أندية ذكية وأخرى كسولة.. هل انتهت سيطرة الإسبان على دوري أبطال أوروبا؟

يعتقد جوناثان ويلسون صاحب كتاب "الهرم المقلوب" أن هذا هو عصر الأندية الخارقة أو "Super Clubs" كما يسميها؛ أندية نجحت في مراكمة الثروات والقوة والمواهب عبر العقدين الأخيرين لدرجة أنها أصبحت أكبر من الفشل ذاته. (1)

 

يضرب ويلسون مثلا ببرشلونة؛ النادي يعيش حالة تراجع هوجاء مُمنهجة منذ 2010 على يد إدارة لا تفقه حرفا في كرة القدم، ولا حتى الاقتصاد الذي جعلته مشروعها. رغم ذلك، فإن هذا العقد، صدِّق أو لا تُصدِّق، كان الأنجح في تاريخ النادي على الإطلاق بمعايير الألقاب والبطولات الكبرى!

 

تخيَّل كمَّ المعاناة التي ستُعانيها وأنت تشرح لابنك أن تلك الفترة كانت الأسوأ إداريا في تاريخ النادي كذلك، وأن هذا المجلس اقتات على ثمرة نجاح مَن سبقوه وحصدها دون أن يُضيف لها شيئا، بل بالعكس، أخذ منها الكثير.

Soccer Football - La Liga Santander - FC Barcelona v Atletico Madrid - Camp Nou, Barcelona, Spain - June 30, 2020 Barcelona coach Quique Setien with Arturo Vidal and Lionel Messi during the drinks brake, as play resumes behind closed doors following the outbreak of the coronavirus disease (COVID-19) REUTERS/Albert Gea

عنوان ميدان

لو فكرت قليلا في الأمر فستجد أمثلة أخرى غير برشلونة. أوروبا مليئة بـ "الكبار" الذين لم يعودوا كذلك، ويعيشون حاليا على تاريخ مجيد حديث نسبيا، أو جماهيرية واسعة عبر أرجاء المعمورة، أو يعتمدون على مجموعة محدودة من النجوم تكفل لهم الانتصارات الكافية كل موسم وحفظ ماء الوجه.

 

خلال الموسم الماضي كان البحث عن "انتقالات أرسنال" هو الأعلى بين أندية كرة القدم بـ 4.4 مليون بحث، تلاه مانشستر يونايتد بـ 3.6 مليون بحث. الثنائي كان يتسيّد البريميرليغ في نهاية التسعينيات ومطلع الألفية، ومنذ ما يزيد على ست سنوات لم يقترب أيٌّ منهما من المنافسة حتى على اللقب بشكل جدي، ورغم ذلك تضمن لهما قاعدتاهما الجماهيرية وجودا قويا على الساحة، وتتصدّر أخبارهما الصفحات الأولى للصحف. (2)

 

لكن هذه الأندية ليست ما يتحدث عنه ويلسون بالضبط، ويلسون يتحدث عن نهاية دورة كاملة في حياة أوروبا. بعد أن قام بصك مصطلح "الأندية الخارقة" منذ عدة سنوات، زاعما أن هذه الأندية وصلت إلى درجة من الأمان تسمح لها بالفشل لسنوات طويلة دون أن تتأثر فعليا، بدا وكأن الأمر على وشك التغيُّر.

 

في تحليل آخر يزعم الرجل أن الأريحية التي ظل يسيطر بها يوفنتوس وبايرن ميونيخ وبرشلونة على المسابقات المحلية قد أصابتهم بالكسل، وصنعت شبكة أمان زائفة من بطولات الدوري والكأس يمكن أن يرتكنوا إليها بعد الفشل الأوروبي الموسمي. من فضلك لا تُصدِّق كل الإشادات الخيالية التي تتلقّاها إدارة بايرن ميونيخ الآن، صحيح أن بعضها في محله، ولكن بايرن نفسه كان مثالا على سوء التخطيط وسيطرة النجوم على الفريق حتى وقت قريب. الأمر كان أشبه بـ "ترند" مُتفشٍّ في القارة كلها. (3) (4) (5)

 

عنوان ميدان

LISBON, PORTUGAL - AUGUST 19: Serge Gnabry of Bayern Munich takes on Karl Toko Ekambi of Olympique Lyonnais before scoring his team's first goal during the UEFA Champions League Semi Final match between Olympique Lyonnais and Bayern Munich at Estadio Jose Alvalade on August 19, 2020 in Lisbon, Portugal. (Photo by Miguel A. Lopes/Pool via Getty Images)

في الواقع، كان بايرن على وشك توديع دوري الأبطال بشكل مُخزٍ للغاية أمام ليون لولا مهارة غنابري الفردية. لأكثر من رُبع ساعة بدا الألمان وكأنهم عاجزون عن إيقاف تحولات ليون السريعة وهجماته المباغتة في المساحات ذاتها التي استغلّها برشلونة في الدقائق القليلة قبل اندلاع الفضيحة، والأمر ذاته تكرّر أمام باريس في النهائي، فعلى عكس ما تُوحي به نتائج البايرن وأهدافه الغزيرة، فإن تلك البطولة حُسِمت بتفاصيل بسيطة لصالحه، تفاصيل كان من الممكن أن تمنحنا بطلا مغايرا تماما.

 

باريس نفسه كان مثالا على الأندية الخارقة الكسولة حتى أتى توخيل وتغيّر كل شيء، وبتعاقدات مختلفة تماما تحوَّل باريس إلى فريق حقيقي، ومع الوقت اكتسب الألماني القدرة على السيطرة على النجوم ومنحهم واجبات تكتيكية في الضغط والارتداد، بل وإجلاس بعضهم على الدكة إن لزم الأمر مثل إيكاردي. واجبات محدودة طبعا ولكنها حوّلت باريس إلى فريق حقيقي مع تعاقدات ذكية من نوعية سارابيا وإدريسا غاييه وغيرهم، وهو عكس ما فعلته إدارة يوفنتوس مثلا التي تسبّبت تعاقداتها العشوائية في انحدار مستوى الفريق بشدة منذ 2015 وحتى اللحظة، وعلى الرغم من الوصول إلى نهائي 2017.

 

في تحليله للظاهرة يؤكد جاك بيت-بروك من "ذا أثلتيك" على دورة الحياة المعروفة؛ الطموح يؤدي إلى عمل جاد ذكي، والعمل الجاد الذكي يجلب النجاح، والنجاح تعقبه الدعة والراحة، وبعد ذلك يأتي الانهيار، وهو ما يعيشه برشلونة وريال مدريد الآن، العملاقان اللذان خلا من اسميهما نصف نهائي دوري الأبطال للمرة الأولى منذ موسم 2006-2007! (6)

 

إن كان هناك شيء واحد قد انتصرت له هذه النسخة من البطولة فهو العمل الجاد الذكي. هانزي فليك وغاسبرّيني ورودي غارسيا وتوخيل وناغلزمان حقّقوا أكثر من المتوقع والعكس للباقين. المشترك الوحيد بين كل أعضاء المجموعة الأولى كان الطموح والرغبة في إثبات الذات، بينما بدا أن يوفنتوس وريال مدريد وبرشلونة والأتليتي توقّعوا أن يصلوا إلى نصف النهائي لمجرد أنهم هم!

 

عنوان ميدان

Soccer Football - La Liga Santander - Real Madrid v Villarreal - Alfredo Di Stefano Stadium, Madrid, Spain - July 16, 2020 Real Madrid's Sergio Ramos and teammates celebrate with the trophy after winning La Liga, as play resumes behind closed doors following the outbreak of the coronavirus disease (COVID-19) REUTERS/Sergio Perez TPX IMAGES OF THE DAY

رغم نجاح ريال مدريد في التتويج بلقب الليغا فإنه ليس مُستثنى من هؤلاء الذين أصابهم الكسل والدعة. ريال مدريد لا يزال فريقا سيئا بالمعايير المعتادة لكبار القارة، لا يزال معتمدا على مجموعة محدودة من اللاعبين القدامى الذين لم يعودوا يملكون الدوافع والحوافز نفسها، والإنفاق غير المحسوب الذي شهده الصيف الماضي صار عائقا في طريق تجديد الفريق الآن.

 

60 مليونا أُنفقت لجلب لوكا يوفيتش الذي لم يِبدُ زيدان مقتنعا بإمكانياته منذ اللحظة الأولى، و100 أخرى لشراء موسم واحد كان مُتبقّيا في عقد هازار لتجعله أغلى لاعب في التاريخ عمليا. 100 مليون يورو لم تكن في محلها لأن المفاوضات مع هازار منذ زمن حتى في وجود رونالدو، وحتى بعد رحيله لم يُفكِّر بيريز في استثمارها بشكل أفضل في لاعب هدّاف يُعوِّض غياب البرتغالي، بل ذهب للهدف ذاته الذي كان يطارده منذ سنوات؛ لاعب خرافي تعيبه المزاجية ولم يُسجِّل أكثر من 15 هدفا في أفضل مواسمه، ناهيك بالمشكلات التكتيكية التي تظهر كلما لعب بجوار بنزيما بسبب ميل الثنائي للتحرُّك في المساحات ذاتها وبالأسلوب ذاته.

 

رؤية ويلسون كانت صحيحة إلى حدٍّ بعيد، وربما تظل مُنطبقة على مانشستر سيتي في إنجلترا مثلا. التنافسية تراجعت بشدة في البريميرليغ، وأحد أهم أسباب ذلك كان المواطنين. في الموسم الماضي على سبيل المثال كان هناك 67 مباراة حصل أحد طرفيها على أكثر من 70% من الاستحواذ. منذ 15 عاما كان العدد مباراة واحدة فقط.

 

لكن ربما أغفل ويلسون حقيقة النفس البشرية، وحقيقة ألّا برشلونة ولا ريال مدريد ولا أي نادٍ خارق آخر يستطيع مخالفتها. نحن لم نُخلَق لنشعر بالأمان طوال الوقت، هذا الإحساس المبالغ فيه بالاطمئنان دفع كبار القارة التقليديين للتفريط في الأسباب التي أوجدته بالأساس، وفجأة وجدوا أنفسهم يغادرون البطولة من الأدوار المبكرة، والأهم أن تحرُّكاتهم الحالية لا تُوحي باستفاقة قريبة، بل ربما يستمر الكسل والتراخي حتى يفقدوا عروشهم المحلية كذلك.

__________________________________________________

المصادر

  1. سحق مانشستر سيتي لواتفورد بثمانية يُوضِّح الخلل الحالي في كرة القدم الأوروبية – غارديان
  2. داخل تفاصيل نافذة الانتقالات – تيفو فوتبول
  3. تجسُّد يوفنتوس في ساري ورونالدو يُوضِّح الكسل الذي أصاب الأندية الخارقة – غارديان
  4. تفكُّك برشلونة والتراجع الذي قد يُصيب ناديا خارقا – غارديان
  5. نخبة دوري الأبطال أصابها الكسل واعتادت السيطرة المحلية السهلة – غارديان
  6. أهلا بكم في الحقبة الجديدة من عصر الأندية الخارقة؛ أندية كسولة وأخرى ذكية – ذي أثلتيك

حول هذه القصة

تكتيكيا وفنيا وإنسانيا، ستُخلَّد معركة ليفربول كلوب وسيتي غوارديولا في التاريخ كواحدة من أعظم المعارك الكروية وأكثرها ثراء، لكن ستبقى الحقيقة أن سيتي غوارديولا كان عظيما، ولكن ليفربول كلوب كان مُلهما.

Published On 29/6/2020
المزيد من مقالة
الأكثر قراءة