أرتيتا وأرسنال.. قبل أن تستحيل العودة!

حقيقة، لا نعلم لماذا نحدثك عن أرسنال مرة أخرى! كل مرة نأتي إلى هنا لنقول لك إن الوضع ميئوس منه ولا فائدة من إخبارك بما أخبرناك به من قبل، ثم يحدث شيء ما يخبر الجميع أن أمر أرسنال لم يُحسم بعد، وأن العودة، رغم صعوبتها الشديدة، ليست مستحيلة تماما.

هذه المرة كان ما حدث هو ميكيل أرتيتا.

 

إحدى أهم مزايا استئناف البريميرليغ بهذا الجدول المزدحم عقب التوقف كانت حصول الجميع على فرص دائمة لتصحيح أخطائهم كما يقول دانييل ستوري في تحليل طويل لأرسنال أرتيتا. (1)

ميكل أرتيتا (رويترز)

على سبيل المثال، منذ شهر تقريبا كان أرسنال يخسر أمام برايتون في ملعب أميكس بعد تقدُّمه في النتيجة ليتراجع للمركز العاشر، وعند تلك اللحظة، لو كان بيرنلي قد حقّق فوزا غير متوقع على مانشستر سيتي في الجولة ذاتها، لانحدر أرسنال إلى النصف الأسفل من الجدول لأول مرة منذ 25 عاما عند هذه المرحلة من عمر المسابقة! (2)

 

رغم ذلك، وعلى عكس ما توقعنا، فإن توالي المباريات منح الكثيرين فرصة لتدارك أخطائهم، ببساطة لأن الوقت لا يسمح بأي شيء آخر، وحتى لو كنت ديفيد لويز فمن المؤكد أنك ستحصل على فرصة أخرى بسبب الفارق الزمني الضئيل بين كل مباراة والثانية، وعوامل الإرهاق والإجهاد والإصابات.

 

بعد خسارتين متتاليتين أمام سيتي وبرايتون، فاز أرسنال مع أرتيتا بثلاث مباريات متتالية ليصل إلى المركز السابع، كان من ضمنهم مواجهة وولفز التي يمكن اعتبارها علامة فارقة في موسم أرسنال الحالي، إذ إنها أول مرة ينتصر فيها المدفعجية خارج أرضهم على فريق يعلوهم في الترتيب منذ سبتمبر/أيلول 2015!

 

على المعيار الرقمي للأهداف المتوقعة (Expected Goals)، والمعنيّ بقياس كم وجودة الفرص المتاحة لكل فريق في كل مباراة، فإن نتائج أرسنال كانت مُربكة للغاية، ففي الفوز على وولفز مثلا (وولفز 0.98 – أرسنال 1.28) حظي أرسنال بفرصتين محققتين للتسجيل واستثمر واحدة بشكل مثالي، بينما سجّل هدفه الثاني من فرصة متواضعة الجودة، ورغم ذلك تمكّن من الانتصار على فريق عنيد ومنظم عانى أمامه كبار البريميرليغ على مدار موسمين، خاصة في ملعبه! (3)

خريطة الأهداف المتوقعة لمباراة وولفز وأرسنال – المصدر أندرستات (مواقع التواصل)

بعدها حقّق الأرقام نفسها مجددا أمام ليستر (أرسنال 1.29 – ليستر 1) ولكنه تعادل، ثم انهزم هزيمة مستحقة أمام توتنهام، ثم فاز فوزا صعبا للغاية تفوق فيه ليفربول على مستوى الفرص بشكل واضح (أرسنال 1.32 – 2.22 ليفربول)، ولكن الشاهد من كل هذه النتائج لم يكن ارتفاع مستوى اللاعبين الفني، أو عبقرية أرتيتا التكتيكية، بل ظهور أرسنال بشخصية مغايرة للسنوات الأخيرة، شخصية تناقض كل ما أرساه المدفعجية من مبادئ لا تمس في كل موسم مهما اختلفت عناصرهم، مثل العجز عن الفوز على الكبار، والانهيار النفسي والذهني في المباريات الصعبة بمجرد قبول الهدف الأول.

خريطة الأهداف المتوقعة لمباراة أرسنال وليستر سيتي – المصدر أندرستات (مواقع التواصل)
خريطة الأهداف المتوقعة لمباراة أرسنال وليفربول – المصدر أندرستات (مواقع التواصل)

لا شيء يُثبت التغير الحادث مثل تلك النقطة الأخيرة؛ الريدز سجّلوا عن طريق ماني في الدقيقة 19، وفي أي مناسبة أخرى كان هذا ليؤدي إلى مهرجان أهداف في شباك المدفعجية ينتهي بهزيمة ثقيلة تدفعهم دفعا نحو الدوامة ذاتها، الدوامة التي تعود فيها الأسئلة الصعبة للطفو على السطح، أسئلة عن هوية أرسنال وعما إذا لم يزل فريقا كبيرا أم لا، أسئلة يبدو أنها قد تحصل على إجابات مثيرة إن قُدِّر لأرتيتا الاستمرار في عمله.

 

العنوان البارز هنا هو أنه منذ لحظة الهزيمة من تشيلسي في ثاني مباريات أرتيتا، لم يجمع أي فريق عددا أكبر من النقاط سوى ليفربول. أنت تعلم كيف يتحدث الجميع -ونحن من ضمنهم- عن سحر النتائج، وكيف يستخدمها الناس لتفسير كل شيء على عكس المنطقي، لكن النتائج لها سحرها على اللاعبين أيضا، اللاعبون الذين لا يهتمون بمعايير الأهداف المتوقعة وإحصائيات المباراة، وكل ما يهمهم عقب كل مواجهة أن يخرجوا منتصرين، لأن هذا هو أكثر ما يؤثر على حِدّتهم الذهنية والنفسية في المباراة التالية، والحالة التي يدخلون بها كل مواجهة قادمة، وثقتهم في احتمالات الفوز.

 

لا مثال أوضح على ذلك من مسيرة ريال مدريد زيدان في الليغا بعد التوقف؛ انتصارات صعبة بهامش تكتيكي وفني ورقمي ضئيل في أغلب الأوقات، ولكنها كانت كافية ليستمر الفريق في الإيمان بحظوظه منتظرا تعثُّر الغريم.

 

في تقرير مطول لـ "Tifo Football" تعرّض لسياسة تعاقدات النادي في أعوام فينغر الأخيرة، أتى ذكر مؤسسة "Stats DNA" التي تعاقد معها الفرنسي في 2011 لتتولّى تجهيز التقارير الإحصائية وتحليلات الخصوم وتُدلي بدلوها في تعاقدات أرسنال والصفقات المطروحة. لم يكن هذا التقرير شهادة لكفاءة المؤسسة، بل العكس؛ "Stats DNA" كانت هي مَن أوصى بعدم التعاقد مع كلٍّ من غريزمان في 2014 ودي بروينه في 2015 بسبب "الشك في قدرتيهما على مواكبة الإيقاع البدني للبريميرليغ". (2) (4) (5)

 

يستمر التقرير في توضيح فشل "Stats DNA" في إضافة شيء يُذكر لأهم ملفات النادي الفنية عبر 10 سنوات تقريبا قبل أن يرحل مؤسسها جيسون روزنفلد للعمل مع فينغر في الفيفا، وفي تلك الفترة تُخُلِّيَ عن سفين ميسلنتات كبير الكشافين الذي أتى من دورتموند في 2017، وذهب أرسنال تحت قيادة إدارته الرياضية الجديدة وعلى رأسها راؤول سانليهي، إلى التعاقد مع خيارات أكثر وضوحا من خلال شبكات علاقاتهم الخاصة بوكلاء اللاعبين، ودون الكثير من التحليل الفني والتقني لهذه الصفقات. (6)

مع السياسة الجديدة عاد أرسنال بضع سنوات إلى الوراء، وألغى الاعتماد على البيانات والتحليلات الإحصائية، والتي كان من المفترض أن تكون سلاحه الوحيد للعثور على مواهب قيّمة خارج رادار الأندية الكبرى، ليتمكّن من الاستمرار على الساحة في ظل تضخم أسعار اللاعبين الخرافي في السنوات الأخيرة. (7) (8)

 

هذا كله وضع أرسنال في خندق الإنفاق على أسماء كبيرة في السوق لتدعيم فريقه، وهو الأمر الذي نادى به أرتيتا عددا لا نهائيا من المرات منذ تولّي المسؤولية، ببساطة لأن تجربة الإسباني وضعت النادي كله أمام خيار من اثنين؛ إما تدعيمه بشكل قوي على أمل قيادة الفريق نحو مقاعد دوري الأبطال في الموسم المقبل، والتي ستكون معركة صعبة للغاية مع التدعيم المتوقع لكلٍّ من تشيلسي ومانشستر يونايتد رفقة ثنائي المقدمة ليفربول وسيتي، أو إرسال رسالة إلى كل مدربي العالم مفادها أن العمل الجيد والجاد في أرسنال لا قيمة له، ولن يُكافأ، وأن النادي لا يمتلك مشروعا حقيقيا يمكنه من البقاء في أعلى مستويات كرة القدم الإنجليزية على الأقل، وأن العودة، ببساطة، أصبحت مستحيلة.

_____________________________________

المصادر

  1. أرسنال حصلوا على هوية تكتيكية قابلة للاستمرار.. ولكن لن يكون هناك أي حلول سريعة – دانييل ستوري – أوبتوس سبورت
  2. كيف يمكن لأرسنال أن يتحسن؟ – تيفو فوتبول
  3.  مباريات أرسنال والأهداف المتوقعة – أندرستات
  4. كيف يمكن لأرتيتا أن يعيد بناء فريقه؟ – ذي أثلتيك
  5. كيف بدأ طريق أرسنال وأرسين فينجر مع التحليلات الرقمية؟ – روري سميث – نيويورك تايمز
  6. أرسنال يفقد ساحر الإحصائيات لصالح أرسين فينجر في فيفا – ذي أثلتيك
  7.  المناطق الأربعة التي يجب أن يتحسن فيها أرسنال – فوتبول لندن
  8. هل تحسن دفاع أرسنال فعلا تحت قيادة أرتيتا؟ – ستاتس بيرفورم

حول هذه القصة

عندما تتعاقد مع رانغنيك فأنت لا تتعاقد مع مدرب أو مدير رياضي، بل كيان كامل وشبكة علاقات واسعة أقرب لنادٍ مستقل متحرك. نتحدث عن رجل أخرج جيلا جديدا من المدربين واللاعبين يشقون طريقهم رويدا نحو القمة.

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة