رب صدفة خير من اجتهاد.. كيف تفسر كرة القدم دور العشوائية في الوصول للنجاح؟

"أتعجّب كثيرا من هؤلاء الناس الذين يُنكرون دور الحظ والمصادفة، لولاهما لما كانوا موجودين ليناقشوا الأمر، ولظل الكوكب تحت سيطرة الديناصورات، أو ربما كائنات أخرى أضخم لم نعرفها!".

(مجهول)

دعنا نبدأ بنكتة؛ في عالم فقد فيه مئات الآلاف أرواحهم وفقد فيه الملايين وظائفهم لأن أحدهم تناول خفاشا على العشاء، جلس سامح يشاهد مباراة فريقه المفضل بعد يوم عمل مرهق تضمّن دوامين في وظيفتين مختلفتين وثلاث ساعات من التنقل بين أنحاء القاهرة المختلفة، بعد أن اضطر لترك مجال عمله الأصلي بسبب الجائحة، وبمجرد بدء المباراة اكتشف أن هناك بضعة أسماء غير مألوفة على دكة بدلاء فريقه تبدو وكأنها قادمة من الفريق الثاني لسد العجز بعد موجة الإصابات المتتالية غير المفهومة التي ضربت صفوفه.

 

بعد ربع ساعة تقريبا أُصيب أحد الأساسيين في وسط الملعب ليضطر المدرب لإقحام أحد الشباب عديمي الخبرة الذي بدت عليه أمارات التوتر والذعر أثناء الإحماء، وبعد نزوله ببضع دقائق انطلقت الركلة الركنية وضربها أحد زملائه برأسه لتصطدم بمدافع الخصم ثم ترتد في صدره إثر محاولة فاشلة لتشتيتها من 3 لاعبين على الأقل في آنٍ واحد. دخلت الكرة الشباك وفاز الفريق في آخر جولات الموسم ليحتل مقعدا أوروبيا كان يحتاج إليه ويودي بفريق آخر إلى غياهب الدرجة الثانية. فرح سامح لدرجة أنه ولج إلى حسابه على فيسبوك وكتب قائلا: "نعم محظوظون، ولكنه الحظ الذي نستحقه! صياحكم طرب!"، ثم ضغط على زر النشر ليظهر منشوره أعلى خبر يقول: "ثروة جيف بيزوس تزداد بمقدار 24 مليار دولار أثناء الجائحة بسبب زيادة الطلب على موقع أمازون". (1)

 

كان هذا مشابها لما حدث مع رافا بينيتيث مدرب نيوكاسل خلال الموسم الماضي، بعد أن وجد نفسه مطالبا بالإبقاء على الفريق في البريميرليغ رغم إصابة أهم لاعبي وسطه جونجو تشيلفي ومومو ديامي. تحذيراته المتكررة من محدودية القائمة لم تجد أي صدى عند مالك النادي مايك آشلي وبالتالي لم يجد بينيتيث بُدًّا من الاستعانة بلاعبي الأكاديمية، وتحديدا الشاب شون لوغستاف الذي لم يُستدعَ لأي مباراة لمنتخبات إنجلترا في مراحل الناشئين، ولم يلفت نظر الكثيرين قبل هذه اللحظة. (2)

 

شون لوغستاف (وكالة الأنباء الأوروبية)

تألق لونغستاف بشدة على عكس كل التوقعات لدرجة أنه أصبح أساسيا من حينها، بل وشعر الكثيرون أنه يستحق الحصول على موقع أساسي في التشكيل حتى بعد تعافي ديامي من إصابته، وهو شيء مشابه لما حدث مع هاري كين في توتنهام، والذي كان وصوله للفريق الأول حاصلَ جمعِ عدة مصادفات سعيدة منها وجود تيم شيروود الذي يُعوِّل كثيرا على منتجات أكاديمية السبيرز، ومنها بدء استخدام إحصائية الأهداف المتوقعة (Xg) التي أثبتت أن عجزه عن التسجيل، والذي كاد يطيح به من الفريق ليتحوّل إلى موهبة أخرى منسية، كان بسبب عجز الفريق عن صناعة الفرص المناسبة للتسجيل. (3)

 

في كتابه، "البجعة السوداء"، يصك الفيلسوف والإحصائي الأميركي نسيم نيكولاس طالب مصطلحا جديدا اسمه "مغالطة السردية" (The Narrative Fallacy)، يصف فيه نزوع البشر بالفطرة إلى ربط الأحداث المختلفة بتفسيرات منطقية، وترتيبها في سياق يمكن فهمه، يؤدي فيه بعضها إلى بعض في متوالية محسوبة، لتتكوّن سردية ما تساعدنا على فهم ما يحدث حولنا وتذكُّره، وحتى لو لم تكن تلك السردية موجودة من الأساس. (4) (5)

 

لا تقلق إذن، الأمر ليس مقصورا على مشجعي كرة القدم، بل هي ظاهرة عالمية هدفها إرضاء غرور البشر وتأكيد الإحساس بأنهم يتحكمون في مصائرهم، لأن ترتيب الأحداث بهذه الطريقة يمنحهم الأمل بأن الخطر يمكن تجنُّبه، وأن الحظ يمكن استحقاقه، وأن كل شيء يحدث لسبب منطقي، وأنه لا ظلم في هذا العالم، ولا عشوائية في أحداثه، ببساطة لأن أي احتمال آخر معناه أن نُجنّ جميعا، معناه أن الشك والحيرة ستُكبِّلنا وتُعطِّل حياتنا، ولوم البشر على أمر كهذا يكاد يكون مستحيلا.

 

هذا هو ما ينتج مفاهيم مثل "حظ المجتهدين" و"الحظ الذي نستحقه"، وهي مفاهيم لا تصمد أمام أقل درجات التدقيق والفحص؛ فلو كان الحظ يذهب للمجتهدين فعلا فلماذا سُمي كذلك؟ ما وجه العشوائية في الأمر إن كان كل محظوظ مجتهدا والعكس بالعكس؟ أليست هذه محاولة لإضفاء المنطق على ما ليس منطقيا؟ هل استحق بيزوس 24 مليار دولار إضافية لأن أحدهم أكل خفاشا في الصين؟ بيزوس رجل أعمال ناجح، ناجح أكثر من اللازم، وغالبا كان سيموت هو وأحفاده قبل أن يتمكّنوا من إنفاق ربع ثروته الحالية. وربما استحق الحصول عليها أو لا، ولكن بفرض الأولى، فما الذي أضافه بيزوس للعالم بالضبط بعد الجائحة ليستحق 24 مليار إضافية عدا جلوسه في بيته مثل باقي سكان الكوكب؟

 

هذه هي المشكلة هنا، أن الحديث الدائم عن الاجتهاد والموهبة واقترانهما بالحظ قائم بالكامل على مغالطة أخرى ألّفناها للتو وقرّرنا منحها اسم "مغالطة صيد الأسود"؛ أنت تسمع دائما عن الموهوبين الذين استفادوا من الحظ مثل بيزوس، ولكنك لا تسمع أبدا عن الموهوبين الذين لم يفعلوا. هذا يشبه قصة الصياد الذي ألّف كتابا كاملا عن مغامراته في صيد الأسود فظن الجميع الأمر سهلا، ولم يسمعوا أبدا عن هؤلاء الذين اصطادتهم الأسود لأن الأسود لا تُجيد الكتابة.

 

في 2018 اجتمع ثلاثة باحثين من جامعة كاتانيا بإيطاليا هم أليساندرو بلوتشينو وأندريا رابيزاردا وأليسيو بيوندو في محاولة للبحث عن ماهية العلاقة بين الحظ والموهبة، ونشروا نتائج بحثهم في ورقة علمية بعنوان "الموهبة ضد الحظ: دور العشوائية في الوصول للنجاح أو الفشل". (2) وعبر عملية معقدة من التجارب والحسابات والمعايشة لنماذج حية تُقدَّر بالآلاف، وصل الثلاثي إلى خلاصة تؤكد أنه إن كانت الموهبة مهمة في الوصول لدرجة ما من درجات النجاح، فإن ما نستطيع تأكيده عبر النماذج التي قمنا بدراستها أن الأكثر موهبة نادرا ما يصلون للمكانة التي تتناسب مع إمكانياتهم، وأن الأكثر نجاحا غالبا ما يعتمدون على مساعدة قدر كبير جدا من العشوائية والحظ.

 

هذه مشكلة أخرى، لا يوجد بشري يؤمن فعلا بصدق تام أنه لا يستحق ما حققه، بل على العكس، غالبا ما يؤمن البشر أنهم يستحقون أكثر مما حصلوا عليه طيلة حياتهم، وهذا كله يؤكد الانطباع السابق عن قلة تأثير الحظ والعشوائية في حياتنا، وهو سبب إضافي للتمسك بمغالطة السردية الشهيرة، ليس فقط لأنها تمنحنا الشعور الزائف بأننا نفهم العالم ونستطيع التجاوب معه، بل لأنها أيضا تؤكد استحقاقنا لكل ما أنجزناه من قبل، وتُمكِّننا من الدفاع عنه بشعارات مثل "حظ المجتهدين". المصيبة أن هذه السردية، حتى وإن صحّت بطريقة ما، فهي ليست مكتملة أصلا، ببساطة لأنها لا تضع اعتبارا للحظ السيئ. بنجامين فرانكلين كان يقول إننا نشيد بالعصافير التي تصحو مبكرا لتطعم صغارها، ونقول إنها تستحق حظها باجتهادها، ولكننا لم نفكر أبدا في الديدان سيئة الحظ التي ستستقر في بطون الصغار رغم أنها صحت مبكرا أيضا، وللسبب ذاته! (6)

 

عبر تقرير طويل نُشِر بالتليغراف في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، شرح إيان غراهام رئيس وحدة البحث في ليفربول الطريقة التي جلبوا بها يورغن كلوب إلى النادي، ففي آخر مواسمه مع دورتموند كان الفريق يصارع الهبوط، وكانت عناوين الصحافة تتحدث عن نهاية كلوب وتُفسِّر الأمر بأن طريقة لعبه أصبحت مقروءة للخصوم، وأن الجميع أصبح قادرا على التعامل معها وابتكار تكتيكات مضادة تنزع عنها حِدّتها وفاعليتها.

كان ما فعله غراهام، الحاصل على دكتوراه في الفيزياء النظرية من كيمبريدج، هو أنه استخدم فريقه البحثي لتحليل آخر 10 سنوات من البوندزليغا عبر بيانات تفصيلية، والمفاجأة، حسب قوله، هي أن دورتموند كلوب كان أحد أسوأ الفِرَق حظا في هذه الفترة، ثاني أسوأ الفِرَق حظا للدقة، وأن النتيجة المنطقية لأفكاره وجودة تطبيقها في الملعب خلال الموسم الأخير كانت يجب أن تصل بالفريق إلى المركز الثاني بدلا من السابع! (7) بناء على ذلك اتخذ الريدز قرارهم بالتعاقد مع الرجل وهم متأكدون أن موسم دورتموند الأخير لم يكن سوى خلل في النظام، وأن عناوين الصحافة وقتها لم تكن سوى حالة أخرى من مغالطة السردية. الآن هل يمكنك أن تخبرنا بما فعله كلوب في هذه السنوات العشر ليستحق هذا الحظ؟

 

أيضا مقولة "يوم لك ويوم عليك" هي أحد أهم منتجات هذه المغالطة، في بحث آخر لعمر الشذري، رئيس وحدة البحث بمؤسسة "21st Club"، والتي تُقدِّم خدمات البيانات لأندية كرة القدم؛ قام بإحصاء تاريخ كأس الاتحاد الإنجليزي منذ تأسيسه، ثم حساب عدد المرات التي واجه فيها الستة الكبار في إنجلترا القرعة للعب خارج ملعبهم أو داخله، وكانت النتيجة أن أندية مثل مانشستر يونايتد وتوتنهام وتشيلسي حظيت بفرص أكبر بكثير للعب على أرضها وبين جمهورها، على عكس أندية مثل مانشستر سيتي وليفربول مثلا، ولسبب وحيد عشوائي تماما هو القرعة. (8)

 

في الواقع، يمكننا أن نذكر عشرات ومئات الأمثلة المشابهة، ولا شيء سيمنعها من تعكير حياتك وحياتنا سوى نعمة النسيان والتجاهل، وإن سألتنا عما سنفعله الآن فهو ما ستفعله أنت غالبا؛ سنستمر في العمل والاجتهاد والأمل لأن هذا هو ما يمنحنا المعنى والقدرة على الاستمرار، وليس لأننا متأكدون أن كل ذلك سيُكافأ بالحظ يوما ما، وما ينطبق علينا ينطبق -غالبا- على فريقك الذي تُشجّعه. عدا ذلك، فلا نملك ما نُضيفه، على الأقل حتى تتمكّن الأسود من الكتابة والديدان من الصياح.

___________________________________

المصادر

  1. ثروة جيف بيزوس تزداد بما يعادل 24 مليار دولار بسبب جائحة "كوفيد-19" – غارديان
  2. كيف يؤثر الحظ على كرة القدم؟ – فوتي أناليسيس
  3. ما إحصائية الأهداف المتوقعة ولماذا هي مفيدة؟ – تليغراف
  4. كتاب "البجعة السوداء" لنسيم نيكولاس طالب – أمازون
  5. مغالطة السردية لنسيم نيكولاس طالب – كوفي دجانك
  6. 28 مقولة عن الحظ – كيب انسبايرينغ
  7. كيف استخدم ليفربول تقنية تعقب الصواريخ لتطوير لاعبيهم؟ – تليغراف
  8. الحظ لا يتعادل أبدا – 21st club

حول هذه القصة

عندما تتعاقد مع رانغنيك فأنت لا تتعاقد مع مدرب أو مدير رياضي، بل كيان كامل وشبكة علاقات واسعة أقرب لنادٍ مستقل متحرك. نتحدث عن رجل أخرج جيلا جديدا من المدربين واللاعبين يشقون طريقهم رويدا نحو القمة.

كل مرة نأتي إلى هنا لنقول لك إن الوضع ميئوس منه، ثم يحدث شيء ما يخبر الجميع أن أمر أرسنال لم يُحسم بعد، وأن العودة، رغم صعوبتها الشديدة، ليست مستحيلة تماما. هذه المرة كان ما حدث هو ميكيل أرتيتا.

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة