لعبة الأرقام.. ماذا لو كان جيرو أفضل من إنزاغي؟

"عبر مسيرته، شارك أوليفييه جيرو في 291 هدفا بين التسجيل والصناعة، بمعدل هدف كل 117 دقيقة تقريبا، مقابل هدف كل 130 دقيقة لفيليبو إنزاغي".

 

"يتبقى لتشير إيمّوبيلي 7 أهداف فقط ليعادل حصيلة أندريه تشيفتشينكو التهديفية الإجمالية طيلة مسيرته رغم لعبه نحو 100 مباراة أقل، وفي العموم يسجل الإيطالي بمعدل هدف كل 127 دقيقة تقريبا مقابل هدف كل 154 دقيقة للأوكراني".

 

"عبر مسيرته المستمرة حتى اللحظة، صنع داني ألفيش 158 هدفا تقريبا، وهذا أكثر من ضعف ما صنعه بول سكولز عبر 19 موسما مع الفريق الأول لمانشستر يونايتد".

 

"الموسم الحالي شهد نجاح رحيم ستيرلنغ في تخطي لويس فيغو جناح ريال مدريد وبرشلونة الأسطوري على مستوى الحصيلة التهديفية، إذ وصل الإنجليزي الدولي لهدفه رقم 131 متجاوزا البرتغالي بـ 19 هدفا وهو لا يزال في الخامسة والعشرين من عمره".

 

"بتسجيله في مباراة نصف النهائي من الدوري الأوروبي، عادل البلجيكي روميلو لوكاكو حصيلة رونالدو دي ليما التهديفية في الموسم الأول له مع إنتر أيضا، حيث شارك إجمالا في 39 هدفا ما بين التسجيل والصناعة".

 

"عبر مسيرته، سجل رونالدو دي ليما 296 هدفا مع الأندية بمعدل هدف كل 120 دقيقة تقريبا وهو أقل مما حققه ليفاندوفسكي عبر مسيرته إذ يسجل كل 117 دقيقة فقط".

 

أرقام عشوائية من بضعة مواقع إحصائية. (1) (2) (3)

أهلا بك، يوم اعتيادي في العالم الكروي كأي يوم آخر؛ برشلونة يغادر دوري الأبطال بفضيحة تاريخية، ومانشستر سيتي يتبعه في فضيحة أخرى بعد تعديلات مفاجئة -أو معتادة بالأحرى- في التشكيل، وبضع فرص مهدرة -مفاجأة أخرى- وبايرن يقوم بتفعيل وضعية الدعس بعد أن تولى تدريبه مدرب ألماني آخر -المفاجآت تتوالى- وقبل كل ذلك يغادر ريال مدريد البطولة بعد مباراتين أثارتا الشكوك في قدرات زيدان التدريبية للمرة المليون.

 

وسط كل ذلك طرح أحد المشجعين القدامى سؤالا مهما للغاية؛ لماذا تُشعرنا الإحصائيات وكأننا نشاهد كرة قدم جديدة مختلفة عما شاهدناه في الثمانينيات والتسعينيات ومطلع الألفية؟ لماذا يتفوق إيمّوبيلي على تشيفتشينكو رغم أنه لم يلعب لفريق بحجم ميلان في حياته؟ لماذا تُكسر الأرقام القياسية السابقة بهذه السهولة؟ لماذا لم يصنع سكولز 50 أو 100 هدف إضافية تُعبِّر عن عظمته إحصائيا؟ كيف أنتجت كل هذه الروعة 73 تمريرة حاسمة فقط؟ هذا الرقم قد تجاوزه عدد كبير جدا من اللاعبين بعضهم ليس مشهورا أصلا، ثم كيف يتأتى لليفاندوفسكي تحت أي ظرف ومع أي نادٍ وأي عدد من الفرص أن يسجل بمعدل أعلى من رونالدو الظاهرة، ناهيك بلوكاكو؟

دعك من كل ذلك، لو نظرت لإحصائيات التهديف قبل بلوغ سن الحادية والعشرين مثلا فستكتشف أن نيمار تفوّق على ميسي ورونالدو رغم أنه لم يلعب موسما واحدا كاملا بنصف جدية والتزام الثنائي منذ بدأت مسيرته، وستكتشف أن مبابي تفوّق على نيمار كذلك، وبالتبعية لن نتفاجأ إن نجح هالاند في تخطّيهم جميعا.

 

السؤال هنا؛ هل تُنتج كرة القدم لاعبين أفضل كلما تقدّم الزمن؟ أم أن هذا التفوق الذي يبدو غير منطقي له تفسير آخر؟ سنحاول الإجابة عبر تقرير من جزأين.

 

في محاضرة رائعة من محاضرات "تيد" (TED) ننصح بمشاهدتها بشدة، يبدأ المحرر والباحث في علوم الرياضة ديفيد إبستين بإلقاء شعار الأولمبياد التاريخي؛ "أسرع.. أعلى.. أقوى" (Citius.. Altius.. Fortis)، ثم يجذب انتباهك فورا بمثال سريع؛ لو تسابق الفائز بالماراثون الأولمبي في عام 2012 مع قرينه من عام 1904 لفاز بفارق ساعة ونصف تقريبا! من فضلك لاحظ أنه أنهى السباق كاملا في ساعتين و8 دقائق! (4)

يبدأ إبستين في الكشف عن النمط المتكرر بمقارنة أخرى بين جيسي أوينز بطل سباق 100 متر في عام 1936 ويوسين بولت بطل 2013، والنتيجة مشابهة للمقارنة الأولى؛ إذ كان بولت ليسبق أوينز بنحو 14 قدما كاملة! من فضلك لاحظ أيضا أننا نتحدّث عن سباق 100 متر!

 

التفسير المنطقي الوحيد لهذه الفروقات الضخمة هو أن البشر تطوّروا لسلالة أرقى وأعلى وأقوى على حد تعبير إبستين، ولكن الحقيقة أبسط من ذلك بكثير؛ الأمر ببساطة أن أوينز كان يركض على رماد متخلف من حرق الأخشاب. كانت هذه هي الخامة المستخدمة في مضمار الركض آنذاك. بينما كان بولت يركض على خامة صناعية أقرب للبساط، مصممة خصيصا لتسمح له بالركض بأسرع ما يمكن، ولتقاوم خطواته بأقل درجة ممكنة، ولتعامل عضلاته ومفاصله بدرجة محسوبة من النعومة والرفق، وبعد إزالة أثر تلك العوامل باستخدام علم البيولوجيا الميكانيكية يتضح أن أوينز كان ليصبح على بُعد خطوة واحدة فقط من بولت في 2013، وليس 14 قدما كاملة!

 

هذا هو ما يحدث عندما تنظر للصورة كاملة؛ في مثال آخر عرض إبستين رسما بيانيا عن تطور الرقم القياسي لسباق 100 متر سباحة حرة، ويتضح بما لا يدع مجالا للشك أن الرقم في تناقص مستمر منذ بدء تنظيم السباق وحتى اللحظة، ولكن ما يلفت الانتباه هو الانخفاض الحاد في الوقت الذي يظهر على الرسم البياني عند بعض اللحظات في التاريخ، مثل بدء تطبيق الشقلبة عند الوصول لنهاية المسبح في عام 1956، والتي وفرت على السباحين عدة ثوانٍ ثمينة وسمحت لهم باستخدام قوة أرجلهم في الحصول على دفعة قوية بدلا من التوقف والدوران ثم البدء في التسارع من الصفر، ومثل بدء استخدام المجاري المائية على حواف المسبح في 1976، والتي سمحت للمياه بالتدفق إلى خارج المسبح بدلا من الارتطام بجدرانه وتكوين موجات معاكسة لاتجاه السباحين، ومثل ابتكار بذلات السباحة قليلة الاحتكاك في 2008 وغيرها.

تناقص الرقم القياسي لـ100 متر سباحة حرة عبر الزمن  (المصدر تيد توك)

كل ما سبق كان لحظات مؤثرة للغاية في تقليل عدد الثواني المطلوب لإنهاء السباق، وكان تأثيرها ضخما في العديد من اللحظات التاريخية، وفي بعض الرياضات كان التطور مقرونا بالتكنولوجيا فقط لا غير. على سبيل المثال كان الرقم القياسي لأطول مسافة مقطوعة بالدراجة خلال ساعة واحدة مسجلا باسم إيدي ميركس في عام 1972 بثلاثين ميلا و3774 قدما، وفي خلال أربعة عقود تقريبا نجح الدرّاجون في الوصول بهذا الرقم إلى أكثر من 35 ميلا بزيادة قدرها 15% تقريبا، ولكن عندما قرّر الاتحاد الدولي أن كل محاولات كسر رقم ميركس يجب أن تتم بالمعدات نفسها التي استخدمها، اكتشفنا أن أقصى ما استطاع فعله الدراجون الحاليون هو التفوق على رقمه بـ 883 قدما فقط. هذه الزيادة أقل من 1% مما حقّقه ميركس، أي إن كامل التقدم الذي حدث في هذا الرقم كان راجعا للتكنولوجيا بشكل أساسي.

 

ما علاقة كل ذلك بكرة القدم؟ عُدْ بضع سنوات للوراء عندما اشتكى أحد أعظم مُمرري اللعبة عبر تاريخها من طول العشب وجفافه في ملعب البرنابيو، ثم بعدها بثلاث سنوات عندما كرّر داني ألفيش الشكوى ذاتها في ملعب الكالديرون معقل الأتليتي، وعدة مرات إضافية قام بن هيوورد محرر غول بجمعها في تقرير طويل طريف، وربما حينها نكتشف أن الأمر لم يكن مجرد حجة سخيفة للهزيمة أو التعادل، وأن العشب الجاف يُقلِّل من سرعة التمريرات القصيرة التي يعتمد عليها أسلوب لعب الكتلان، وأن تجفيفه بهذه الطريقة لم يكن مصادفة أبدا سواء من مورينيو أو من سيميوني، خاصة أن الأخير لم يتورّع عن إلقاء كرة ثانية في الملعب أثناء هجمة مرتدة لملقه على فريقه في الدقائق الأخيرة منذ عامين، أو إخبار حاملي الكرات بإهدار الوقت في مباراة ليفربول منذ عدة أشهر. (5) (6)

 

إذا أضفت إلى كل ما سبق شكاوى كلوب المعتادة من الرياح، وامتعاضات دالغليش وغوارديولا وأوليفر كان من خامة الكرة ذاتها، فسيظل كل ذلك سببا غير كافٍ للهزيمة أيضا، ولكنه دليل على أن تفصيلة بسيطة لا يُلقي لها أحد بالا قد تكون مهمة في العصر الحالي، أو على الأقل ملحوظة. تخيّل بوبي تشارلتون أو بيليه يشكون من العشب أو خامة الكرة أو الرياح في ستينيات القرن الماضي مثلا! (7) (8)

القصد أنه في لعبة تنافسية يتوقف على نتائجها أموال لا حصر لها بين مراهنات وصفقات وعقود رعاية، كان من الحتمي أن يقوم أطرافها باستغلال كل تفصيلة بسيطة ليحاولوا التفوق على خصومهم، بما في ذلك كل التفاصيل التي نراها بسيطة، بل ومثيرة للسخرية أحيانا. هذا هو التطور الطبيعي ببساطة ولا مفر منه.

 

في حوار آخر مع حسن بلتاجي مدرب ومحلل أداء أكاديمية بوروسيا دورتموند، يُوضِّح الرجل أن هناك فارقا ضخما في مستوى الاحترافية كذلك، وهو يتقاطع مع تطور هائل في علم البيانات والتكنولوجيا، يسمح للنادي بقياس كل ما يتعلق بحياة اللاعب حتى خارج التدريب، لدرجة استنتاج عدد ساعات نومه وقدر الراحة التي حصل عليها في منزله، وما إذا كان يمارس عادات غذائية ضارة مثلا، أو يقوم بمجهود بدني لا يجب أن يقوم به. كل شيء مراقب، والأهم أن أكثر اللاعبين يستجيبون لهذه الالتزامات لأنها اكتسبت قوة الأمر الواقع، وهذا يجعلهم أكثر احترافية وجاهزية من أقرانهم السابقين بسنين ضوئية.

 

حتى أبسط الأمثلة كمشروبات الطاقة التي يتناولها اللاعبون بين الشوطين أو مع كل توقف، تتحوّل إلى عنصر مهم إذا ما قارنت لاعبي اليوم بلاعبي التسعينيات أو حتى بداية الألفية. في المحاضرة ذاتها يخبرنا إبستين أن السير روجر بانيستر، أول مَن ركض ميلا في أقل من 4 دقائق عام 1954، كان يتناول مشروبا للطاقة كذلك، الفارق فقط أنه كان مزيجا من سم الفئران مع البراندي. (4)

 

أضف إلى ما سبق التقدم الطبي الهائل؛ في هذه الأيام يستشفي اللاعبون من الإجهاد في وقت أقل بكثير بسبب كل هذه التقنيات، بل ويتعافون من الإصابات في أوقات قياسية، وفي كل موسم تسمع عن قطع في الرباط الصليبي يُنهي موسم لاعب ما ثم تُفاجأ به في التدريبات بعد عدة أشهر. عدد أقل بكثير من اللاعبين تنتهي مسيرتهم فعليا بسبب الإصابة هذه الأيام، بينما كان ذلك أمرا شائعا للغاية حتى مطلع الألفية، باجيو نفسه، ورغم عبقريته، لم يتمكّن من اللعب موسمين كاملين متتاليين في مسيرته أبدا بسبب تخلُّف الطب آنذاك مقارنة بالآن. (9)

 

أصلا حجم التطور الذي شهده فريق أرسنال بمجرد وصول فينغر في منتصف التسعينيات، وقضائه على الكثير من العادات السيئة للاعبين في ذلك الوقت، كان هائلا فعلا، وعلى الرغم من أنها أشياء تبدو بديهية للغاية في العصر الحالي فإنها كانت شائعة جدا آنذاك؛ كل اللاعبين تقريبا كانوا يتناولون الكحوليات بانتظام -أحيانا قبل المباراة مباشرة- ويأكلون ما يحلو لهم ما داموا قد استطاعوا الحفاظ على أوزانهم ضمن الحد المسموح، بما في ذلك السكريات والمعجنات والوجبات السريعة، وكان فينغر هو مَن قضى على كل ذلك ليُنشئ ثقافة جديدة في إنجلترا. ثقافة سخر منها سير أليكس فيرغسون نفسه وقتها رغم عظمته الكروية التاريخية، ورأى فيها تزيُّدا وتحذلقا لا داعي له. (10) (11)

في وثائقي مارادونا الأخير لمخرجه البريطاني آسيف كاباديا، يحكي دييغو أن حكايته مع الكوكايين بدأت في برشلونة قبل الرحيل لنابولي واختلاطه بعصابات الكامورّا أصلا، ويؤكد أن المخدرات أشعرته بأنه خارق، وحتى بعد الرحيل لإيطاليا وتحقيق السكوديتّو الأول مع نابولي في 1987 كان مارادونا يتعاطى الكحوليات والكوكايين أسبوعيا، وعلى حد وصفه؛ يلعب المباراة السبت أو الأحد، ثم يتعاطى حتى الأربعاء، ثم يبدأ عملية التعافي في آخر يومين قبل المباراة التالية، وحتى هذا النمط من العيش لم يكن مرضيا بالنسبة له، لدرجة إعلانه عن رغبته في الرحيل قبل تحقيق السكوديتّو الثاني في 1990، ببساطة لأنه لم يُطِق لعب مباراة كل أسبوع! (12)

 

قارِنْ ذلك بما يحدث الآن عندما يُقرِّر اللاعب في هذه الأيام أن يتناول الأرز بدلا من الخبز على الغذاء مثلا، أو أزمة ميسي مع البيتزا منذ عدة مواسم، لتكتشف حجم الفجوة الهائل بين لاعبي الماضي والحاضر. نحن لا نستطيع أن نخبرك بشكل قاطع إن كان جيرو أفضل من إنزاغي أم لا، ولكننا نؤكد لك يقينا أنه أكثر احترافية بمراحل، أكثر تركيزا على كرة القدم، أكثر جاهزية بدنية وذهنية، وبالتبعية أكثر ثباتا واستقرارا. كل هذا صار من بديهيات المعادلة عندما تضع لاعبا من عصر إنزاغي في مواجهة أيٍّ من لاعبي اليوم.

 

كل ما سبق مفاده حقيقة واحدة؛ لاعبو اليوم يتلقّون قدرا أكبر من التدريب والتجهيز والمساعدة التقنية، ولكنها أفضلية يحصل عليها أغلب لاعبي اليوم، لذا فهي لا تُفسِّر كيف يتفوّق بعضهم على الآخر لدرجة تحطيم أرقام قياسية صمدت لزمن، لا يُفسِّر كيف يتسنّى للوكاكو تسجيل عدد الأهداف نفسه التي سجّلها رونالدو دي ليما في أول مواسمه مع إنتر، وهذا هو ما سنحاول الإجابة عنه في الجزء الثاني من التقرير.

_________________________________________________________

المصادر

  1. إحصائيات اللاعبين على موقع ترانسفير ماركت
  2. إحصائيات اللاعبين على موقع هوسكورد
  3. إحصائيات اللاعبين على موقع FBREF
  4. محاضرة ديفيد إبستين: هل أصبح اللاعبون أقوى وأعلى وأسرع؟ – تيد توك
  5. تشافي يلوم ريال مدريد لعدم قص عشب البرنابيو – بليتشر ريبورت
  6. فن توجيه اللوم لأرضية الملعب – غول
  7. الأعذار التي استخدمها يورغن كلوب كلما تعثّر فريقه – توك سبورت
  8. أغرب الأعذار عند الهزيمة في كرة القدم – بي سوكر
  9. روبرتو باجيو وقدرته الخارقة على العودة من الإصابات المتتالية – بلانيت فوتبول
  10. 5 طرق غيّر بها أرسين فينغر كرة القدم الإنجليزية للأبد – ESPN
  11. حرب التصريحات بين فيرغسون وفينغر – بليتشر ريبورت
  12. وثائقي مارادونا الأخير 2019 – HBO

حول هذه القصة

نعتذر عن الحديث عن برشلونة في هذا التقرير لسبب بسيط جدًا، هو أنك لو لم تكن قد اقتنعت بـ 69304500 تقرير سابق يحذر من توجه برشلونة نحو كارثة غير مسبوقة بإصرار وعناد غريبين، فبالطبع لن تقتنع الآن.

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة