من القمة إلى القاع.. كيف تحوَّل آرنولد إلى أحد أسوأ أظهرة البريميرليغ؟

لا تقلق، هذا ليس واحدا من تلك التقارير التي تنتهي بعبارة استفهامية تضعك في مزيد من الحيرة؛ آرنولد هو أحد أسوأ أظهرة البريميرليغ حاليا فعلا، ونحن سنًخبرك لماذا أصبح كذلك فعلا، أو بالأحرى سيُخبرك السيد مايكل كوكس صاحب كتابَيْ "Zonal Marking" و"The Mixer". ماذا سنفعل نحن؟ سنخبرك لماذا لم يكن آرنولد بهذه الروعة في المقام الأول. (1) (2)

 

مشكلة آرنولد الأولى هي الرأسمالية؛ المتابع العادي لكرة القدم لا يرغب في التعرُّف على أنماط لعب ليفربول، أو الوضعيات الدفاعية التي يتعرّضون لها، أو ديناميكية الفريق أثناء التحوُّلات، ويؤمن إيمانا عميقا بأن كرة القدم لعبة بسيطة، وبأن كل المسائل التكتيكية التي يجتهد الكثيرون في فهمها ليست إلا محاولات للتذاكي والتظاهر بالحنكة، بالتالي فالحل الوحيد لكل ما سبق هو أن تقوم وسائل الإعلام بتلبية رغبات المتابع إن أرادت أن يستمر في المشاهدة.

 

هنا يصبح من الضروري اختصار آرنولد أو غيره في رقم واحد يمكن تذكُّره بسهولة، رقم يُبسِّط الأمور، ويمكن استخدامه في تكوين وجهة نظر مُطلقة لا تحتاج إلى مراجعة، ومن ثم يمكن استخدامه في معارك التواصل الاجتماعي عقب كل مباراة، رقم يمنحه "الخلاصة" بلا عناء، وينتج عنه احتمالان لا ثالث لهما؛ آرنولد رائع – آرنولد بشع.

 

هذا هو ما اختزل مسيرة آرنولد منذ تم تصعيده إلى الفريق الأول في عدد التمريرات الحاسمة التي يمنحها لزملائه، وكلما حقّق تقدُّما على هذا الصعيد زادت قيمته في أعين الجماهير والخصوم والإعلام، وبالتالي نشأ الإجماع العالمي على أن آرنولد أحد أفضل أظهرة العالم، إن لم يكن أفضلهم فعلا. (3) (4)

 

هذه الرغبة المحمومة في التبسيط والتسطيح هي ما يخلق الانطباعات الخاطئة لدى الجماهير في المقام الأول، هي ما يجعلنا نتجاهل باقي المؤشرات مهما كانت واضحة، مؤشرات كانت تؤكد أن مشاركة آرنولد في التشكيل الأساسي لليفربول كانت مُكلِّفة تكتيكيًّا، وأن الحصول على عرضياته الممتازة تطلّب أن يتحمّل الباقون أعباء إضافية لتعويض نواقصه الفادحة في أساسيات مركزه.

 

دعك من الموسم الحالي ولنعد للموسم الماضي الذي شهد تحقيق الإنجليزي الشاب رقما قياسيا على مستوى صناعة الأهداف لم يصل إليه أي مدافع من قبل في تاريخ البريميرليغ. هذا إنجاز عظيم بلا شك، ولكن نَسْب الفضل فيه لآرنولد هو أبعد ما يكون عن الحقيقة، ببساطة لأن رقما واحدا لا يخبرك بالقصة الكاملة.

 

من بين 66 لاعبا شغلوا مركز الظهير الأيمن في البريميرليغ خلال الموسم الماضي، كان آرنولد في آخر 7 أسماء في القائمة على مستوى التدخُّلات الناجحة في المباراة الواحدة. بالطبع من المفهوم ألا يحظى أيٌّ من مدافعي ليفربول بفرصة لمراكمة أرقام دفاعية كبيرة ما دام الفريق يقضي أغلب وقته محتفظا بالكرة، ولكن أرقام آرنولد في هذا الصدد كانت أقل بكثير من المتوقع حتى مع وضع الحقيقة السابقة في الاعتبار. (5)

صورة: ترتيب الأظهرة اليمنى في البريميرليغ في موسم 2019-2020 من حيث عدد التدخلات الناجحة في المباراة الواحدة – المصدر هوسكورد

في القائمة نفسها، يقع آرنولد في قائمة أكثر 10 أظهرة رُوِغوا خلال التسعين دقيقة، وهو أكثر لاعب رُوِغَ في ليفربول إجمالا عبر الموسم، ومن أقل 5 لاعبين في البريميرليغ عموما في معدل المراوغات الناجحة في المباراة، لدرجة أن جو غوميز الذي يتموقع بجانبه قد أتم ثلاثة أضعاف المراوغات مقارنة بآرنولد! (6) (7)

صورة: ترتيب الأظهرة اليمنى في البريميرليغ لموسم 2019-2020 من حيث عدد مرات تعرُّضهم للمراوغة في المباراة الواحدة – المصدر هوسكورد

 

صورة: ترتيب لاعبي ليفربول من حيث عدد مرات تعرُّضهم للمراوغة عبر الموسم – المصدر FBREF

 

صورة: ترتيب الأظهرة اليمنى في البريميرليغ من حيث عدد المراوغات الناجحة في المباراة الواحدة – المصدر هوسكورد

 

الخلاصة التي لا يُخبرك بها عدد التمريرات الحاسمة وحده؛ آرنولد لاعب لا يُجيد مواجهات واحد على واحد، ويحتاج إلى حماية دائمة في الخلف والأمام، حماية غالبا ما تُلقى على عاتق زملائه في الدفاع والوسط والهجوم إن أراد كلوب استخدامه في إمداد مهاجميه بالعرضيات المُتقنة، وهنا يأتي دور هندرسون.

 

على عكس روبرتسون، الذي لا ينال القدر نفسه من الأضواء مقارنة بزميله الإنجليزي لسبب ما، فإن دور هندرسون على يمين ثلاثي الوسط كان محوريا في تألُّقه، وكأنه حارسه الشخصي، فكلما تقدَّم آرنولد تموقع هندرسون خلفه ليُسارع بالضغط بمجرد فقد الكرة، أو ليخوض سباقات السرعة مع الأجنحة التي تستغل المساحات خلفه، أو في بعض الأحيان ليتقدَّم هو بدلا منه حينما يغلق الخصوم الخط وأنصاف الفراغات في وجه زميله.

 

أحد الأساليب الشهيرة التي يستخدمها كلوب لتجنيب آرنولد المواقف الصعبة هو ما يُعرف بـ "Relieving The Full-Back" أو إعفاء الظهير بالترجمة الحرفية، وهو ما يحدث حينما يبدأ ليفربول هجمته فيصعد آرنولد بضعة أمتار للأمام لاستقبال الكرة من غوميز أو فابينيو، فيتعرّض لرقابة لصيقة من جناح الخصم تمنعه من استلام الكرة، حينها يهبط هندرسون، أو فينالدوم في بعض الأحيان، في موقع آرنولد الأصلي كظهير، ويصبح رقيب هندرسون أمام اختيارين كلاهما صعب، إما أن يتبعه لثلث ليفربول الدفاعي ويُخلّف فراغا ضخما في العمق يمكن لفيرمينو استغلاله بالهبوط واستلام التمريرات العمودية المباشرة، وإما أن يحتفظ بموقعه تاركا هندرسون ليستلم بأريحية تُمكِّنه من الاستدراة وتوجيه اللعبة القادمة بسهولة.

 

الآن، مع وجود هندرسون في قلب الدفاع، لم يعد ليفربول بحاجة إلى هذه الحيلة، بل إن وجود القائد في الثلث الأول يجتذب ضغط الخصوم إليه ويسمح لكلوب بخلق وضعيات خطيرة من الكرات الطولية خلف خط الضغط الأول والثاني، وهو ما أكّده كلوب نفسه في تصريحات ما بعد مباراة يونايتد في الدوري، إذ شدّد على المرونة التي منحتها له ثنائية فابينيو وهندرسون في قلب الدفاع، وقدرة الثنائي على كسر ضغط يونايتد في العديد من المرات، وإجبارهم على الارتداد لمناطقهم بدلا من إزعاج الريدز في مناطقهم. (8)

 

هذا كله رائع وجميل ولكنه يُحوِّل آرنولد إلى قيمة مُهملة على الطرف، فمن ناحية، هو لا يملك قدرات روبرتسون في الاحتفاظ بالكرة تحت الضغط والدوران برقيبه أو مراوغته ثم الانطلاق على الخط، ومن ناحية أخرى، هبوط هندرسون لقلب الدفاع لم يُحرِّره من الضغط، بل سهّل العملية على خصوم الريدز، وأتاح لهم إغلاق جبهة كاملة عند منبعها. هذا ما منح آرنولد أول رقم قياسي سلبي في مسيرته القصيرة عندما فقد الكرة 38 مرة أثناء الهزيمة من ساوثامبتون، بحساب عدد مرات استخلاص الكرة منه أو تمريراته الخاطئة التي منحت الاستحواذ للسينتس. (9)

طريقة أخرى كان يستخدمها كلوب ليقي آرنولد شر الثنائيات هي أن يخرج صلاح للطرف تماما ليُجبر دفاع الخصم على التمدد بعرض الملعب، ثم يُعيد الكرة إلى آرنولد في موقع متأخر يُمكِّنه من إرسال ما يُعرف بالـ "Early Cross" أو العرضيات المبكرة بالمعنى الحرفي. هذا الشكل التكتيكي يُجبر محاور الخصم على الهبوط للقلب وأنصاف الفراغات لإغلاق الفجوات التي نشأت عن تحرُّك صلاح، ومن ثم نادرا ما يجد آرنولد رقابة تُذكر عندما يرسل عرضياته.

صورة؛ كيف يخرج صلاح للطرف لتقليل الرقابة على آرنولد وتمديد دفاع الخصم بعرض الملعب – المصدر مواقع التواصل

 

صورة؛ عرضية آرنولد المبكرة التي يرسلها بلا رقابة تقريبا بسبب تحرك صلاح – المصدر مواقع التواصل

 

صورة؛ تلك اللعبة تسبّبت في هدف روبرتسون ضد أرسنال بعد أن تحرك في الجانب الأعمى لدفاع المدفعجية لينفرد بالمرمى تماما – المصدر مواقع التواصل

في هذه الوضعية، يغطي هندرسون ظهره دائما بوصفه لاعبا إضافيا، وبمجرد عودته لقلب الدفاع فشل كلٌّ من تشامبرلين وميلنر في أداء الدور نفسه بالكفاءة نفسها، وما زاد من سوء الأمر أن غوميز لم يعد موجودا كذلك، وهو الرجل الذي كان قادرا على حسم الكثير من الثنائيات على الخط بسرعته. (10)

 

كل ما سبق كشف عيوب آرنولد ونزع عنه الحراسة التي كان يُوفِّرها قلب الدفاع ولاعب الوسط اللذان يجاورانه طيلة الوقت، وفجأة أصبحت جوهرة كلوب التي تمده بالتمريرات الحاسمة عارية، قابلة للخدش والكسر.

 

لهذا السبب تحديدا يُفسِّر الكثير من المحللين مشكلات ليفربول الحالية بغياب فان دايك، ببساطة لأن ليفربول لم يخسر لاعبا واحدا هو أفضل مدافعيه، بل إن غياب البديل اضطر كلوب لعملية ترحيل واسعة نسفت ديناميكية الفريق المعتادة، ولم يفقد آرنولد الثقة التي منحها له غوميز وفان دايك كلما تقدّم وحسب، بل فقد المساندة في الثلث الهجومي كذلك، والتغطية التي وفّرها له هندرسون من موقعه في الوسط. "Chain Reaction" أو سلسلة من التفاعلات كما سمّاها كاراغر. (11)

 

حينما تضع كل ما سبق في الاعتبار تصل إلى استنتاجين مهمين؛ الأول هو أنه على الرغم من دقة قدم آرنولد اليمنى وعرضياته الساحرة، فإن الفضل في تحوُّله إلى أحد أفضل أظهرة العالم في أعين الجماهير هو المنصة التكتيكية التي وفّرها له كلوب لإرسال هذه العرضيات أصلا، وبالتبعية تصل إلى الاستنتاج الثاني؛ تراجع آرنولد هذا الموسم مفروغ منه، خاصة بعد 3 مواسم بلا بديل تقريبا، ولكن السبب الأهم فيه ليس آرنولد نفسه، بل الإصابات التي أجبرت كلوب على حرق الأرض من تحته.

ألكسندر آرنولد

في الواقع، كل ما سبق بدا جليا أمام يونايتد في كأس الاتحاد؛ بداية لم يتمكّن كلوب من إطلاق كلا ظهيريه على الأطراف لأن ثلاثي الوسط الذي شارك لم يكن يملك القدرة نفسها على التغطية بغياب هندرسون وفابينيو وترحيلهم إلى قلب الدفاع، لذا ما كان على سولشاير إلا أن يدفع بكل قوته الضاربة على الجهة التي سيُقرِّر كلوب استخدامها.

 

هذا المشهد تكرّر عدة مرات خلال الشوط الأول وبدايات الشوط الثاني؛ في البداية قرّر كلوب إطلاق روبرتسون وإبقاء آرنولد في الخلف بعد أن فشلت عرضياته الـ 18 كلها أثناء هزيمة بيرنلي، وفي هذه الفترة حصل غرينوود على 3 فرص في المساحة التي خلّفها الاسكتلندي كلما صعد، وسجل من إحداها هدف الشياطين الأول، وحينما قرّر كلوب الإبقاء على روبرتسون وإطلاق آرنولد حدث الأمر ذاته مع راشفورد وسجّل هدف يونايتد الثاني، ولم يتمكّن كلوب من إيقاف خطورة مرتدات اليونايتد إلا حينما قرّر تأخير آرنولد وروبرتسون بضعة أمتار ومنح الحرية للاعبي المحور للتقدُّم داخل المنطقة بدلا من إلزامهم بمهام التغطية التي فشلوا فيها طيلة الـ 70 دقيقة الأولى، حينها فقط لاحت لميلنر أخطر فرص ليفربول على الإطلاق ثم تبعها هدف صلاح الثاني من عملية اختراق مُمنهجة للعمق بلا اعتماد على الأظهرة.

 

وضع كوكس أربعة أسباب رئيسية لتراجع آرنولد هذا الموسم، (12) أسباب نعتقد أن كل ما سبق كان ضروريا لفهمها. أولها هو قلة عدد الكرات الطولية القُطرية التي كان يرسلها فان دايك عادة إلى الأطراف. بعد الفوز على أرسنال في الموسم الحالي تحدّث أرتيتا عن هذه النقطة تحديدا، مُرجِعا تفوُّق ليفربول إلى قدرة الهولندي على كسر الضغط بتمريراته القُطرية الطويلة جهة ماني أو صلاح على الأطراف، وفي كثير من الحالات، كان مَن يتلقّى تلك الكرات هو آرنولد، وأمامه مساحة تسمح بإرسال عرضياته بلا مضايقات جهة ثلاثي الهجوم داخل المنطقة.

السببان الثاني والثالث بالطبع يتعلّقان بغياب المساندة من الوسط والدفاع كما أسلفنا، وحقيقة أن لاعب الوسط المائل ناحية اليمين وقلب الدفاع الأيمن ما زالا يحاولان التأقلم مع متطلبات المركز، ناهيك بمساعدة آرنولد كلما صعد أو واجه خصما سريعا مراوغا في مرتدة معاكسة، مثل مارسيال أو راشفورد.

 

السبب الرابع هو أمر لا يُعيره الكثيرون انتباها؛ حقيقة أن غياب ثنائي قلب الدفاع في ليفربول حرم آرنولد من بضع تمريرات حاسمة اعتادها في المواسم السابقة، كانت تذهب عادة إلى رأس فان دايك أو ماتيب.

 

في الموسمين الماضيين اللذين حقّق خلالهما آرنولد أرقاما قياسية للتمريرات الحاسمة، كان مانيه هو أكثر لاعبي ليفربول تسجيلا للأهداف من عرضياته بـ 6 أهداف، ولكن المركز الثاني لم يكن يشغله صلاح أو فيرمينو، بل فان دايك الذي سجّل 5 أهداف، وإن أضفت إليهما هدفين صنعهما الإنجليزي الشاب لجويل ماتيب الغائب بدوره، تكتشف أن الثنائي منح آرنولد 30% تقريبا من تمريراته الحاسمة خلال الموسمين الماضيين.

 

نسبة لا يُستهان بها أبدا، ولكنها كذلك تُلقي الضوء على حقيقة الوضع في ليفربول، وعلى عكس المتوقع تماما، لا تُقلِّل من رصيد كلوب إطلاقا، بل تمنحه رصيدا إضافيا على ما أنجزه خلال الموسمين الماضيين بدكة بدلاء لا ترقى لتلك التي يمتلكها أيٌّ من الستة الكبار في البريميرليغ، كذلك تُفسِّر الإجهاد الذي يُعاني منه أغلب عناصر الفريق حاليا، وعجزها عن الاستمرار بالوتيرة نفسها للموسم السادس تواليا، ولكن هذه قصة أخرى لتقرير آخر.

—————————————————————————————–

المصادر

  1. كتاب Zonal Marking – أمازون
  2. كتاب The Mixer – أمازون
  3. دومينيك ماتيو: "آرنولد ما زال أحد أفضل أظهرة العالم ولكنه يحتاج إلى أن يتعلم كيفية الدفاع" – Goal
  4. جيسون ماكاتير: "آرنولد ما زال أفضل ظهير إنجليزي ولكنه يبدو مستهلكا" – Goal
  5. إحصائيات أظهرة البريميرليغ الدفاعية خلال الموسم الماضي – Whoscored
  6. إحصائيات ليفربول خلال الموسم الماضي – FBREF
  7. إحصائيات أظهرة البريميرليغ الهجومية خلال الموسم الماضي – Whoscored
  8. تصريحات كلوب عقب التعادل مع يونايتد في الدوري – This is Anfield
  9. كابوس آرنولد أمام ساوثامبتون والإحصائية التي تثبت تراجعه هذا الموسم – Daily Mail
  10. لماذا يعاني ألكسندر آرنولد هذا الموسم؟ – Daily Mail
  11. جايمي كاراغر يطالب آرنولد بمهاتفة جيرارد للتعرف على طريقة التغلب على تراجع مستواه – Daily Mail
  12. لماذا يعاني آرنولد هذا الموسم؛ قطريات أقل، وتغطية أضعف، وعرضيات سيئة – The Athletic
المصدر : الجزيرة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة