برشلونة وبايرن ميونيخ.. ما فعله الألمان بالميت

أهلًا بك. نعتذر عن التأخير أولًا ولكننا نعتقد أنه مبرر. أنت تعلم ما يحدث عقب هذه المباريات؛ انطباعات عاطفية شديدة التطرف وآراء انفعالية وهيستيريا عامة تعزّ فيها محاولات الفهم، لذا يبدو الخيار الأفضل أحيانًا هو الانتظار ثم مشاهدة المباراة مرة أخرى. بالمناسبة، غالبًا ما يكون لذلك مفعول السحر. لن تصدق كم الآراء والانطباعات التي ستغيرها عند مشاهدة أي مباراة مرة ثانية بعد أن تزيل انفعالات المشجع من المعادلة، وهذا ينطبق عليك، سواء كنت مشجعًا لبرشلونة أو حتى لبايرن ميونيخ.

 

الأمر الثاني هو أننا نعتذر كذلك عن الحديث عن برشلونة في هذا التقرير لسبب بسيط جدًا، هو أنك لو لم تكن قد اقتنعت بـ69304500 تقرير سابق يحذر من توجه برشلونة نحو كارثة غير مسبوقة بإصرار وعناد غريبين، فبالطبع لن تقتنع الآن. ربما تشعر  في هذه اللحظة بأنك أكثر استعدادًا للاقتناع من ذي قبل، ولكن صدِّقنا، هذا شعور مؤقت وغير حقيقي، هذا أثر النتيجة فقط لا غير، ونعدك بأنه سيزول إذا فاز برشلونة في الكلاسيكو القادم، أو إذا عاد نيمار، أو إذا تعاقد بارتوميو مع كيفين دي بروينه لِيَخلُف جيرار بيكيه في الدفاع، أو جلب أليسون ليجاور سواريز في الهجوم، أو عندما يقرر تدريب الفريق بنفسه بدلًا من استخدام نادٍ كامل كواجهة، بل وربما يُجلس سواريز على الدكة في سابقة تاريخية ويلعب مكانه ويسجل هدفًا في ريال مدريد ثم يبيع نفسه إلى الصين بربح مقبول. (1) (2) (3)

 

الاحتمال الثاني بالطبع هو أن تكون قد قرأت الـ69304500 تقرير السابقة، ومن ثَم فأنت تعلم أننا لا نملك جديدًا في هذا الموضوع، فقط سنربت على كتفك في أسى ثم سنعود بعد 5-10 سنوات لنرى إن كان برشلونة لا يزال أنقاضًا أم طرأ طارئ. (4) (5) (6)

ليونيل ميسي

عذرًا، أمر آخر شديد الأهمية؛ نحن نحترم غضبك وحزنك، ولكن رجاءً، لا تكرر الخطأ المعتاد بمقارنة برشلونة بأندية مثل ميلان وأرسنال للتدليل على انحداره؛ فهذه الأندية لم تمتلك مليار يورو لتنفقها في 6 مواسم، ولو كانت تمتلكها لما كان هذا حالها. في الواقع، كان هذا هو أهم سبب لانحدارها بهذا الشكل، لذا؛ فالنظرة الفوقية التي ينظر بها مشجعو برشلونة لهذه الأندية ليست مبررة إطلاقًا. (7)

 

ما حدث لميلان وأرسنال وغيرهما هو قصة حزينة تتضمن مالكًا أرعن وظروفًا اقتصادية بالغة التعقيد، وهذا يختلف نوعًا عن انتخاب مجلس إدارة يرأسه نائب سابق للص ومُزور مُدان كان يقضي عقوبته حتى وقت قريب، ليقود النادي والفريق إلى أكثر الإهانات كُلفة في تاريخ الرياضة عمومًا. لم نسمع من قبل عن أي كيان رياضي أنفق مليار يورو ليُهزم بالأربعة والخمسة والثمانية. صدقنا، أي حسبة موضوعية ستخبرك أن ميلان وأرسنال أفضل حالًا وأقرب للمنطق بكثير. كرونكي وبيرلسكوني أنفسهما كانا ليموتا خجلًا لو فعَلَا ما فعله بارتوميو. (8) (9)

 

الزمن هو الثالث من نوفمبر 2019، والبطل هو هانز ديتر فليك، والحدث هو قرار واعٍ بإعادة تجهيز مولر كلاعب أساسي للفريق بعد بضع سنوات في التيه منذ رحيل غوارديولا عن الفريق. بضع سنوات لم ينجح بها في إقناع أنشيلوتي أو كوفاتش بإمكانياته أو ملاءمته لأساليب لعبهم المختلفة، ببساطة لأنه أبطأ من أي جناح، وأقل مهارة من أي صانع لعب.

منذ اللحظة الأولى بدا فليك متأكدًا مما يحتاجه، نحن نتحدث عن رجل لا يختلف كثيرًا عن رانغنيك، ويمتلك مسيرة شديدة التنوع شغل فيها كل المناصب التي يمكن أن يشغلها أي عامل بمجال كرة القدم، ومن اللحظة الأولى نجح في استمالة جميع عناصر النادي، بداية برومينيغه ومرورًا بحميديتش وانتهاءً باللاعبين، ببساطة لأنه كان رئيسًا ناجحًا في هوفنهايم، ومديرًا رياضيًا ناجحًا للاتحاد الألماني، ومساعد مدرب ناجحًا في سالزبورغ والمنتخب الألماني، ولاعبًا جيدًا في بايرن نفسه. (10) (11)

 

مبدئيًا، نحن بحاجة لإخبارك عن وضعية بايرن ميونيخ قبل تولي فليك المسئولية، وتحديدًا وضعية دفاعه الذي كان يقبل الأهداف بمعدل هدف واحد في المباراة تقريبًا، وهو رقم قياسي لآخر 11 موسمًا، بالإضافة لخسارة جهود كل من روبن وريبيري قبل بداية الموسم، وأزمة الوسط الواضحة التي لم يحلها انضمام أسماء مثل توليسو وغورتزكا رغم إمكانياتهم وجودة عروضهم في كثير من الأحيان. (12)

من نحن؟ وما الذي نريد أن نفعله؟ كانت تلك هي الأسئلة الأولى المنطقية لفليك مع إصابات طويلة متكررة لأمثال لوكاس هيرنانديز وكينغسلي كومان. بايرن هش ويسهل اختراقه من العمق مباشرة بلا حاجة لجمل مركبة أو لعبات معقدة، أولًا لأن دفاعه بطيء في غياب هيرنانديز، وثانيًا لأنه لا يمتلك قاطع كرات أو مدمر هجمات حقيقيًّا، وثالثًا والأهم؛ لأنه لا يضغط من الأمام بما يكفي.

 

الإجابة الأولى أتت بالصدفة، وأتت من مكمن المشكلة الأولى نفسه؛ لأن إصابة هيرنانديز أجبرت كوفاتش على تجربة ديفيز في الظهير الأيسر، وإصابة زوله أجبرته على تحريك ألابا لقلب الدفاع، وعند تلك اللحظة بدأ فليك في البناء على ما سبق؛ ببساطة لأن الإصابات، وعلى الرغم من تأثيرها، وضعته على طريق الحل، وكما قال أحد الحكماء قديمًا: كل مشكلة هي فرصة جديدة لشيء أفضل.

 

لا عبارة تلخص تدرج أفكار فليك التكتيكية مثل تلك العبارة؛ لأن التغييرات التي أحدثها في الفريق يمكن النظر لها على أنها مجموعة من المشكلات التي كانت كل منها فرصة للوصول لنتيجة أفضل، في البداية منحته الإصابات ثنائيًّا دفاعيًّا خارق السرعة في ألابا وديفيز، ولكن الأخير جناح في الأصل، وتحجيم انطلاقاته ومهاراته في مركز الظهير سيكون خسارة كبرى.

هناك مشكلة مشابهة على الجانب الآخر؛ كانت موهبة جوشوا كيميتش -ثاني أذكى لاعبي بايرن- تُهدر بانتظام كل أسبوع في مركز الظهير الأيمن. إذن لماذا لا نضع بافار مكانه ونعيد كيميتش إلى وسط الملعب؟ هذا مثال رائع على الخسائر التي تتحول إلى مكاسب ببعض التخطيط الجيد وحسن الإدارة، بافار يمكنه اللعب كقلب دفاع إذا تطلب الأمر، وهذا يمنح فليك الفرصة لإمالة خط دفاعه جهة اليسار وتحرير ديفيز للانطلاق كجناح خط حقيقي، أي المشكلة التي بدأت منها هذه المتوالية أساسًا، ناهيك بحزمة من المكاسب ستتحقق بمجرد عودة كيميتش للوسط رفقة تياغو. (13)

 

في الواقع، هذه واحدة من عدة طرق يبني بها بايرن فليك اللعب من الخلف في مواجهة الضغط، وهي تحريك خطوط الضغط الرأسية وإجبار الخصم على إمالة ملعبه لتفريغ المساحة لانطلاق ديفيز على الطرف. على سبيل المثال يقترب من بواتنغ الظهير الأيمن (بافار عادة) والجناح الأيمن (غنابري عادة) ولاعب الارتكاز الأيمن (غورتزكا أو كيميتش)، وبعد عدة تمريرات على هذا الجانب تجتذب الخصم للضغط على الثلاثي وتستدرج خطوطه للأمام، تنعكس الكرة سريعًا إلى ديفيز الذي كان ملتزمًا بالخط خلال هذه الثواني، وعندها يجد أمامه مساحة كافية للانطلاق بسرعته ووضع الخصم في حالة الطوارئ المتوقعة، الحالة التي تشهد تفكك خطوطه ويسهل فيها التلاعب به عن طريق رد الكرة للعمق مرة أخرى أو استكمال المشوار حتى النهاية قبل أن تخرج العرضية السامة التي ستجد 4 لاعبين على الأقل في انتظارها، أو قبل أن تخرج التمريرة القصيرة التي ستبدأ لعبة ثنائية مع الجناح تمنحه الفرصة لمزيد من التوغل في عمق مناطق الخصم. تم تحويل المشكلة الأولى إلى أفضلية واضحة، واستبدل فليك بطء دفاع البايرن بكابوس من السرعة على خصومه.

كيف يحرك بايرن خطوط ضغط برشلونة الرأسية لتفريغ المساحة لانطلاقات ديفيز على اليسار؟ (مواقع التواصل)

 

المشكلة الثانية كان حلها في المشكلة الثالثة؛ ببساطة لأنه إن كان بايرن ميونيخ لا يملك قاطع كرات حقيقيًّا متفرغًا لهذا الدور مثل كانتي أو كازيميرو، فليست هذه مشكلة كبيرة لو كنت تضغط بشكل منظم كوحدة واحدة، وهذا الضغط هو مزية أخرى أتت مما بدا كمشكلة ضخمة في بداية الموسم، إذ لا يمكنك تخيل بايرن يضغط بذات الشراسة بخط هجوم يحتوي على روبن أو ريبيري أو كليهما. (12)

 

التفصيلة المهمة هنا أن الضغط يولد الانفجار والكرات الطولية، وثنائي المحور (كيميتش وتياغو) ليس مؤهلًا بدنيًّا للتعامل مع الأخيرة، وهذا يعني أن ضغط البافاري يجب أن يوجه لعب الخصوم إلى الأطراف، ثم يستغل الخط كمدافع إضافي لافتكاك الكرة هناك، وتلك الفكرة تكررت أكثر من مرة ضد برشلونة وغيره. المهم أن يبقى عمق بايرن مكدسًا طيلة الوقت ليقطع الطريق على محاولات اختراقه على الأرض وفي الهواء، وهو ما يوفره الرسم الخططي لـ4-2-3-1 بداهة. (14)

 

هذا التكدس يسمح بعكس الوضعية مع الخصم كذلك، أي يسهّل محاولات اختراقه من العمق، وهنا تتكرر جملة أخرى نمطية هدفها تمرير الكرة إلى أذكى لاعبي بايرن على الإطلاق: توماس مولر، الرجل الذي لا يملك أي سرعة أو مهارة ملحوظة، ولا قدرات تهديفية خارقة، ولكن يملك مزية واحدة تتوهج بشدة في أي أسلوب لعب منظم وتفشل كل دفاعات العالم في التعامل معها: مولر يشاهد المباراة من عين الصقر، ويحدث ذلك وهو هادئ تمامًا كأنه يشاهدها بعد نهايتها بساعتين بعد أن أخرج انفعالات المشجع من المعادلة.

 

في مباراة برشلونة تحديدًا، ومع الضغط المضحك (عذرًا لم نجد وصفًا آخر) الذي كان يطبقه الكتلان أحيانًا، كان ميسي وسواريز يكتفون بالوقوف بين خط دفاع بايرن وثنائي المحور دون تأثير حقيقي على عملية نقل الكرة، ضغط بلا هدف كما يقول الكوميك الشهير على لسان الراحل طلعت زكريا. في الواقع هو ليس ضغطًا من الأساس، بل مجرد تواجد فيزيائي لا معنى له، ولو كنا نلعب كرة اليد أو السلة لأخرج سيتين مهاجميه كلما بدأ بايرن هجماته من الخلف.

لويس سواريز

المهم أن هذا سمح لألابا وبواتنغ بتبادل الكرة مع ثنائي المحور غورتزكا وتياغو، وهبوط الثنائي يجتذب دي يونغ وروبرتو للتقدم خلفهما في محاولة لحماية عمق برشلونة من تدرج الكرة، وهذا يعني أنه صارت هناك مساحة كافية لتوماس مولر ليتحرك بين الخطوط ويغافل بوسكيتس الذي كان يؤدي أسوأ مباراة في تاريخه بالفعل.

 

تخرج الأرضية المباشرة إلى مولر في مشهد مضحك آخر، بايرن يمكنه المخاطرة بلعب كرة طويلة في العمق حتى لو كان الوقت الذي تستغرقه في الوصول لمولر كافيًا ليخرج لونغليه للضغط عليه، ببساطة لأن مولر لا ينوي الاحتفاظ بالكرة ومراوغة لونغليه أو غيره لا سمح الله، بل لأنه قام مسبقًا بمسح الملعب 5938749827 مرة، ويعلم بالضبط أين يتموقع زملائه، وكل ما يحتاجه هو لمسة واحدة ليعكس الكرة لأحدهم خلف خط دفاع سيتيين، كما حدث في مشهد الهدف الثالث وعدة لقطات تكررت قبله وكأن فليك كان يحذر لاعبي برشلونة ومدربهم قبل أن يحولهم لأضحوكة. نتحداك أن تجد هدفًا أسهل من الثالث تقبله أي فريق من الثمانية التي كانت طرفًا في هذا الدور من البطولة.

كيف يضرب بايرن خطوط ضغط برشلونة بأسهل الطرق مباشرة؟ – (مواقع التواصل)

إن لم تجده، ولن تجده، فسنذكرك أن هذا اللاعب سجل 21 تمريرة حاسمة في البوندزليغا فقط وهو لم يكن أساسيًا حتى نوفمبر، ورغم ذلك قرر برشلونة أن يمنحه هذه الدرجة من الحرية لسبب أو لآخر. في تحليل لقناة Tifo Football  عُرضت لمولر بضع إحصائيات أخرى مرعبة على مقياس الأهداف المتوقعة، تفيد بصناعته 43 فرصة للتسديد هذا الموسم في البوندزليغا بفارق 16 فرصة عن تاليه سيرج غنابري، وأن متواليات اللعب التي يبدأها تنتج ما يوازي 5.78 هدفًا متوقعًا في المباراة الواحدة بفارق هدف كامل عن تاليه في بايرن جوشوا كيميتش. نكرر: 5.78 هدفًا متوقعًا في المباراة الواحدة، وهذا كله حتى التوقف وليس في كامل الموسم. بعبارة أخرى، فليك وضع منظومة تحول مولر إلى ميسي عمليًّا، بمزية إضافية عن الأرجنتيني وهي أن الخصوم نادرًا ما يقدرونه حق قدره. (12)

 

كل ما سبق يقودنا للأرضية التي تقف عليها تلك المنظومة برمتها، روح مخاطرة عالية للغاية، قد يصفها البعض بالانتحارية، ببساطة لأنه رغم ثقل النتيجة وكارثية تفاصيلها، كان من السهل أن يجد فليك نفسه متأخرًا بثلاثة أهداف على الأقل في أول ربع ساعة بسبب سهولة مهاجمة المساحات خلف ظهيريه. مخاطرة فيها شيء من الوجاهة؛ لأن إرسال الخصم لكرات طولية على الأطراف أقل خطورة من إرسالها في العمق مباشرة، ولكن حتى لاعب ببطء سواريز كان قاب قوسين أو أدنى من التسجيل مرتين من عرضيات أتت بعد طولية مباشرة على الطرف لكل من سيميدو وروبرتو وألبا، وهذه الطوليات كانت غالبًا ما تأتي بعد محاولة لاستدراج لاعبي بايرن للتقدم كذلك، ربما تكون اللقطة التكتيكية الوحيدة الناجحة لبرشلونة في المباراة.

 

من هنا يمكننا أن طرح ألف سؤال: لماذا لم يبدأ غريزمان أو فاتي على حساب سواريز؟ هل كان فليك ليخاطر بنفس درجة الضغط لو كان أحدهم موجودًا؟ ألم يكن ليقلق من قدرته على استغلال أي كرة طولية متقنة في التسجيل؟ هل كان سيتيين يملك القرار أصلًا أم أن مشاركة سواريز في المباريات الكبيرة مفروغ منها؟ لماذا يلعب فيدال؟ هل هو صديق ميسي أيضًا؟

"كيكي سيتين" مدرب برشلونة

بالطبع لن نحاول الإجابة على كل ذلك، لن نهين ذكاءك باختصار مشكلات متراكمة منذ سنوات في مباراة واحدة مهما كانت نتيجتها، ولكن يمكننا أن نخبرك أن فليك لم يكن ليغير أسلوب لعبه غالبًا. نحن لا نعلم إن كان ذلك أمرًا إيجابيًّا أم سلبيًّا، ولكن فيما يبدو أن فليك قرر العودة لمبادئ اللعبة الأساسية، وهي أنه يحتاج للتسجيل أكثر من الخصم ليفوز، ومن ثم كان مستعدًّا لمواجهة برشلونة في مباراة أشبه بكرة اليد، غير مكترث بالدلالات الخطيرة التي تحملها تهديدات برشلونة لمرماه بكثافة في ربع الساعة الأول، ربما لأنه واثق بطريقة ما أن فريقه سينجح في تسجيل أكثر منها في كل مرة يخرج لنصف ملعبهم.

 

لعبة خطيرة للغاية ولكنها فعالة للغاية كذلك، على الأقل حتى اللحظة، وهذه الروح المغامرة تظهر في طريقة بناء هجمات بايرن في الثلث الأخير كذلك، ودعنا نضرب لك عدة أمثلة:

 

عند مواجهة أي خصم متأخر، يحرص المدربون على إبقاء الكرة على الأرض قدر الإمكان. الكرات الأرضية أسهل في التمرير والاستلام والتمهيد، وهناك فرصة لا بأس بها أن تُلعب من لمسة واحدة لتسريع الإيقاع، على عكس الكرات العالية التي تعد فرصة ذهبية للضغط؛ إذ تتطلب عدة لمسات من المتلقي لتمهيدها، ويصعب توجيهها أو التحكم فيها، والأهم؛ هي أبطأ من غيرها.

 

هذه الجزئية تحديدًا هي أكثر ما يلفت النظر في بايرن فليك؛ أنه يقف على الشعرة بين الجرأة والحماقة. نحن لا نتحدث عن كرات طولية مرسلة من الخلف للأمام على حدود منطقة جزاء الخصم مثلًا، بل محاولات مستمرة لتجاوز التكتلات بكرات قصيرة عالية، وفي مواقع خطيرة للغاية مثل المنطقة 14 خارج حدود صندوق الخصم، مناطق غالبًا ما تشهد كثافة عددية ويسهل فيها افتكاك الكرة وإطلاق مرتدة سريعة، ولكن يظهر مولر مجددًا كمحرك أساسي ورئيس لهذه العملية.

فريق بايرن ميونخ

مولر يمنح فليك مزية خارقة اسمها Combination Play أو اللعب المركب من لمسة واحدة بين عدد من اللاعبين، لقطة الكرة الأرضية الطويلة التي تحدثنا عنها منذ قليل هي أحد الأمثلة، والمثال الثاني هو الكرات القصيرة العالية التي يتلقاها على حدود منطقة الجزاء، والتي يتم تفريغها بعد أن يندفع ثلاثي الهجوم في العمق مصطحبين دفاع برشلونة بالكامل لمنطقة الياردات الست.

 

مولر يتلقى هذه القنابل الموقوتة بلمسة واحدة محددة مسبقًا، وهو ما ينزع فتيلها ويجعل تعقبها مستحيلًا على رقيبه، وهو ما حدث في لقطة الهدف الأول مثلًا من عرضية ديفيز وعدة مرات متكررة من تياغو في العمق؛ كرة قصيرة عالية يتم تمهيدها سريعًا للاعب آخر هارب من الرقابة في لعبة متفق عليها، والنتيجة هي استحالة استخلاص الكرة، إلا لو كان دفاع برشلونة قد حضر تدريبات بايرن ميونيخ!

 

فكر في كل الفرق القوية المنظمة التي واجهت تكتلات دفاعية شديدة الإحكام عند لحظة ما، وسيصعب عليك أن تجد لديها الجرأة لتنفيذ جمل كهذه والكرة في الهواء، برسا بيب؛ دورتموند كلوب؛ ليفربول كلوب؛ ريال مورينيو؛ سيتي بيب؛ أياكس تين هاخ؛ وفنتوس ألليغري، الجميع يصمم على إبقاء الكرة على الأرض في الثلث الأخير لأن هذا يمنحهم درجة أكبر من التحكم وقدرة أكبر على توقع الأخطاء ومعالجتها. القاعدة هي أن الكرة لا يجب أن ترتفع في الثلث الأخير إلا لهدف واحد؛ تمرير عرضية تؤدي إلى تسديدة مباشرة على المرمى، وحتى هذه تنتج بعض المرتدات الخطيرة أحيانًا بسبب نجاح المدافعين في تشتيتها، فما بالك بفريق لا يجد حرجًا في رفع الكرة على رؤوس وأقدام لاعبيه عدة مرات على حدود منطقة جزاء الخصم وكأنهم في حصة تدريبية؟! مخاطرة ضخمة للغاية ولكنها تؤتي ثمارها فيما يبدو.

 

يبدو أننا سنضطر للحديث عن برشلونة رغم كل شيء، لأن قدر المخاطرة التي يلعب بها فليك، والتي وصفها ستوديو BT Sport بالانتحار، تحمل -في الوقت ذاته- إهانة مستحقة للغاية لفريق برشلونة الحالي، وبالطبع تحمل مفارقة ساخرة قاسية للغاية من تصريحات فيدال قبل المباراة عن كون بايرن لن يواجه فريقًا في الدوري الألماني الضعيف، بل برشلونة (أقوى فريق في العالم). لو يعلم الناس قيمة الصمت في هذه المواقف لما تحدثوا أبدًا. (15)

 

في الواقع فإن أحد المغردين على تويتر لاحظ الأمر نفسه وعلق قائلًا إن بايرن يواجه برشلونة وكأنه أوغسبورغ، ليرد حساب أوغسبورغ الرسمي مؤكدًا أنه قبل 8 أهداف من بايرن فعلًا، ولكن في آخر 4 مباريات بينهم لا مباراة واحدة، وفي المقابل نجح في تسجيل 5 أهداف في مرمى نوير. قلنا لك في البداية ألا تخطئ بجرّ ميلان وأرسنال للمستنقع ذاته الذي يرقد فيه برشلونة الآن، من فضلك افتح القوس وأضف أوغسبورغ.

المضحك أن أسوأ هزيمة أوروبية لبرشلونة في تاريخه هي في الواقع ليست أسوأ ما في الأمر، كانت لتصبح كذلك لو أنها هزيمة مفاجئة عابرة في ظروف خاصة، ولكنها ليست كذلك مع الأسف. أسوأ ما في الأمر أن بارتوميو لم يسرق حاضر برشلونة وحسب بل سرق مستقبله كذلك، وحتى بعد رحيله في 2021، إن رحل أصلًا، وحتى بعد قدوم مدرب جديد لنفترض مجازًا أنه سيكون أفضل مدرب في تاريخ اللعبة، فإنه سيجد يديه مكبلتين، ولو قرر تسريح نصف الفريق أو بيعه فلن يكسب شيئًا سوى توفير رواتبهم الضخمة، وسيضطر لإعادة بناء هذا النادي في ظروف شديدة القسوة والتقشف أشبه بما حدث في 2003 وربما أسوأ، وهذا كله قد يعني مزيدًا من الهزائم المذلة، أو ربما يعني عدم التأهل للبطولة من الأساس والاكتفاء بالإهانات المحلية.

 

3 لاعبين فقط، هم: ديمبيليه؛ وغريزمان؛ وكوتينيو، كلفوا برشلونة أكثر من 400 مليون يورو، ولا يوجد عاقل واحد في العالم كله يتوقع أن يجلب بيعهم الآن أكثر من 150 مليون يورو، ناهيك بالعجز المتوقع في صفوف الفريق بعد التخلي عن أمثال سواريز وراكيتيتش وفيدال وباقي الحرس القديم، وحتى لو قررت إبقاء بعضهم على الدكة فلا هذا ولا ذاك سيوفر السيولة الكافية لجلب بدلاء حتى متوسطي المستوى. دمار وانهيار شامل وتام وكامل لا وسيلة للتعافي منه فيما يبدو.

 

برشلونة وصل للقاع فعلًا كما قال بيكيه، وكلما مرت الأيام بعد المباراة اكتشفنا أن قاع برشلونة ليس له قاع. بالأمس خرجت الصحف الموالية لبارتوميو، مثل: الموندو والسبورت، تبشر بمارويسيو بوتشيتينو، ثم خرجت اليوم تؤكد أن اللاعبين معترضون على تعيينه، وأي متابع للصحيفتين يدرك تمامًا أنها مجرد لعبة صحفية لإلقاء اللوم على اللاعبين بدلًا من مواجهة الجماهير بالحقيقة؛ بارتوميو لا يريد بوتشيتينو لأنه سيطلب تحكمًا كاملًا في كل ما يخص كرة القدم في النادي، وستكون طلباته مبررة ومنطقية وستلقى قبولًا لدى الجماهير، ومن ثم فالحل الوحيد هو توريط اللاعبين في الأمر كما حدث مئة مرة من قبل. لاعبو برشلونة ارتكبوا العديد من الكوارث، وعلى رأسهم ميسي، ولكن رفض بوتشيتينو أو غيره ليس من ضمنها، على الأقل في ظروف كتلك.

المفارقة الأقسى على الإطلاق أن الحل الوحيد المتبقي لإدارة برشلونة الآن لمواجهة المستقبل هو الاعتماد على أكاديمية النادي، ببساطة لأنها الجهة الوحيدة التي تكفل الحل للمشكلات الرئيسية الثلاث: خفض معدل أعمار الفريق، والارتفاع بمستواه البدني، وملء الفراغ العددي الضخم الذي سيتركه الراحلون دون تكاليف ضخمة لا تتحملها ميزانية النادي الحالية.

 

هي المفارقة الأقسى لأن هذا هو الشيء ذاته الذي كان برشلونة يفعله بانتظام قبل أن تتملك إدارته وأعضاءه هذه النزوة اللعينة منذ 2012، وهو الشيء ذاته الذي نادى به الكثيرون وهم يشاهدون أكاديمية النادي تنهار لاعبًا تلو الآخر، وتفقد أفضل مواهبها في تيه الإعارات ولصالح صفوف المنافسين.

 

في الحقيقة، النكتة القائلة بأن برشلونة لم يكن ليصل إلى هذا الوضع لو كان فلورنتينو بيريز هو رئيسه هي حقيقة للغاية، حتى ألد أعداء برشلونة لم يكن لينجح في نسفه بهذا الشكل، وهذا كله يحول السبع سنوات الماضية من حياة برشلونة إلى حكاية عبثية لا معنى لها؛ فليس هناك حكمة ما يمكن استخلاصها، ولا محاولة جادة للتطور كان عيبها سوء التنفيذ مثلًا، ولا دروس مستفادة ولا خلاصات من أي نوع، ليست حتى قصة عاطفية تراجيدية، بل مجرد نوبة هيستيرية من التدمير الذاتي لاقت نهايتها المستحقة.

________________________________

المصادر

  1. غالاكتيكوس برشلونة الجديد..ما لا تخبرك به الصحف – ميدان
  2. كوتينيو وليفربول وبرشلونة..من يضحك أخيرًا – ميدان
  3. حصاد الموسم..أسئلة فالفيردي المحرمة – ميدان
  4. إنتر وبرشلونة..تسديدة ثمنها 160 مليون يورو – ميدان
  5. ميسي يجدد لفالفيردي..من يقود عربة الكبدة؟ – ميدان
  6. أنطوان غريزمان..المهاجم الذي يحتاج إلى مهاجم – ميدان
  7. انهيار أرسنال..كيف وصلنا إلى هنا؟ – ذا فوتبول نيتوورك
  8. سقوط ميلان من المجد قد يكون أكبر قصة كروية في العقد الأخير – دريم تيم
  9. سقوط عمالقة أوروبا..ميلان – آرت دي فوتبول
  10. هانزي فليك..10 أمور يجب أن تعرفها عن مدرب بايرن ميونيخ – موقع البوندزليغا الرسمي
  11. رالف رانغنيك..عملاق الكرة الألمانية الذي لا يحبه أحد – ميدان
  12. كيف يلعب بايرن ميونيخ في 2020؟ – تيفو فوتبول
  13. كيف تحسن دفاع بايرن ميونيخ إلى هذه الدرجة في 2020 – حساب البوندزليجا الرسمي
  14. تحليل تكتيكي: كيف تفوق بايرن على برشلونة بهذه النتيجة؟ – فوتبول ميد سيمبل
  15. فيدال يحذر بايرن ميونيخ:"لن تواجهوا فريقًا من البوندزليغا بل برشلونة..أقوى فريق في العالم!" – ESPN

حول هذه القصة

عندما تتعاقد مع رانغنيك فأنت لا تتعاقد مع مدرب أو مدير رياضي، بل كيان كامل وشبكة علاقات واسعة أقرب لنادٍ مستقل متحرك. نتحدث عن رجل أخرج جيلا جديدا من المدربين واللاعبين يشقون طريقهم رويدا نحو القمة.

كل مرة نأتي إلى هنا لنقول لك إن الوضع ميئوس منه، ثم يحدث شيء ما يخبر الجميع أن أمر أرسنال لم يُحسم بعد، وأن العودة، رغم صعوبتها الشديدة، ليست مستحيلة تماما. هذه المرة كان ما حدث هو ميكيل أرتيتا.

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة