفاعلية، بل هناك عامل آخر تجده بديهيا في كل قصص الأبطال، العنصر الأكثر أهمية الذي لا يمكن النجاح بدونه ألا وهو الجهد، ألم يخبرك أينشتاين من قبل عن سر العبقرية التي هي 1% نبوغ و99% عمل؟ (6)

 

 

في الحقيقة مرّت مسيرة جوهرة مانشستر يونايتد بالعديد من المراحل، وفي كل مرحلة كان هناك شاهد على اجتهاد الفتى البرتغالي الذي لم يكن يتوقف عن العمل. بالعودة إلى بداية المشهد حيث ماركيز الذي درّبه في السابعة من عمره، نجد أنه شهد له بالرغبة في التطور، حيث أدرك أن لديه الموهبة حين رآه لأول مرة، ولكنه لاحظ احتياجه إلى التحسُّن في بعض الجوانب حتى يلمع بريقه أكثر، فاقترح عليه إجراء جلسات فردية، ووافق برونو على الفور. (7)

 

كانت المجموعة تتدرب أيام الاثنين والأربعاء والخميس، وتلعب أيام السبت، فاقترح ماركيز على برونو أن يحضر كل ثلاثاء في السادسة والنصف مساء للعمل على مهارات التمرير والتحكم في الكرة. ما يكتسبه اللاعب في هذه السن لا يضيع مع السنوات، هل رأيت أحدا يروض الكرة ولديه اللمسة الأولى التي يمتلكها دينيس بيركامب؟ هذه الجودة اكتسبها في صغره حيث كان وحيدا بلا أصدقاء، فقط الكرة والحائط الذي يقضي ساعات يوميا يضرب فيه الكرة لتعود إليه ويضربها مرة أخرى، يحكي بيركامب أن هذه العملية التكرارية التي تبدو مملة لك بمجرد قراءتها كانت تُولِّد بداخله أسئلة حول ماذا لو هبطت الكرة على قدمي اليسرى؟ ماذا لو هبطت على صدري؟ كيف سأتصرف إذا ارتدت خلفي؟ وكل هذه الأسئلة كانت تجد الإجابات في الحال من خلال محاولة امتصاصها في كل هذه الوضعيات بالطريقة الأمثل، ومن هنا جاءت لمسة بيركامب التي لم نشاهد لها مثيلا حتى اليوم. (8)

 

نعود إلى برونو، الصبي صاحب الـ 7 سنوات بات مراهقا في الخامسة عشرة، وذهب في إعارة باستيليريا بالبرتغال أيضا، ويتذكر أنطونيو بيريز مدربه هناك أنه كان يعمل دائما بمفرده بعد التدريبات، وذلك من أجل التحسُّن في تنفيذ الركلات الحرة، إضافة إلى القيام بتمارين التسديد من بعيد، منذ يومه وهو يدرك أنه لا شيء يُولَد بين يوم وليلة. (9)

 

تجاوز المراهق تلك المراحل وابتعد عن بلاده وخاض تجربة احترافية في إيطاليا من بوابة نوفارا ثم أودينيزي، وهناك، قابل ستراماتشيوني المدير الفني السابق لإنتر ميلان الذي يتذكر حكايات مشابهة عن برونو الذي لا يكل، يتذكر ستراماتشيوني العمل المستمر من فيرنانديز، الذي اعتاد أن يخبره في كل حصة تدريبية أن عليه العودة بعد ظهر اليوم والقيام بالمزيد وكان يفعل ذلك، لقد كان يجري دورتين أو ثلاث دورات تدريبية إضافية في الأسبوع ويعمل بجد على جانبه الفني وكذلك في الصالة الرياضية من أجل تحسين القدرات البدنية. (10)

 

بالنظر إلى أرقام برونو فيرنانديز فأنت أمام لاعب وسط يُسجِّل أهدافا أكثر من عدد مبارياته، أرقام في الجمع بين التسجيل والصناعة تتجاوز حتى أبرز هدافي الرقم 10 في أوج سيطرته، المركز الذي قلّت فاعليته بأدواره الكلاسيكية مع زيادة سرعة كرة القدم ومتطلباتها البدنية وتعقيدات الضغط في كل أرجاء الملعب وتحوُّل مجريات اللعب من العمق إلى الأطراف. (11)

 

ما يقوم به برونو في مانشستر يونايتد ليس بأدوار الرقم 10، ولكنه شيء أكثر شمولا، البرتغالي لا يدخل منطقة الجزاء كثيرا، بالنظر إلى معدل لمساته داخل المنطقة في الموسم الماضي تجده 3.11 لمسة كل 90 دقيقة، مقارنة بـ 4.90 للاعب الأقرب له في البريميرليغ كيفين دي بروينه، وأقل من لاعبين مثل ديلي آلي وميسون ماونت وكانتويل، بل إنه حتى مقارنة بجيسي لينجارد وأندرياس بيريرا في مانشستر يونايتد تُعَدُّ لمساته داخل المنطقة أقل أيضا. (12)

 

فيرنانديز لاعب يحب التحرك بحرية، إنه يزدهر بهذه الحرية، لا يكون برونو بهذه الروعة إلا عندما يتنقل بين أرجاء الملعب، والميزة الأبرز أنه يستطيع الهرب ليستلم الكرة في الخلف حيث يهرب من الرقابة، أشياء تعلمها ربما منذ صغره حين لعب قلب دفاع في البداية كما أخبرناك، ولكن ذلك سيأخذنا إلى بُعد آخر.

هذا الموسم يهبط برونو إلى ما هو أعمق لاستلام الكرة والخروج بها والتحرك للأمام مقارنة بالموسم الماضي، وذلك نتيجة عجز لاعبي مانشستر يونايتد عن الخروج بها من الخلف بدونه، الأمر الذي يُكلِّفه جهدا أكبر في موسم شاق لا يحتمل الكثير من الركض، ذلك يمكن ملاحظته بسهولة في المباريات التي دخل فيها النجم البرتغالي بديلا فباتت عملية الخروج بالكرة ممكنة بعدما مَثَّلت معادلات بلا حل أمام سولشاير في الدقائق التي يقضيها برونو بجانبه على الدكة.

 

حركية برونو بين المركز رقم 8 و10 وما حولهما اشتكى منها سولشاير، حيث قال إنه يشعر بالإحباط في بعض الأحيان بسبب لا مركزيته، حيث تُلعب تمريرات من المفترض أن يستلمها وهو في مكان آخر، ولكن ربما كان على سولشاير أن يسأل نفسه لماذا يحدث ذلك؟ وهل يمكن لفريد وماكتوميناي تأدية الدور ذاته بنصف الكفاءة حتى؟ والأهم من ذلك، هل تأتي البيضة أولا أم الدجاجة؟ (13)

 

على الأرجح برونو يرتاح أكثر كلما ابتعد عن منطقة الجزاء، وفي الوقت نفسه يُقدِّم أرقاما وكأنه مولود بداخلها، هو رقم 10 في ثوب آخر، ومع سولشاير الذي لا يبدو رجلا يمتلك خطة واحدة، حين يتمتع لاعب بإمكانيات برونو فيرنانديز بمزيد من الحرية فإن العشوائية التي يُحدِثها تكون ذات تأثير مضاعف. سيؤدي لعبه في تلك المساحة إلى السماح له بالبناء من الخلف كما يحب أن يفعل، سيظل قادرا على منح التمريرات في جميع أنحاء الملعب، كما سيظل قادرا على إطلاق مرتدات فعّالة بلمسة واحدة، والأهم من ذلك أنه سيظل قادرا على إنقاذ مدربه من الإقالة في كل مباراة.

 

على مدار تجاربه السابقة في البرتغال وإيطاليا يبدو أن الكنز دائما ما كان في الرحلة، حتى تجمعت كل كنوز الرحلات لتلمع في مانشستر يونايتد، بعد تجربة في إيطاليا أقل من التوقعات عاد إلى البرتغال ظنا من الجميع أنه سيكمل مسيرته لاعبا محليا ليس إلا، ولكن بداخله كان هناك حلم يتشكّل، ذلك الذي رُسمت ملامحه الأولى حين قال لوالده: "لا يا أبي، إنهم لا يلعبون كرة القدم في سويسرا".

——————————————————————

المصادر

  1. قصة برونو فرنانديز الرائعة – صعود نجم مانشستر يونايتد، رواها مَن يعرفونه – فور فور تو
  2. المصدر السابق
  3. المصدر السابق
  4. المصدر السابق
  5. السيرة الذاتية لدينيس بيركامب
  6. ألبيرت أينشتاين وسر العبقرية المزعومة
  7.  قصة برونو فرنانديز الرائعة – صعود نجم مانشستر يونايتد، رواها مَن يعرفونه – فور فور تو
  8. المصدر السابق
  9. المصدر السابق
  10. مدرب إنتر السابق: الزواج سبب تألق برونو فيرنانديش – جول
  11. التحليل التكتيكي لمانشستر يونايتد: ما أفضل مكان يناسب برونو فرنانديز في الملعب؟
  12. المصدر السابق
  13. المصدر السابق
المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة