لا تفقد الأمل أبدا.. ليفربول البطل والدروس المستفادة

1

قبل أي شيء، نحن نُحييك لأنك قرّرت أن تضغط على عنوان يتضمّن عبارة مثل "الدروس المستفادة". في الواقع نحن نعتبرها مفاجأة أنك فعلت، إذ لا أحد يقرأ العناوين المشابهة هذه الأيام. ربما لو كان العنوان "خمسة دروس مستفادة.. الرابع سيُدهشك" لتغيّر الأمر، ولكن حتى هذه الأفخاخ لم تعد تخدع أحدا على الشبكة. الجميع يعلم أن أي عنوان جذاب هو مصيدة لجمع القراءات حتى يثبت العكس، ربما لذلك قرّرنا اختيار عنوان مُغرق في التقليدية. لا نعلم ما الذي سيُثبته ذلك ولكننا مللنا المحاولات المرهقة للفت انتباهك كلما كان لدينا ما نقوله. اعتبرها محاولة طفولية للتمرد.

 

السبب الثاني لاختيار العنوان قد يكون غريبا بعض الشيء. في الواقع، هو آخر سبب قد تتوقعه، وهو أن هناك دروسا مستفادة فعلا! تخيَّل! أو هذا ما نعتقده على الأقل، وإن كان القلق قد بدأ يتسرب إليك لأنك تشعر أنك على وشك تلقي محاضرة في التنمية البشرية أو حديث مبتذل عن الملاحم الرومانسية فنحن نتفهّم بالطبع.

 

نحن نتفهّم لأن هذا هو ما ننوي فعله بالضبط؛ سنُلقي عليك محاضرة في التنمية البشرية وسنحدّثك عن الملاحم الرومانسية، وستسمعنا غالبا، ببساطة لأننا سئمنا العدمية المسيطرة على كل شيء، سئمنا ألا يكون هناك ما يستحق الإشادة، وسئمنا محاولات الجميع المضنية لمساواة الأشياء ببعضها، وسئمنا التسلل من الثغرات الضيقة لهدم المشاريع على رؤوس أصحابها.

 

لو كنت من قدامى الملتحقين بوسائل التواصل الاجتماعي فأنت تفهم ما نتحدث عنه؛ هناك حيلة لا تخيب أبدا يمكنك استخدامها للتحقير من أي شيء والعكس بالعكس، وهي استغلال المبالغات التي سيقع فيها البعض حتما للتأسيس لتيار جديد في الاتجاه المعاكس، والمشكلة أن هذا السلوك يقع بشكل عفوي في كثير من الأحيان؛ أحد المنتشين بالإنجاز مثلا سيصف فريق ليفربول الحالي بأنه الأعظم في تاريخ اللعبة أو شيء من هذا القبيل، وفي خلال ساعات تكون تغريدته قد تجاوزت آلاف الأميال عبر الأثير الإلكتروني لتصل إلى ملايين الأشخاص، وبالطبع ستُستخدم كمبرر لقول العكس بالضبط. أنت تعلم كيف تجري الأمور على الإنترنت، وهناك احتمال لا بأس به أن يكون شيئا مشابها قد حدث بالفعل.

فريق ليفربول

2

هذا الشعور بالهزيمة الذي يسيطر على كل شيء في هذه البقعة البائسة من العالم هو ما يدفعنا إلى كل ذلك أحيانا، هو ما يجعلنا نعاقب أحدهم بشدة لو حاول منحنا شيئا من الأمل، وهذا الشعور هو الشيء الوحيد الذي كان يربط جمهور ليفربول بنا؛ أنهم كانوا مهزومين لأسباب مختلفة تماما عن التي نتشاركها معك، ولكنهم لم يتخلّوا عن الأمل.

 

هذا هو أول درس مستفاد؛ ألا تتخلّى عن الأمل أبدا، أو ربما هو ليس درسا مستفادا وهذه ليست سوى محاولة يائسة لإضفاء المعنى على المصادفة. تخيّل أن تذهب لجمهور نوتنغهام فورست أو أستون فيلا أو هامبورغ وتُطالبه بألّا يتخلّى عن الأمل أبدا. سيُلقيك بزجاجات المياه بالتأكيد، لأنك ساذج للدرجة التي جعلتك تتخيّل أن ما حدث مع ليفربول سيحدث مع الباقين. (1) (2)

 

في الوقت ذاته، نحن متأكدون أن كلوب وطاقمه ولاعبيه لم يتخلّوا عن الأمل فعلا. أصلا كيف تتخلّى عن الأمل؟ ما دمت حيا فهناك ما تأمل فيه مهما كان بسيطا. ربما انتهى أمر نوتنغهام فورست بلا رجعة، وربما يحمل المستقبل مزيدا من التدهور لهامبورغ وأرسنال، وربما لا فائدة حقيقية ستعود على جماهيرهم من التمسك بالأمل، ولكننا نعلم يقينا أنه حتى الاستثناءات النادرة مثل ليفربول لم تكن لتحدث دون أمل كذلك، لذا فالدرس الأول لا يزال كما هو؛ لا تتخلَّ عن الأمل. (3)

يورغن كلوب

هذه ليست عبارة رومانسية بلهاء تحلم بعالم مثالي، بل ربما هي أقرب إلى العكس. لا تتخلَّ عن الأمل من فضلك، ليس لأنه منطقي طيلة الوقت، وليس لأن مكافآته مضمونة، إطلاقا، بل ببساطة لأنك لن تُنجز شيئا بدونه. التمسك بالأمل هو التصرف الوحيد المنطقي حتى ولو لم يبدُ كذلك، وهذه ليست سوى حكمة براغماتية قائمة على حسبة رياضية بسيطة: أمل = احتمالات ضئيلة عشوائية في شيء ما. لا أمل = لا احتمالات على الإطلاق في أي شيء.

 

ربما كان كلوب ساذجا عندما تخيّل أنه سيتمكّن من التفوق على ما فعله فريقه في الموسم الماضي، ربما كان الاحتمال 1% فقط أن يحدث ما حدث هذا الموسم. في الواقع، لو لجأنا للمختصين لأخبرونا بذلك حتما؛ كل المعايير الرقمية والتحليلات الإحصائية تؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن ما فعله فريق كلوب في الملعب خلال الثمانية عشر شهرا الأخيرة غير منطقي؛ (Over Performance) أو أداء يفوق المتوقع كما يُطلقون عليه، ولكنه حدث، ولو لم يتحلَّ أحدهم بالأمل لما حدث. هذه حقيقة علمية مثبتة. (4) (5) (6) (7)

 

هل يستحق الأمر كل هذا العناء لإنجاز قد يحدث أو لا يحدث؟ هل هناك توازن ما بين احتمالات وقوعه واحتمالات انتهاء الأمر بكومة من الآمال المحطمة والمشاعر المحبطة؟ بالقطع لا، ولو كان الأمر كذلك لصارت الحياة في منتهى الملل، وكرة القدم تُشبه الحياة كثيرا إن لم تكن قد لاحظت ذلك، ليس لأنها كرة قدم أو لأن هذا امتياز تحتفظ به هذه الرياضة تحديدا دونا عن غيرها، بل لأن أي نشاط سيمارسه هذا العدد من الناس وسيتدخّل فيه هذا الكم من العوامل البشرية سيُشبه الحياة حتما. هذه حقيقة علمية أخرى مثبتة.

3

طبعا نحن لم نأتِ هنا ونضع عنوانا تقليديا لنخبرك بأن تتحلى بالأمل ونرحل، تلك ستكون نصيحة بديهية بعد تجربة كتلك وعلى الأغلب ستدركها وحدك، ولكن الحديث عن الأمل كان ضروريا لأن الحديث عن أي قيمة معنوية أو أخلاقية صار صعبا للغاية في هذه الأيام، صعبا لدرجة الاستحالة أحيانا.

وهذه هي المشكلة فيما فعله كلوب مع ليفربول؛ أن تقديره بما يستحق يحتاج إلى تجاوز كيلومترات مكعبة من التسفيه. جرِّب أن تتحدث عن قيمة التواضع أو الإتقان أو أي قيمة مشابهة، وستغرق في عشرات الأمثلة التي تُثبت أن تلك القيم ليست مفيدة دائما. معضلة الأمل نفسها بالضبط. ناهيك بحجة النسبية الشهيرة: التواضع نسبي، والنجاح نسبي، والجمال نسبي والمتعة نسبية، وهذا كله حقيقي نظريا، ولكن النسبية هنا لا تُستخدم كوسيلة لاستيعاب الاختلافات الطبيعية بين البشر، بل كوسيلة لنسف الفكرة من أساسها؛ الجمال نسبي إذن لا فائدة من التحدث عن الجمال، الجمال نسبي إذن لا جمال من الأصل. (8)

 

الهدم دائما ما يكون أسهل من البناء، ونشوة تحقيقه أعلى بكثير على المدى القصير، وهذا جزء من قيمة ما حقّقه كلوب وطاقمه وفريقه؛ أنهم رغم اعتناقهم لفلسفة الهدم في الملعب وحرمان الخصم من بناء هجماته كما يريد، فإنهم تحلّوا بالصبر اللازم ليُدركوا فوائد البناء على المدى البعيد.

 

الصبر قيمة مهدرة في كرة القدم في السنوات الأخيرة؛ حينما يكون وقود اللعبة هو جماهير تُدمن التحديثات وأصوات الإشعارات على هواتفها كل دقيقتين فلا مجال للصبر. حينما يكون الشعور الغالب على وسائل التواصل الاجتماعي هو الملل والحاجة إلى معدلات قياسية من الإثارة كل يوم فلا مجال للصبر، وحينما يكون الحل الوحيد لعلاج أية مشكلة هو شراء المزيد من اللاعبين وبيع غيرهم فلا مجال للصبر.

 

في هذه الظروف يكتسب الصبر أهمية قصوى، ببساطة لأنه يسمح لك برؤية ما لا يراه الآخرون، يُطلعك على عالم كامل لا يشاهده مدمنو التحديثات اليومية وجرعات الأدرينالين المكثفة. نحن منهم بالمناسبة لأننا أبناء هذا الجيل، نحن لا نُحدّثك من صومعة على قمة الهيمالايا، ونحن مثلهم لا نرى الصبر مثيرا بأي معنى لذا ننسى قدرته على التغيير وقلب الأمور.

 

الصبر منبوذ في اللعبة الحديثة لأنه يتناقض مع كل هذا الملل على فيسبوك وتويتر وفي المدرجات؛ إن لم يُسجِّل المهاجم سبعة أهداف في أول خمس مباريات فعليك بيعه فورا، وإن لم يقلب لاعب الوسط الجديد حال فريقك رأسا على عقب في أول شهر فلتذهب للبحث عن اسم آخر. نمط استهلاكي لدرجة الجنون، يشبه السعار الذي ينتاب العالم كل بضعة أشهر عندما تُنتج آبل هاتفا جديدا يعِد مستخدميه بما لم يكن متاحا من قبل، وهذه مفارقة سيريالية للغاية لو تذكّرت كمّ العدمية الذي يُسيطر على الجميع في باقي الأمور.

 

في ظروف كتلك، تأتي قيمة الصبر من ندرته، من القسوة التي سيُعاملك بها الجميع إن قرّرت أن تكون صبورا. الآن يشارك الجميع تصريحات كلوب من خمس سنوات عندما قال إنه يأمل في الفوز بالبريميرليغ خلال أربعة مواسم، ولكنك بالطبع تتذكّر كل ما كان يُقال بعد كل هزيمة من الصغار وبعد كل فوز على الكبار في موسم 2016-2017، وتتذكّر كل ما كان يقال بعد فرص فيرمينو المهدرة وبعد كل عرض كارثي لماتيب ولوفرين في قلب الدفاع أو لهندرسون في وسط الملعب.

روبرتو فيرمينو

لن نقول لك إن تلك الانتقادات لم تكن مستحقة لأن هذا سيكون من قبيل الخداع، بل كانت منطقية تماما في وقتها، ولكنها لم تُقدِّم حلًّا سوى التعاقد مع المزيد من اللاعبين بأرقام فلكية، لم تُقدِّم حلًّا سوى مجاراة سيتي غوارديولا في إنفاقه المجنون، وربما كان هذا ليجلب البريميرليغ لليفربول الموسم الماضي، وربما لا، ولكنه كان سيحرمنا من استثناء غير عادي هذا الموسم.

4

هذه لم تكن معركة بين الرومانسية والرأسمالية لأن ليفربول كنادٍ يلعب وفقا للقواعد الرأسمالية ذاتها التي يلعب لها مانشستر سيتي، والفارق بينهما لم يكن في النظرية بقدر ما كان في التطبيق. ليست معركة بين الفقراء والأغنياء، ولا بين الإنسان والآلة، هذه الثنائيات الصفرية لا تصف ما حدث بعدالة.

 

هذه المعركة كانت مع مبادئ اللعبة الحديثة، مع الرغبة الجماهيرية في نزع المعنى عنها وتحويلها إلى حسابات مضمونة آمنة، ومع الاهتمام المبالغ فيه بالخطط التكتيكية المعقدة لدرجة تحويلها من جزء من اللعبة إلى كل اللعبة، ومع السعار الاستهلاكي الذي سيطر على جماهيرها مثلما سيطر على غيرهم، ومع نفاد الصبر والحاجة الدائمة إلى التغيير حتى ولو لم يعنِ شيئا، وحتى لو كان نشاطا مزيفا أو (Pseudo Activity) كما سمّاه سلافوي جيجيك، معركة مع الضجيج المستمر خارج الملعب، حتى ولو كان أصحاب هذه المعركة يُقدِّسونه داخل الملعب. (9)

 

لا نحدثك هنا من موقع المُحاضر لأننا جزء من هذه الجماهير، ومثلهم، ندين باعتذار ليورغن كلوب وطاقمه وفريقه. اعتذار ضروري لأننا سننسى كل ذلك بعد يومين أو عدة أسابيع أو أشهر، وسنعود للحديث عن المهاجم القادم الذي سيتعاقد معه برشلونة والمدافع الجديد الذي سيشتريه غوارديولا والموجة الثانية من كوفيد المستجد وتصريحات مورينيو الحارقة وكوميديا أرسنال والأخطاء التحكيمية في المباريات التي لم تُلعب بعد. سنغرق في كل ما انتقدناه منذ قليل لأنها سنة الحياة.

غوارديولا ويورغن كلوب

 

لا تُسِئ فهمنا، هذا ليس تقليلا مما أنجزه غوارديولا خلال أربعة مواسم تضمّنت موسمين قياسيين، ولكن اسمح لنا أن نخالف العبارة التي قيلت الموسم الماضي؛ ليفربول لم يكن سيئ الحظ لأن هذا الفريق تزامن مع سيتي غوارديولا، بل إن العكس هو الأقرب للحقيقة؛ سيتي غوارديولا، وعلى روعته وأرقامه القياسية، كان سيئ الحظ لأنه شهد تتويج ليفربول بالدوري بعد هذا العدد من السنوات وبهذه الطريقة تحديدا بكل ما تحمله من تفاصيل نحتاج إلى مجلدات لنوفّيها حقها.

 

تكتيكيا وفنيا وإنسانيا، ستُخلَّد معركة ليفربول كلوب وسيتي غوارديولا في التاريخ كواحدة من أعظم المعارك الكروية وأكثرها ثراء، وسواء كان ليفربول قد تُوِّج بالدوري هذا الموسم أو لا، وسواء كان هذا قد أتى بعد 30 عاما من الغياب أو حتى 5، وسواء كان بهذا العدد من النقاط أو أقل، فإن هذا لا يُغيِّر شيئا من الحقيقة التي ستبقى بعد نهايتها؛ سيتي غوارديولا كان عظيما، ولكن ليفربول كلوب كان مُلهما.

________________________________________________________-

المصادر

  1. السقوط الحر لنوتنغهام فورست من المجد الأوروبي – World Football Index
  2. أستون فيلا من أبطال أوروبا للصراع على الهبوط – Sportskeeda
  3. هامبورغ.. من المجد الأوروبي إلى الهبوط والشغب – DW
  4. تحليل فَرْق الأهداف المتوقع لفِرَق البريميرليغ – ستاتس بومب
  5. تحليل جدول البريميرليغ بناء على الأهداف المتوقعة لصالح وضد كل فريق – بي بي سي
  6. تحليل أداء ليفربول: أن تكون محظوظا وجيدا في الوقت نفسه – ستاتس بومب
  7. ليفربول حقق 20 نقطة أكثر من المتوقع – Analysing Anfield
  8. معضلة سقراط.. هل هناك ما يُعرف بكرة القدم الجميلة؟ – ميدان
  9. النشاط المزيف لسلافوي جيجيك – Goodreads

حول هذه القصة

إن كنت مشجعا لليفربول، فحاول أن تتجاوز أحزانك بعدما توقفت احتفالات لقب البريميرليغ المضمون، وتوقّع المصائب قبل وقوعها. فقد يتعلّق الأمر باللاعب الأبرز بالفريق، محمد صلاح، وأنباء رحيله عن الريدز.

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة