إيدو غاسبار.. السر الغامض خلف انتفاضة أرسنال

38 عاما بالضبط، هذا هو متوسط أعمار فيناي فينكاتيشام وإيدو غاسبار وميكيل أرتيتا وبير ميرتساكر، الرباعي الذي يقود ثورة أرسنال الأخيرة على المستوى الإداري بعد التخلُّص من راؤول سانليهي وترقية أرتيتا إلى منصب المدير الفني بدلا من لقب "كبير المدربين" الذي حمله منذ تولى المسؤولية خلفا لأوناي إيمري الذي كان "كبير المدربين" بدوره.

 

فينكاتيشام كان الرجل الثاني بعد سانليهي الذي كان "مدير كرة القدم"، وغاسبار كان يعمل في وظيفة غير واضحة المعالم عقب رحيله عن الجهاز الإداري للاتحاد البرازيلي، وبعد تفكيك الهيكل الإداري القديم برحيل الإسباني اتخذ إيدو منصب المدير التقني للنادي، منصب يشرحه البرازيلي بوضوح وجرأة ومباشرة عندما يفتتح مؤتمره الصحفي قائلا: "كل ما يخص كرة القدم يجب أن يمرَّ عليَّ أولا". (1)

 

يستمر إيدو في شرح دوره مؤكدا أن الأدوار والمسؤوليات تُوزَّع على الجميع، وأن ترقية أرتيتا تعني أنه سيكون شريكا رئيسيا له في اختيارات اللاعبين الذي يتعاقد معهم النادي أو يُنهي عقودهم أو يُرسلهم في إعارات، بينما يتولّى ميرتساكر أكاديمية النادي ويكون فينكاتيشام هو حلقة الوصل بين كل هذا والمُلَّاك في الولايات المتحدة.

بير ميرتساكر

بعدها بدأت القرارات تتوالى؛ تعاقدات دائمة مع سيدريك سواريز وبابلو ماري وويليان عقبها ضمّ غابرييل ماغالايش مدافع ليل الذي كان على رادار مانشستر يونايتد كذلك، في استمرار للعمل الذي قام به النادي في الصيف الماضي بضم تيرني ونيكولاس بيبي وويليام ساليبا، فيما يشبه إعادة البناء للفريق بالكامل. (2)

رغم هذا النجاح أحاطت الشكوك بإيدو في أرسنال؛ أخبرناك في تقرير سابق أن نيك آيمز من غارديان كان قد أثار عدة تساؤلات مهمة بخصوص علاقة إيدو الوطيدة بكيا جوراباتشيان وكيل اللاعبين البريطاني من أصل إيراني، خاصة بعد أن ارتفع عدد موكليه في الفريق إلى 3 منذ تولِّي إيدو المسؤولية، كلهم حصلوا على تمديد لعقودهم أو عقود جديدة بالكامل؛ ديفيد لويز وويليان وسيدريك سواريز. (3)

 

في تقرير آخر لذا أثلتيك وجَّهت آيمي لورانس السؤال ذاته لفينكاتيشام ولم تحصل إلا على إجابة تقليدية دبلوماسية لم تُنهِ الشكوك بأي شكل من الأشكال. فينكاتيشام أكّد أن المعيار الأهم للتعاقد مع أي لاعب هو حاجة الفريق إليه ومركزه ومدى مناسبته لميزانية النادي، أما وكيله وكل ما يتعلَّق بإجراءات الانضمام فهي "أمور تأتي لاحقا في العملية". (1)

 

هذه هي أكثر عبارة استخدمها إيدو تقريبا لشرح فلسفته في العمل؛ البرازيلي أكّد أكثر من مرة رغبته في إدارة مجموعات عمل صغيرة يحمل أعضاؤها مسؤوليات ضخمة بدلا من العكس، مشيرا إلى أن توزيع العمل بهذه الطريقة يسمح له بتواصل أفضل مع الجميع. (4)

 

هذا هو ما حدث عندما قرّر تسريح فرانسيس كاجيجاو كبير كشافي أرسنال الذي عمل في النادي لما يقارب ربع القرن، جلب خلاله أمثال سيسك فابريغاس وهيكتور بييرين وسانتي كازورلا إلى لندن. قرار كان صادما للكثيرين داخل النادي خاصة عندما تبعه كل مساعديه الموثوقون؛ برايان ماكديرموت، وبيتر كلارك، وتاي غودن.

هذه الخطوة، التي بدت مُتهوِّرة للكثيرين، كانت واحدة من عدة خطوات على طريق تقليل عدد العاملين تحت قيادة إيدو. البرازيلي أكّد أيضا أنه يريد إعادة "StatsDNA" إلى الواجهة، شركة التحليلات الرقمية التي استحوذ عليها أرسنال في 2012 بناء على توجيهات أرسين فينغر، والتي تضاءل دورها بشدة في الموسمين الأخيرين لدرجة أن مؤسسها جيسون روزنفلد لحق بأرسين فينغر للعمل معه في وظيفته الجديدة في فيفا.

 

للوهلة الأولى تبدو الخطوة ثورية للغاية، ببساطة لأن طاقم العمل الذي ترأس كشافي أرسنال لم يُقدِّم الكثير للنادي في السنوات الأخيرة، لم يساعده على اكتشاف الكثير من الجواهر المدفونة للحاق بنخب البريميرليغ التي تنفق بلا حساب، حتى مارتينيلّي الذي يُعَدُّ أفضل لاعب شاب جلبه أرسنال في السنوات الأخيرة كان قد انضم عن طريق إيدو أيضا.

 

رغم ذلك، فإن التخوُّف من تزايد نفوذ إيدو في النادي وسيطرته على كل القطاعات يبدو مشروعا بعد القرارات الأخيرة، خاصة أن سياسة "أعداد أقل بمسؤوليات أكبر" تمنحه المزيد من التحكُّم في العاملين تحت إمرته، وتصعب مسؤولية استبدال أيٍّ منهم حال رحيله، ولكن التخوُّف الأكبر هنا أن تلك السياسة تخدم إيدو نفسه أكثر مما تخدم النادي. لماذا نعتقد ذلك؟ دعنا نعد بضع سنوات إلى الوراء.

 

منذ عام واحد تقريبا، كتب ماركوس ألفيش المتخصص في الكرة البرازيلية تقريرا على "Four Four Two" بعنوان: "ماضي إيدو غاسبار الذي سيحمله معه إلى أرسنال"، والتقرير يتحدث بشكل تفصيلي عن فترته في البرازيل مع الأندية والمنتخب. (5)

 

عقب اعتزاله في كورينثيانز عُرِض منصب المدير الرياضي على إيدو وقَبِلَه ليبدأ العمل مع تيتي، المدرب آنذاك، لبناء فريق قوي يستطيع المنافسة على الألقاب المحلية والقارية مجددا، وهو ما حدث فعلا؛ إيدو وتيتي قادا كورينثيانز لكل ما يمكن الفوز به في أميركا الجنوبية والعالم، بما في ذلك كأس العالم للأندية.

بعد ذلك قرَّر الاتحاد البرازيلي استثمار هذا النجاح مع المنتخب، فعيَّن تيتي مدربا، وتيتي طلب إيدو رئيسا له في الاتحاد، وهو ما تم بالفعل، في خطوة أثارت الكثير من الشكوك والتساؤلات، إذ كيف يتسنّى للمرؤوس أن يختار رئيسه؟

 

بدأ إيدو بنجاحات تنظيمية وإدارية متتالية؛ قام بتحسين ظروف السفر والانتقالات للاعبي المنتخبات، وعالج الكثير من المسائل المالية المُعلَّقة، وقام ببناء أكبر طاقم فني وتدريبي في تاريخ السيليساو، وهو الطاقم الذي قاده تيتي لتسعة انتصارات متتالية ليتأهل لمونديال روسيا مُتسيِّدا مجموعته بفارق ضخم عن أقرب ملاحقه، بالإضافة إلى تحقيق اللقب الأول لكوبا أميركا منذ 2007. (6)

 

لكن بعد التأهُّل للمونديال والعروض المُخيِّبة التي انتهت بالخروج أمام بلجيكا، بدأت المشكلات في الظهور. النتائج تُزيح كل ما عداها كما تعلم، وحينها تذكَّر الجميع فشل إيدو في تنظيم بعثة المنتخب إلى روسيا؛ بداية من اختيار مدينة سوشي مقرا للبعثة، مما ترتب عليه السفر لمسافات طويلة، لدرجة أنه بنهاية دور المجموعات كان السيليساو قد قطع مسافة تفوق تلك التي قطعها منتخب الأرجنتين بنحو 7000 كيلومتر.

 

بعدها طفت للسطح المشكلات التي تسبّب فيها نيمار وعائلته وأصدقاؤه، إذ بدأت عائلات باقي اللاعبين تشكو من اضطرارها للسكن بعيدا عن معسكر المنتخب بينما سُمِح لعائلة نيمار وأصدقائه حجز غرف في المقر نفسه، بالإضافة إلى تسرُّب أخبار عن قيام والد نيمار بإقامة حفلات جنسية داخل مقر المعسكر، وعندما سأله عنها أحد المراسلين أشار بالإيجاب مؤكدا أن والدة المراسل كانت من ضمن مَن حضروا هذه الحفلات. (6)

 

حينما تواصل معه إيدو لمعالجة الأمر هدَّده الرجل بأنه يملك النفوذ الكافي لتسريحه هو وتيتي واستبدالهم بصديقه ألكسندر ماتوس مدرب بالميراس وطاقم عمله. أيضا ذكرت التقارير أن تلك الفترة كانت الأسوأ في تاريخ منتخبات الشباب منذ زمن، إذ أهملها إيدو وتجاهلها لدرجة غير مسبوقة، واستبدل الكشافين الثلاثة المسؤولين عن منتخبات الشباب بواحد فقط، أي نفس ما يفعله في أرسنال الآن تقريبا، فخرجت منتخبات تحت 17 و20 سنة من الأدوار المبكرة لبطولات الكوبا رغم امتلائها بالمواهب الشابة الصاعدة، وظل الأخير لمدة عام كامل بدون مدرب أصلا.

إيدو غاسبار

رغم ذلك، يتوقَّع روبرتو دي أندرادي رئيس كورينثيانز السابق النجاح لإيدو في أرسنال، لأن حال النادي اللندني مُشابه لحال قرينه البرازيلي من وجهة نظر أندرادي: "نحن أيضا لم نكن نمتلك الموارد الكافية لمنافسة الباقين، ورغم ذلك ساعدنا إيدو على بناء أقوى فريق في البلاد".

 

غيلبرتو سيلفا رفيق إيدو في محور الوسط مع جيل لا هزيمة أرسنال يتوقع الشيء ذاته ولكن يطالب الجماهير بالصبر، إذ يؤكد أن إيدو سيُلاقي صعوبات أكبر في العمل مع نادٍ مقارنة بالعمل مع المنتخب، حيث الضغط الأسبوعي مع كل مباراة والمتابعة الإعلامية الهائلة على مدار العام، بالإضافة إلى أن زيادة المعرفة بين المشجعين ومعرفتهم بالأمور الإدارية للنادي تجعله تحت طائلة الانتقادات مع كل صفقة مُخيِّبة وكل موسم محبط. (6)

 

حتى الآن، لا يوجد ما يدعو للقلق، بل على العكس، كل خطوة يتخذها أرسنال تدعو لمزيد من التفاؤل. الرباعي الذي يبلغ معدل أعماره 38 عاما مُصمِّم على إعادة أرسنال إلى دوري الأبطال، وبحسب فينكاتيشام فإنهم يرون "أن هذا هو مكانه الطبيعي"، بالإضافة إلى حقيقة أن ترقية أرتيتا إلى منصب المدير الفني منحت أكثر المشجعين الثقة في سياسة الإدارة خلال الفترة القادمة، على عكس ما كان يحدث طيلة السنوات القادمة، لأنهم يشعرون أن واحدا منهم أصبح يمتلك ما يكفي من القوة في النادي. (7)

ميكيل أرتيتا

في تقرير آخر طريف وعاطفي للغاية من ذا أثلتيك، تحدَّثوا مع عدد كبير من مشجعي كل نادٍ وأجروا استطلاع آراء عن شعورهم حيال الموسم الجديد لفِرَقِهم؛ هل هم متفائلون أم متشائمون؟ (8)

 

تصدَّر مشجعو ساوثامبتون استطلاع الرأي حيث اختار 98.9% منهم التفاؤل بأداء الفريق، وتلاهم مشجعو تشيلسي بـ 97.8% ثم مشجعو أرسنال بـ 97%. الإحساس العام يؤكد أن شيئا مختلفا في أرسنال على وشك الحدوث، والشعور الذي ينتابنا بوجود أرتيتا على الخط هو شعور مختلف، منذ زمن لم نرَ مدربا يحظى بثقة اللاعبين لهذه الدرجة، ولكن ربما يكشف المستقبل أن الأمور ليست بهذه البساطة في أرسنال.

المصادر

  1.  أرسنال الجديد الشجاع – ذا أثلتيك
  2. انتقالات أرسنال – ترانسفير ماركت
  3.  تزايد نفوذ كيا جوراباتشيان في أرسنال يُثير المخاوف حول هوية أرسنال – غارديان
  4.  "الأمر واضح بالنسبة لي".. إيدو يشرح فلسفته في العمل – غول
  5. ماضي إيدو غاسبار الذي سيحمله معه إلى أرسنال – Four Four Two
  6.  "إنه يحسب كل خطوة".. كيف يمكن لإيدو جلب النجاح لأرسنال مجددا؟ – غارديان
  7. أرسنال قد عاد.. ولكن إلى أي مدى يمكنه الوصول؟ – ذا أثلتيك
  8. هل تشعر بالخوف أم الأمل حيال الموسم الجديد؟ – ذا أثلتيك

حول هذه القصة

خلق بارتوميو فراغا هائلا حول أهم لاعب يملكه، فراغا تمدّد فيه ميسي مُجبرا لإنقاذ الفريق من خسارة أهم أعمدته واحدا تلو الآخر بلا تعويض حقيقي، حتى أصبح الفريق عبارة عن ميسي ولاعبين أو ثلاثة غيره.

1/9/2020
المزيد من مقالة
الأكثر قراءة