مانشستر سيتي 2020.. هل أصاب غوارديولا فريقه بالفصام؟

بصراحة، لقد كنا ننوي خداعك، كنا سنخبرك عن فريقين مختلفين؛ أحدهما يمتلك مجموعة من الإحصائيات الخارقة، والآخر إحصائياته تليق بفريق في منتصف الجدول، وبعد أن نبهرك بمدى التناقض بينهما كنا سنخلع منظار الشمس في درامية شديدة ونخبرك بالمفاجأة؛ هذان الفريقان هما في الواقع فريق واحد؛ مانشستر سيتي غوارديولا.

 

طبعا كان هذا قبل أن ندرك أن العنوان سيفضح حيلتنا قبل أن تقرأ حرفا واحدا، لذا قررنا أن نصارحك من البداية؛ مانشستر سيتي مصاب بفصام الشخصية. في الواقع، نحن لم نرَ فريقا يجمع بين هذه المتناقضات بالغة التطرف مع المدرب نفسه أبدا.

 

قبل أن نبدأ سنمنحك فكرة عامة عما نحن بصدد مناقشته؛ هل تشاهد البريميرليغ؟ قطعا تشاهده وإلا ما كنت هنا، بالتالي أنت تعلم كيف اكتسح ليفربول البريميرليغ طولا وعرضا هذا الموسم، لدرجة أنه كان على وشك تحطيم كل أرقام السيتي من الموسمين الماضيين لو لم يعد لاعبوه بمستوى متراجع ودوافع أقل بعد التوقف.

 

حسنا، عليك أن تستعد الآن لأن ما سنخبرك به سيبدو عسيرا على التصديق؛ طبقا لإحصائيات الأهداف المتوقعة التي يُشار إليها اختصارا بـ "xG"، والتي تقيس جودة تسديدات كل فريق ومن ثم نسبة تحوُّلها لأهداف طبقا لصعوبتها، فإن مانشستر سيتي غوارديولا الذي خسر عددا أكبر من المباريات مقارنة بوولفز ومانشستر يونايتد، وأقل من أرسنال بمباراة واحدة، هو الفريق ذاته صاحب أعلى نسبة من الأهداف المتوقعة في جدول البريميرليغ، وثاني أقل نسبة من الأهداف المتوقعة ضده (الأول ليس ليفربول)، وأعلى فارق أهداف متوقع. (1)

في الواقع لفظة "أعلى" لا تصف ما حدث بدقة، فطبقا لمؤسسة "StatsBomb" إحدى كبرى شركات الإحصائيات في العالم، والتي تعمل مع عدد من أكبر أندية أوروبا، فإن متوسط فارق الأهداف "المنطقي" لمانشستر سيتي يصل إلى 1.52 هدف في المباراة. هذا يقارب ضعف ما يحققه ليفربول بطل الدوري الحالي (0.79 هدف في المباراة) والمتوج بفارق 18 نقطة مرشحة للزيادة في الجولة الأخيرة.

 

"منطقيا" أيضا، كان يجب أن يسجل مانشستر سيتي 20 هدفا أكثر من ليفربول وليس 15 فقط كما حدث، والمفاجأة أنه كان يجب أن يتلقى أقل منه بـ 7 أهداف كاملة كذلك! وعلى حد علمنا، لم يحدث أن أي فريق حقّق هذه المعدلات خسر الدوري بهذا الفارق من النقاط. (1)

 

من فضلك لاحظ أن هناك هامشا للخطأ في كل إحصائية، بعض الخوارزميات التي تقوم بحساب هذه الإحصائيات تتساهل مع اللاعبين وبعضها يفعل العكس، لذا يميل المحللون للبحث عن الأنماط المتكررة شديدة الوضوح والتي تتجاوز الفوارق فيها هامش الخطأ المعتاد، وفي تلك الحالة نحن نتحدث عن ضعف فارق الأهداف لا مجرد زيادة بسيطة يمكن إرجاعها لأي هامش خطأ محتمل. (2)

 

إن كان من الممكن تسمية هدف وحيد يسعى له بيب غوارديولا في كل مباراة أيًّا كان الخصم وأيًّا كانت المسابقة أو الظروف فهو التسجيل في أول ربع ساعة. كل ما تسمعه من تكتيكات ودراسات وتدريبات وفلسفة لعب هدفه خدمة هذه الجزئية؛ تصدير الصدمة للخصم من البداية وقتل طموحاته مبكرا، بعدها يأتي دور تاريخ غوارديولا العريض في إلحاق الهزائم الثقيلة بمنافسيه ليلقي بثقله على نفسية وذهنية الخصم، ويدفعه للتفكير 1000 مرة قبل المخاطرة بالصعود للسيتي في مناطقه.

 

كل ذلك يتم بالأساس بهدف معادلة الكفة التكتيكية، لأن غوارديولا لم يعد يسعى للهجوم المندفع في كل مباراة بقدر ما أصبح مضطرا له بسبب تراجع خصومه المستمر أمامه في البدايات على الأقل، وهذا التراجع يمنحهم الفرصة لشن المرتدات الخطيرة بعد كل تمريرة مقطوعة أو تسديدة طائشة أو فرصة غير مستغلة، وما يحاول غوارديولا تحقيقه هو ببساطة إجبارهم على فتح خطوطهم أملا في التعويض، أي إنه بينما يظن الناس أن اندفاع الرجل الدائم في البدايات هدفه الهجوم وحسب، فإنه في الواقع يحاول حماية فريقه في باقي فترات المباراة، وتقليل المساحة الزمنية التي يضطر فيها للمخاطرة والصعود بكامل خطوطه للثلث الأخير. لو كنت متابعا جيدا للبريميرليغ فأنت تعلم كل ذلك غالبا. (3)

 

وهذا قد يُعيدك لإعادة التفكير في إحدى النظريات الشائعة بشدة عن الرجل، والتي تقول إنه لا يهتم بالدفاع قدر اهتمامه بالهجوم، وبغض النظر عن أن التدريب في هذا المستوى لا تقوده مبادئ وأفكار بهذه السطحية، فإن الحقيقة تثبت أن المقولة أبعد ما تكون عن الحقيقة، ففي أول 7 مواسم لغوارديولا في برشلونة وبايرن كان فريقه هو الدفاع الأقوى في البطولة المحلية، ومع بايرن وسيتي تكرر النمط نفسه؛ غوارديولا قبل أقل عدد من الأهداف في تاريخ النادي بالدوري، محققا رقما قياسيا، ثم كسر هذا الرقم بتلقي عدد أقل.

مدرب مانشيستر سيتي "بيب غوارديولا"

في الواقع، هذا يدفعك لإعادة التفكير في كل الانطباعات التي يؤكدها الإعلام والجماهير عادة عن أفضل المدربين في اللعبة. هذه ليست انطباعات خاطئة في المجمل، ولكنها في الوقت ذاته تمنحنا صورة غير دقيقة عن هذا المدرب أو ذاك، صورة تطغى فيها مزية واحدة من مزاياه على الباقي، ومع الوقت لا يرى الناس غيرها استسهالا وتبسيطا، على عكس الحقيقة تماما.

 

مشكلة ما يفعله غوارديولا في خصومه هو أنه فعال جدا، ينجح في 95% من الحالات، ومع كل مباراة جديدة ينزل لاعبوه إلى أرض الملعب وهم يعلمون تماما ما سيفعلونه، وأي نقطة ضعف سيركّزون عليها، وبأي كيفية، وكيف سيكون رد فعل الخصم، وكيف سيستغلّون رد فعله. باختصار؛ هم يعلمون كل ما ينبغي فعله لتسجيل الهدف الأول المقدس.

 

هذه الفاعلية الاستثنائية تغري لاعبيه بالاعتماد عليه أكثر من أي مدرب آخر عملوا معه، وهي، في الوقت ذاته، تُرضي غروره وهوسه بالتحكم في كل التفاصيل، وهو أمر يحلم به أي مدرب فعلا؛ أن يمتلك مجموعة من اللاعبين المهرة والمطيعين في الوقت ذاته، ببساطة لأن هاتين الصفتين متناقضتان بشدة، الإبداع نقيض الطاعة، والمهارة دائما ما تبحث عن الحرية، وقبل تلك اللحظة كنا نتخيل أن المدرب الذي سيجمع بين الصفتين في لاعبيه لن يأتي، ولو أتى فسيفوز بكل شيء في كل مكان وتحت أي ظروف.

 

المشكلة؟ أن هذه الاعتمادية تؤدي إلى نتائج عكسية في بعض الأحيان؛ عندما تُجرّد لاعبيك من القدرة على الارتجال وتُحوِّلهم إلى مجموعة من الأطفال عديمي الحيلة أمام أي مستجدات أو ظروف استثنائية، فوقتها سيحدث ما حدث هذا الموسم.

لا شك أن فريق غوارديولا يملك رفاهية الابتعاد عن المنافسة لموسم واحد، بل إن تلك ظاهرة صحية للغاية بعد موسمين جمع فيهما 198 نقطة من أصل 228 نقطة متاحة (87% تقريبا)، وهو أمر لم يسبقه له أي مدرب في أي دوري، فيما يسمى إعلاميا بـ "Hang Over"، في تشبيه لحالة السيتي الحالية بمحاولة الإفاقة من السُكْر.

 

لكن كل ذلك لا يُفسِّر الهشاشة النفسية التي أصبحت طابعا لفريق غوارديولا، لأنه رغم احتفاظ الفريق بسجل دفاعي رائع عبر السنوات الأربع الماضية مقارنة بخصومه، فإنه بالعودة لموسم 2017-2018 تكتشف أن السيتي قَبِل خُمس أهدافه في 10 دقائق أمام ليفربول خلال مباراة الـ 4-3 الشهيرة، وفي 17 دقيقة أخرى أمام مانشستر يونايتد في مباراة أخرى انتهت بثلاثة أهداف لهدفين، وفي الموسم التالي تكرر نمط مشابه، إذ قبل السيتي نصف أهداف الموسم الإجمالية خلال شهر واحد فقط! (4)

 

في تحليله للأمر يقول دانييل ستوري، أحد أهم محللي "Four Four Two"، إن القصة ليست متعلقة بعدد الأهداف التي يقبلها سيتي غوارديولا كل موسم، ولا حتى عدد الأهداف المتوقعة التي تميل لصالحه، بل في الفارق بين رد فعل السيتي وليفربول عند تلقي الهدف الأول بدلا من تسجيله.

على سبيل المثال، في هذا الموسم كان معدل النقاط التي حصل عليها ليفربول من المباريات التي شهدت تأخره في النتيجة هو 1.8 نقطة/المباراة، بينما حصد مانشستر سيتي أقل من نصف هذا الرقم في آخر 12 مباراة شهدت قبولهم للهدف الأول. (4)

 

مانشستر سيتي فاز في آخر 13 مباراة تقدم فيها في النتيجة، وسجّل خلالها 42 هدفا وقَبِل 3 فقط، بينما فاز بـ 3 فقط من آخر 13 مباراة شهدت تأخُّره في النتيجة، والأمر لا يتوقف عند هذا الحد، بل إن سيتي غوارديولا يميل للدخول في دوامة من الأخطاء بمجرد قبوله للهدف الأول، فعلى سبيل المثال لا الحصر، قَبِل السيتي هدفا ثانيا خلال 10 دقائق فقط من قبوله الهدف الأول أمام كلٍّ من مانشستر يونايتد وليفربول وتوتنهام ونورويتش والوولفز هذا الموسم؛ الفصام في أوضح صوره. (5)

 

إن لم تكن قد لاحظت فإن الفقرة الماضية قد تجيبك عن أحد أهم وأشهر الأسئلة فيما يتعلق بغوارديولا منذ خروجه من كتالونيا؛ لماذا لا يفوز غوارديولا بدوري الأبطال؟ والإجابة تكمن في عدة أسباب مهمة، ولكن أحد أهم هذه الأسباب هو فشل لاعبيه في التأقلم مع الوضع حينما لا تسير الأمور طبقا للخطة الموضوعة قبل المباراة، وميلهم لقبول المزيد من الأهداف بمجرد اهتزاز حالتهم الذهنية.

الصدمة سلاح ذو حدين فيما يبدو، والمشكلة هنا ليست في غوارديولا ذاته، برغم أن تغييراته أحيانا تساهم في تدهور حالة فريقه، ولكن المشكلة الرئيسية تكمن في تعامل اللاعبين مع التغيرات، فالحقيقة أن مانشستر سيتي يستمر في صناعة الفرص الخطيرة حتى بعد قبوله الهدف الأول، ولكنه غالبا ما يفشل في استثمارها، غالبا ما تهتز ثقة لاعبيه في أنفسهم وتحديدا أمام المرمى، غالبا ما يهدرون ركلات الجزاء. لم نسمع عن مدرب آخر خرج من دوري الأبطال في 3 مناسبات مختلفة قام فيها أفضل مسدديه بإهدار ركلة جزاء مهمة؛ ميسي في 2012، ومولر في 2016، وأغويرو في 2019.

 

يجب علينا أن نعترف لك بأمر ما هنا؛ لو كان كل ما سبق يقتصر على بضع حوادث استثنائية هنا وهناك لما أعرناها انتباها، ولكن الحقيقة أن تكرار هذه الخواص مع فِرَق غوارديولا ومانشستر سيتي تحديدا يدفعنا للشك.

 

هل المشكلة في غوارديولا نفسه؟ من الممكن أن يفوز بالدوري الفريق الأكثر فاعلية على المرمى حتى ولو لم يصنع عدد الفرص الأكبر. هذا وارد في موسم كل بضعة مواسم، ولكن هل من الممكن أن يتكرر الأمر مرتين في 4 مواسم للمدرب ذاته مع الفريق ذاته؟ عذرا، نسينا أن نخبرك أن فريق غوارديولا كان الأكثر إهدارا للفرص المحققة للتسجيل في 2016-2017 كذلك، ونسينا أن نخبرك أيضا أن كلاوديو برافو، والذي كان أحد أفضل 3 حُرّاس في العالم قبيل انضمامه للسيتي، كان يمتلك ثاني أسوأ سجل في 2016-2017 من حيث التصدي لتسديدات الخصوم الخطيرة.

 

هذا النمط الرقمي المتكرر لا بد أن يُثير جنون المحللين الإحصائيين، ربما لذلك تقبع الإجابة خارج مجال الإحصائيات ومساحتها التحليلية، ببساطة لأن النمط الرقمي المتكرر لا بد أن يُعبِّر عن نمط نفسي وذهني متكرر، خاصة لو كان على هذه الدرجة من الغرابة.

 

فريق كرة القدم المثالي ليس أكثر من مجرد سراب، ربما نحتاج إلى تذكيرك بذلك بعد ما فعله غوارديولا في إنجلترا خلال آخر موسمين، وربما نجح غوارديولا في الوصول إلى هذا السراب على المستوى المحلي، ربما شعر الجميع بعد الموسمين الماضيين أن سيتي بيب أصبح لا يُقهر، وهذا هو بالضبط ما تسبّب في تراجعه بهذا الشكل المروع خلال الموسم الحالي.

إن كان لنا أن نلخص سنوات بيب الأخيرة في كرة القدم، فمن الممكن تشبيهها بتجربة الدنو من الموت N.D.E.، والتي يحكي عنها أناس توقفت وظائف جسدهم عن العمل كليا، وماتوا إكلينيكيا، ثم عادوا للحياة ليقصوا على الناس ما مروا به. غوارديولا اقترب من الكمال بطريقة ما، جلب ما يريده من اللاعبين، وبطريقة ما جعلهم أفضل مما كانوا عليه، وبلغ بهم مستويات قياسية من السيطرة والاكتساح، ثم اكتشف فجأة أن ما يسعى له لا يأتي مجانا، بل إن تكلفته باهظة للغاية، وقد تأتي بنتائج عكسية في بعض الأحيان، وفي لحظات سخيفة للغاية غالبا ما يكون ثمنها خسارة بطولة كاملة لا مجرد مباراة.

 

طبعا لن يعود غوارديولا ليحكي لباقي المدربين عن وهم الكمال الذي سعى له ولم يبلغه، بل سيستمر على النهج ذاته غالبا لأنه لم يعد يملك خيارا آخر، وهذا سيعني أننا سنرى العديد من اللحظات العبقرية، وقدرا أقل من لحظات الخذلان بالغة القوة كرد فعل مضاد، لحظات انهيار على مستوى ذهنية الفريق ونفسيته وشخصيته، لأنه يبدو أن غوارديولا، وأثناء بحثه عن شخصيته الجديدة عقب تجربة برشلونة، لم يجد حلا سوى محو شخصية لاعبيه.

_______________________________________

المصادر

  1.  إحصائيات البريميرليغ – FBREF
  2. كيف يتم حساب الأهداف المتوقعة؟ – غول
  3. كيف جعل غوارديولا مانشستر سيتي أفضل من موسم 2017-2018؟ – مانشستر إيفننغ نيوز
  4. حكاية متناقضين.. قبول الأهداف أولا يدخل سيتي غوارديولا في دوامة – سبورت أوبتوس
  5. لا أحد يركز على أهم إحصائية في أداء مانشستر سيتي الآن – فور فور تو

حول هذه القصة

كل مرة نأتي إلى هنا لنقول لك إن الوضع ميئوس منه، ثم يحدث شيء ما يخبر الجميع أن أمر أرسنال لم يُحسم بعد، وأن العودة، رغم صعوبتها الشديدة، ليست مستحيلة تماما. هذه المرة كان ما حدث هو ميكيل أرتيتا.

نعتذر عن الحديث عن برشلونة في هذا التقرير لسبب بسيط جدًا، هو أنك لو لم تكن قد اقتنعت بـ 69304500 تقرير سابق يحذر من توجه برشلونة نحو كارثة غير مسبوقة بإصرار وعناد غريبين، فبالطبع لن تقتنع الآن.

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة