لا تُغيِّر فريقا فائزا.. هل تدعم الإحصائيات أسطورة الأستوديوهات التحليلية؟

فلنفترض أنك سائق جيد ومتمكّن وحريص، ولكن تهشّمت سيارتك في حادث طريق، هل يدفعك ذلك لتغيير طريقة قيادتك؟ فلنفترض العكس إذن؛ أنت سائق متهوّر ومندفع تمكّن من النفاذ بجلده من عدة حوادث محققة بسبب طريقة قيادته، هل يدفعك ذلك لتغييرها؟

كانت تلك هي افتتاحية عمر الشذري رئيس قسم المعلومات بمؤسسة "21st Club" المتخصصة في تزويد الأندية بالبيانات، والعنوان الذي كُتبت له هذه الافتتاحية هو: "متى تُغيِّر فريقا فائزا؟" (1)

 

عندما يخسر طبعا، هذا بديهي، أو هذا ما تُخبرك به الأستوديوهات التحليلية عادة؛ أن تغيير الفريق الفائز من المحرمات، وتغيير الفريق الخاسر من المستحبّات، ولكن عمر الشذري يسأل سؤالا مهما: لماذا لا نُفكِّر بالطريقة ذاتها في كرة القدم؟ لماذا نفترض أن الحادث مسؤولية المدرب أو اللاعبين حتى لو كانوا سائقين جيدين؟ أليس من الممكن أن يكون هناك سبب آخر؟ ما يمنح لسؤال الشذري وزنا إضافيا هو حقيقة أنه في 35% من الحالات في كرة القدم لا يفوز الفريق الذي صنع الفرص الأفضل والأخطر والأكثر عددا، هذه إحصائية تمكنوا من قياسها عن طريق حساب الفرص المصنوعة لكل فريق وعليه ومقارنتها بالنتيجة النهائية. (2)

 

نحن نتحدّث عما يفوق ثلث المباريات هنا! هذا هو ما يجعل لكرة القدم سحرها ويجعلها عصية على الفهم أحيانا؛ أن نهاياتها لا تكون نتيجة منطقية لمقدماتها في كثير من الحالات، وسواء كان هذا مما يعجبك في اللعبة أم لا، فهو أمر يُجبر جميع صناع القرار، وعلى رأسهم المدربون، على أنهم في حاجة ماسة إلى النظر لجودة العملية التي أدّت إلى النتيجة، لا النتيجة وحدها.

ما يحدث هو العكس طبعا، وإلا لما كان لهذا التقرير داعٍ. في التشامبيونشيب مثلا يقوم المدربون بتغييرات في التشكيل بعد خسارة غير مستحقة أكثر بـ 66% منها بعد فوز غير مستحق، وفي الجدول السابق يتضح أن المحرك الرئيس للتغييرات في التشكيل هو النتائج فقط لا غير، وبغض النظر عن جودة أو سوء العملية التي أدّت إليها!

 

طبقا للشذري، فإن هذا يَحرِم الفِرَق من فرص التحسن على المدى البعيد، وكثرة العبث بالتشكيلة والأسماء لأسباب غير منطقية قد تكون مرتبطة بفترة عابرة من سوء التوفيق أو قلة التركيز قد يُحقِّق خسائر أكبر على المدى البعيد عندما تستبعد اللاعبين الأفضل!

 

الأمر منطقي فعلا، تغيير مهاجم يعاني من سوء التوفيق خلال مباراتين أو ثلاث أو حتى خمس قد يقودك إلى خسارة أفضل مهاجميك على المدى البعيد لصالح آخر قد يكون أقل في الإمكانيات ولكنه يمر بفترة توهج مثلا، بل قد تُفقدك خطَّ هجوم كاملا منسجما متفاهما لصالح لاعب قد يفسد ديناميكية المنظومة لصالح أرقامه الشخصية مثلا!

 

هذا يقودك إلى دراسة أخرى لبروفيسور اقتصاد هولندي هو باش تير فيل، والتي تجاوزت السؤال عن التشكيل للسؤال عن جدوى تغيير المدرب نفسه بعد فترة من النتائج السيئة؛ باش تير فيل جمع إحصائيات فِرَق الدوري الهولندي خلال 18 موسما من 1986 وحتى 2004، ثم انتقى منها الفِرَق التي عانت من فترات متطرفة السوء في النتائج والأداء، واكتشف أن أغلب هذه الفِرَق تعود مرة أخرى للنتائج المعتادة سواء أقالت مدربها، أو استقال هو، وحتى لو أبقت عليه بدون تغيير! (3)

تير فيل أرجع تشابه النتائج في الحالات الثلاث (إقالة – استقالة – إبقاء) إلى مبدأ اقتصادي وحياتي مهم هو ما سمّاه بـ "الانحسار للعادي" (Regression Towards The Ordinary)؛ ما يعني أن فترات الهبوط المؤقتة لا تحتاج إلى تغييرات جذرية ما دامت تتعارض مع إمكانيات الفريق ومدربه، وأن التغيير في هذه الفترات قد يؤدّي إلى نتائج سلبية، أو على الأقل قد لا يؤدّي إلى أي نتائج إيجابية، بالضبط مثل التغيير في تشكيلة تعرّضت لهزيمة عارضة غير منطقية.

 

هذا ما يجعل عبارة مثل "لا تُغيِّر فريقا فائزا" ناقصة ومقصورة على حالات معينة؛ هي حالات التراجع الطويل على مدى عدة أشهر مثلا، والتي تتدخل فيها عوامل أخرى غير الإمكانيات الفنية مثل الضغوط الجماهيرية والتخوف على نفسية اللاعب من الهجوم الدائم عليه، والذي تزداد حِدّته مع طول فترة التراجع ويجعل التعافي منها أصعب بكثير نظرا لأنه يتم في ظروف عدائية.

 

بل إن هناك استثناءات مهمة جديرة بالذكر حتى في حالات التراجع الطويل، على سبيل المثال نشر موقع "Four Four Two" تقريرا عن اللاعبين الذين تألّقوا بعد موسم أول محبط في إنجلترا، لاحِظْ أننا نتحدث عن موسم كامل وليس مجرد فترة عابرة، ورغم ذلك تضم القائمة أسماء من طراز ديفيد دي خيا وخافيير ماتشيرانو وروبرت بيريز وباتريس إيفرا وميكائيل إيسيان! (4)

ديفيد دي خيا وخافيير ماتشيرانو وروبرت بيريز وباتريس إيفرا وميكائيل إيسيان

تخيّل حجم الخسارة هنا لو كان المدرب قد تخلّى عن لاعبه وبنى حكمه على النتائج فقط لا غير دون بصيرة حقيقية بإمكانيات اللاعب الفعلية أو اعتبار للظروف العشوائية التي تتدخّل في أداء اللاعبين عموما! القائمة تطول وتصبح أكثر إثارة للرعب عندما تضم لها أسماء مثل صلاح ودي بروينه في تشيلسي، وهنري في يوفنتوس، وباتريك فييرا في ميلان، وبيركامب في إنتر، وشنايدر وروبن في ريال مدريد!

 

النتائج مهمة قطعا، ولكن العملية التي أدّت إليها أكثر أهمية بلا شك، فقط دراسة العملية هي ما قد يضمن استمرار النتائج، أما النتائج ذاتها فلا مجال فيها للدراسة! الأهم من ذلك أن بناء الحكم على النتائج وحدها هو أمر لا يحتاج إلى مدرب للقيام به، وبالطبع لا يحتاج إلى أستوديو تحليلي!

______________________________________________________-

المصادر

  1. متى تُغيِّر فريقا فائزا؟ – 21st Club
  2. ما الأهداف المتوقعة (xG) وكيف يمكن حسابها؟ – Intellignet FC
  3. هل هناك منطق إحصائي في إقالة المدربين عقب كل تعثر؟ – BBC
  4. 6 تعاقدات نجحت في الموسم الثاني بعد موسم أول محبط في البريميرليغ – Four Four Two

حول هذه القصة

بدت أتالانتا بمسابقات هذا الموسم كالجميلة التي تتراقص تحت المطر، عروض عظيمة ونتائج كبيرة عاش على أثرها جمهور الفريق ليالي رائعة، لكن يبدو أن بقدر السعادة يأتي الألم وربما أكثر.

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة