ميار شريف.. أثر الفراشة الذي لن يزول في التنس المصري

"أول لاعبة مصرية تتأهل إلى الدور الرئيسي في بطولة رولان غاروس"

عند قراءتك للجملة السابقة فإن الأمر يبدو للوهلة الأولى عاديا، لاعبة تنس تلعب في الدور الأول من الجدول الرئيسي لبطولة رولان غاروس، لم تصل حتى لنصف النهائي أو النهائي، لم تُحقِّق نتائج كبيرة أمام المصنفات العشر الأوائل في اللعبة، ومع ذلك تلقى كل هذا الاحتفاء.

ولكن ماذا لو علمنا أن طوال التاريخ الرياضي المصري لم تظهر لاعبة تنس تصل إلى جدول رئيسي في بطولات الغراند سلام؟ بل لم يحدث أن فازت إحداهن بمباراة واحدة حتى، ولو في مرحلة التصفيات التمهيدية لإحدى البطولات الأربع الكبرى.

لذا فالوضع مختلف تماما، نحن نتحدث عن لاعبة تنس كتبت تاريخا جديدا لبلادها في اللعبة على مدار الموسمين الماضيين، فالأمر أشبه بصعود المنتخب المصري لكرة القدم إلى كأس العالم، ولكن المختلف هذه المرة أن هذه هي المرة الأولى للصعود، وليست الثانية كما حدث في روسيا 2018.(1)

 

ميار شريف، من مواليد مايو/أيار عام 1996، في مدينة القاهرة، في أسرة رياضية شجعتها هي وشقيقتها الأكبر رنا التي تكبرها بعامين على ممارسة لعبة التنس في سن الرابعة من عمرها من خلال عدة أكاديميات خاصة لتدريب التنس.

بدأت شريف مسيرتها مع اللعبة من خلال عدة أندية محلية مثل اتحاد الشرطة، ومنه إلى نادي الجزيرة، ثم انتهى بها المطاف في مصر داخل النادي الأهلي؛ حيث لمعت موهبتها في مرحلة الناشئين مبكرا، واستطاعت الوصول إلى قائمة الـ 50 الأوائل في اللعبة، في سن السادسة عشرة.(2)

تلك المسيرة الواعدة تعطَّلت قليلا بسبب الابتعاد عن المشاركة في البطولات بسبب عدم تحمُّل تكاليف السفر، وأيضا بسبب عدم استكمال دراستها الجامعية، حيث انتقلت إلى جامعة بردين الأميركية بعد إتمامها للمرحلة الثانوية، واكتفت في تلك الفترة بالمشاركة في بطولات شرم الشيخ بدون انتظام خلال فترات الإجازات فقط.

خطوة بالطبع كانت فارقة في حياة ميار على المستوى التعليمي؛ حيث تخرجت في 2018 بشهادة في الطب الرياضي، ولكنها في الوقت نفسه كلّفتها الخروج من التصنيف الدولي للاعبات التنس، واكتفت بالمشاركة في بطولات الجامعات في أميركا فقط.(3)

 

مرحلة الدراسة في أميركا كانت بمنزلة الهدوء الذي سبق انطلاق العاصفة في مسيرة ميار، فرغم ابتعادها عن التصنيف الدولي فإنها تألقت بشدة في البطولات الجامعية هناك، حاصدة العديد من الجوائز الفردية، واختيرت لاعبة العام عدة مرات على أكثر من صعيد أبرزها مؤتمر الساحل الغربي 2018.

خلال تلك الفترة، أصبحت ميار واحدة من أربع لاعبات عبر تاريخ جامعة بردين تصل إلى نصف نهائي بطولة الرابطة الوطنية لرياضة الجامعات، كما صُنِّفت كونها ثالثَ أفضل لاعبة في تاريخ الجامعة بعدما أنهت عامها الأخير بـ 19 فوزا مقابل هزيمة واحدة فقط.

أما العاصفة في مسيرة ميار، فجاءت بشكل أسرع مما تخيّلته هي حتى، حيث استطاعت خلال 2019 الظفر بـ 6 ألقاب فردية للسيدات، محققة 71 فوزا مقابل 17 هزيمة، منهم سلسلة طويلة من الفوز المتتالي وصلت إلى 26 مباراة بـ 46 شوطا متتاليا ما بين شهرَيْ إبريل/نيسان ويوليو/تموز.

الحدث الأبرز لها في موسمها الأول بعد الانتهاء من دراستها كان في أغسطس/آب، عندما تُوِّجت بذهبيتَيْ الفردي والزوجي لدورة الألعاب الأفريقية، وتصبح أول لاعبة مصرية تصعد إلى دورة الألعاب الأولمبية في التاريخ رفقة اللاعب المصري محمد صفوت على صعيد الرجال.(4)

أداء ميار العام الماضي جعلها تصل إلى قائمة الـ 200 الأوائل لأول مرة في تاريخ التنس النسائي المصري، وثاني عربية توجد في القائمة في الوقت الحالي، بعد التونسية أُنس جابر، ولكنه في الوقت ذاته فتح لها الباب أمام المشاركات في بطولات الغراند سلام الكبرى، حيث سجَّلت مشاركتها في بطولة أستراليا المفتوحة في يناير/كانون الثاني الماضي.

استغلَّت ميار فترة التوقُّف نتيجة جائحة فيروس كورونا لالتقاط الأنفاس، والعمل بشكل أكبر على تحسين مستواها، فرفضت العودة إلى مصر، ورغم توقف بطولات التنس فإنها استمرت في التدريبات رفقة مدربها الخاص في إسبانيا، لتعود بسطر جديد في تاريخ التنس بالصعود إلى الدور الرئيسي لبطولة براغ كونها أول مصرية تصعد لهذا المستوى من البطولات منذ مروة علواني 1999.

وتعود مرة أخرى وتحجز مقعدها في الجدول الرئيسي لبطولة رولان غاروس، التي ضمنت من خلاله الوصول إلى قائمة الـ 150 الأوائل، لتقترب شيئا فشيئا من الوصول إلى قائمة الـ 100 الأوائل، والتي تسير بخُطى ثابتة اتجاهه، وكعادتها كلها خطوات تخطوها ميار كأول لاعبة مصرية في تاريخ التنس.(5)

 

ما قامت به ميار حتى الآن هو أشبه بالإنسان الكفيف الذي يحاول جاهدا السير في طريقه دون أن يسقط، فهي تسير رفقة التنس المصري في طريق لا يعرفه من قبل، ولكن هل حقا ما تقوم به أمر فارق في التنس المصري؟ أم الأمر سيتوقف عند مجدها الشخصي كحالة استثنائية في تاريخ اللعبة؟ إجابة هذا السؤال كانت في أول تصريح لميار عقب التأهل للدور الرئيسي في رولان غاروس، حيث قالت:

"نحن لا نعرف الطريق، اعتدت أن أنظر إلى أُنس جابر وأقول: أُنس وصلت إلى قائمة أفضل 200، لماذا لا أستطيع ذلك؟ هي وصلت إلى أفضل 100 وظلّت في الـ 200 الأفضل لفترة طويلة، لماذا لا يمكنني فعل ذلك؟ لقد رأيت كيف أخذت الأمر خطوة بخطوة، ربما إذا كانت لدينا موارد أفضل، أو إذا كان لدينا شخص ما يوضح لنا كيفية القيام بذلك، فربما استطعنا فعل ذلك في وقت أقرب، ولكن هذا لا يعني أننا لن نستطيع، دائما لدينا الفرصة للوصول إلى مستوى أعلى".(1)

الإلهام، هذا هو الدور الأكبر الذي تلعبه ميار شريف في التنس المصري الآن، كل خطوة تخطوها ستجلب عددا أكبر من اللاعبات المصريات في الأجيال الأدنى إلى مشاهدتها، والتركيز معها، والتفكير فيما تفعله، وسيجلس بعضهن كما جلست هي ويتساءلن؛ إذا كانت ميار استطاعت فعل هذا، فلماذا لا نستطيع نحن فعلها؟

قبل الختام، يتبقى لدينا سؤال: ماذا بعد الدور الرئيسي لرولان غاروس؟ واقعيا لن ننتظر شيئا آخر في تلك البطولة، ولكن ستستمر ميار شريف في السير في هذا الطريق الوعر، وستتحسَّس أضواء النجاح به، وسنراها حاضرة في بطولات الغراند سلام القادمة، وربما ستخطو خطوات أكبر من مجرد الوصول إلى هذا الدور.

بالطبع لن نستطيع التنبؤ بما سيحدث تحديدا، ولكن واقع الأمر يقول إن أي خطوة تخطوها ميار هي خطوة تاريخية لها ولبلادها، وبالطبع تُلهِم المئات ممن يمارسن التنس، وهذا هو أثر الفراشة التي تفعله ميار والذي لن يزول من التنس المصري.(6)

____________________________________________________

المصادر

  1. حلم ميار شريف من القاهرة إلى باريس.
  2. 24 معلومة عن «فتاة مصر الذهبية».
  3. من هي ميار شريف صاحبة الإنجاز التاريخي في رولان جاروس؟
  4. مقابلة ميار شريف: رائدة التنس المصرية في المسار السريع لمسيرتها.
  5. بطولات ميار شريف خلال موسم 2020.
  6. مقابلة ميار شريف مع إحدى ناشئات التنس في مصر.

حول هذه القصة

"السن مجرد رقم"، مقولة نُردِّدها عندما يبهرنا أحدهم بفعل أشياء لا تتناسب إطلاقا مع عمره، فماذا لو أخبرتك عن طفلة استطاعت حجز بطاقة تأهُّلها لدورة الألعاب الأولمبية بطوكيو الصيف القادم؟

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة