ليفربول الفقراء.. هل يمكن لقواعد المقامرة بناء أذكى نادٍ في العالم؟

في واحدة من أكثر اللحظات الدرامية بتاريخ البريميرليغ، أحرز "أغويرو" هدفه القاتل في مرمى "كارديف سيتي"، معلنا فريق مانشستر سيتي بطلا للدوري. كان ذلك في موسم 2011-2012، والذي لا يتذكّره متابعو البريميرليغ سوى بمشهدَيْ ركض المهاجم الأرجنتيني ملوِّحا بقميصه، وعلى الجانب الآخر مواساة السير أليكس فيرجسون للاعبيه. وفي خضم هذه الدراما، كان هنالك حدث فرعي لم ينل حقه من الاهتمام، كان بطله نادي "نيوكاسل يونايتد".

      

أنهى "نيوكاسل" ذلك الموسم في المركز الخامس، في مفاجأة غريبة لا تقل غرابة عن دراما حسم اللقب. وبدأ الحديث في داخل أروقة النادي عن رغبتهم في الاستمرار ضمن أندية القمة في إنجلترا، وتحويل ما حدث إلى نقطة تحوُّل في تاريخهم، وعليه قرّروا الحفاظ على مجموعة اللاعبين، ومنح المدرب "ألان بارديو" عقدا يمتد لعام 2020. أتعرفون ماذا حدث في الموسم التالي؟ كان "نيوكاسل" على حافة الهبوط باحتلال المركز الـ 16، ولكي تفهم ما حدث عليك التفكير بشكل مختلف. (1) (2)

      

  

فكِّرْ كأنك مقامر

عليك أن تُفكِّر كالمراهنين لا الهواة الذين يركضون وراء الحظ والمصادفة، لكن كالمراهنين المحترفين الذي يستخدمون أعقد النماذج الإحصائية لوضع رهاناتهم. إن كنت مقامرا محترفا وتريد وضع رهانك على "نيوكاسل" فعليك تجاوز التأثير العاطفي المرتبط بمعجزة موسم 2011-2012 والبحث عن مزيد من التفاصيل.

  

من هنا ستبدأ رحلتك مع الأرقام، لتكتشف أن نجاح "نيوكاسل" في موسمه الأسطوري بتحقيق 65 نقطة كان بفارق أهداف بين المسجلة والمستقبَلة (+5)، وهو رقم ضئيل جدا تندر رؤيته في أعلى الجدول. أضف إلى ذلك رقما أكثر غرابة يتعلّق بالفارق بين متوسط التسديدات التي سدّدها الفريق والتي استقبلها، والذي بلغ (-1.4)، مما يعني استقباله لعدد أكبر من التسديدات. (3)

    

  

ما الاحتمالات التي تجعل فريقا بهذه الأرقام يُحقِّق ما حقّقه؟ بالتأكيد هي الاحتمالات نفسها التي جعلتهم يُحقِّقون الفوز بنتيجة 1-0 في ثماني مباريات، ثم جعلت "باييس سيسيه" المهاجم المنضم لهم في الانتقالات الشتوية يُحرز 13 هدفا في 14 مباراة بمعدل تحويل للتسديدات بلغ 33%، ما يعادل هدفا من كل 3 تسديدات، وهو رقم مرعب لم يستطع ميسي نفسه الاقتراب منه في الموسم نفسه، بتحويل 20% من تسديداته إلى 73 هدفا. (3)(4)(5)

  

الآن، بات واضحا لك أن نيوكاسل كان محظوظا، لكن لكي ترى ذلك دون عناء، عليك بالقاعدة الأولى للمقامرين وهي: "جدول الترتيب دائما يكذب"، والعينة المكوّنة من 38 مباراة بالموسم ليست كافية لإطلاق الأحكام وبناء الخطط، لأن كرة القدم لعبة قليلة الأهداف، مما يجعلها أكثر عُرضة للعشوائية أو الحظ، لعبة واحدة عكس مجريات اللقاء، أو خطأ تحكيمي واحد قد يُغيِّر النتيجة النهائية. وانطلاقا من هذه القاعدة فإنك ستؤمن بتفاصيل التفاصيل لتقييم الأداء، وتبحث عن أسباب النجاح قبل الفشل.

  

انتقلت هذه القواعد من عالم المراهنات إلى كرة القدم عندما التقى الثنائي "ماثيو بنهام" و"راسموس أنكيرسين" بجنوب لندن في عام 2013. الأخير هو مؤلف كتاب "The Gold Mine Effect" عن انتقاء وتطوير المواهب، أما الأول فهو واحد من أكبر المراهنين في عالم كرة القدم ومالك نادي "برينتفورد"، وعندما سأله "راسموس" عن احتمالية صعود "برينتفورد" من الدرجة الثالثة إلى الثانية، مع تبقي خمس جولات على نهاية الموسم، أجابه "بنهام" بـ 42.3%. (6)(7)(8)

  

رغم غرابة الإجابة، لم يصفها "راسموس" بالفلسفة الزائدة، بل رأى أنه أمام فكر جديد في عالم إدارة كرة القدم. وبالفعل بدأ الثنائي التعاون لإدارة ناديي "برينتفورد" الإنجليزي و"ميتدلاند" الدنماركي، بهدف معرفة إلى أي مدى يمكن كسر العلاقة بين إنفاق الأموال وتحقيق النتائج؟ وهل يمكن الحصول على الأفضلية باستخدام أسلحة المراهنين، المتمثّلة في البيانات والإحصائيات؟ وكانت النتائج غير متوقّعة، وكأنهما صنعا نسخة من ليفربول، لكن للفقراء.

  

خطة غريبة

في عام 2015، قرّرت قناة "COPA90" تتبُّع تحركات إدارة "برينتفورد" ورصد ردود أفعال جماهير الفريق. بداية، حدث تغير سريع على مستوى النتائج، صعود من الدرجة الثالثة إلى التشامبيونشيب في عام 2014 (بعد عامين من تولي "بنهام" رئاسة النادي)، تبعه تأهل للتصفيات النهائية المؤهلة للبريميرليغ في الموسم الأول. لكن ما زاد استغراب الجماهير هو حركة التعيينات داخل النادي.

  

عَيَّن النادي مديرا مختصا بوضع فلسفة اللعب، وعلى مستوى الفريق الأول، عُيِّنَ مدرب متخصص بالضربات الثابتة، وآخر متخصص بكيفية التسديد، وفي عام 2016 استُعِين بـ "أنّا ويست" المتخصصة بالنوم والاستفادة منه لتحسين الأداء. تخيَّل أن تُشجِّع ناديا صغيرا صعد حديثا من الدرجة الثالثة وتشاهد هذا العجب. 

   

  

ومع التسليم بغرابة ذلك الإيمان المفاجئ بالتخصص مقارنة بحجم النادي، كان ذلك توضيحا للملمح الأبرز في خطة النادي، المتمثّل في الاستثمار في المدربين لضمان الوصول إلى الحد الأقصى بتطوير أداء اللاعبين. وكانت النتيجة تقليل نفقات شراء اللاعبين ورواتبهم، إلى جانب الأسبقية في انتقاء المدربين، جعلت مانشستر سيتي فيما بعد يحصل على خدمات "نيكولاس غوفير" مدربهم للضربات الثابتة، وأرسنال على مدرب حراس المرمى "إناكي بافون". (9)(10)

 

ومن الاستثمار بالمدربين إلى تركيز الاستثمارات، حيث فاجأ النادي مشجعيه في عام 2016 ببيان رسمي للإعلان عن حل قطاع الناشئين واستبداله بفريق مكوّن من 18 لاعبا تتراوح أعمارهم بين 17 و21 عاما، تحت اسم "برينتفورد ب" (Brentford B). حاول البيان إقناع الجماهير بعدم قدرة ناديهم على قنص المواهب الصغيرة، بسبب الوجود في مدينة لندن بجوار تشيلسي وتوتنهام وأرسنال وفولهام وكريستال بالاس، وبالتالي كان عليهم تغيير طريقة عملهم. (11)

  

وبدلا من منافسة هؤلاء، من الأفضل التركيز على 18 لاعبا ومنحهم برنامجا للتطوير مدته 3 سنوات، مع مباريات أمام خصوم من مختلف الدوريات، إلى جانب انتظار المواهب التي سيتم تسريحها من الأندية الكبيرة في المرحلة العمرية نفسها ومنحهم الفرصة من جديد. على سبيل المثال، يملك النادي البيانات كافة الخاصة بفريق توتنهام تحت 18 عاما، ليتسنّى لـ "برينتفورد" أن يكون أول الواصلين لمَن يرحل عنهم. (12)

 

بالطبع استمر المشجعون في الاندهاش، وعلى ذكرهم، فقد حاول أحدهم الاطلاع على النموذج الإحصائي المختص بمتابعة اللاعبين أثناء إحدى المباريات الودية، لكنه بالطبع لم يفهم شيئا. وآخر قرر أن يحظى ببعض المرح، وحاول توقُّع تعاقدات النادي، لكنه لم يكن قد سمع حتى عن اسم مَن تعاقدوا معهم بالفعل، لأن النادي كان يبحث عن المواهب المدفونة أو تحت المدفونة بقليل، وبدا الأمر كأنهم يخترعون الذرة وعلى الجماهير انتظار النتائج فقط، والتي نُرجِّح أنك الآن متشوّق لسماعها.

   

     

الحصاد

كان يهدف "برينتفورد" لتحقيق ربح سنوي من سوق الانتقالات يُقدَّر بـ 15 مليون باوند سنويا، وقد استطاع تحقيق ذلك عبر قنص المواهب وتلميعها ثم بيعها. لك أن تتخيل أن النادي قد حصل على خدمات كلٍّ من: نيل موباي (مهاجم برايتون حاليا)، أندريه جراي (واتفورد)، سكوت هوجان، كريس ميفام، إزري كونسا، رايان وودز، نيكو يناريس، غوتا، غايمس تاركوسكي (مدافع بيرنلي)، غون إيغان، دان بينتلي، رومان ساويرس، موسيس أوديباغو، ماكسين كولين، فلوران جوزيفزون، بـ 12.5 مليون باوند، ثم باعهم بـ 96.7 مليون باوند. (12)(13)

  

لم يُثِر ذلك دهشتك نظرا لوجود العديد من الأندية التي تُحوِّل نفسها إلى محطة انتقالية للاعبين سعيا وراء الأرباح، لكن "برينتفورد" استطاع أيضا تحقيق نتائج مميزة. منذ صعوده لدوري التشامبيونشيب في عام 2014، ولخمسة مواسم متتالية، حقّق الفريق مركزا ضمن النصف الأول من جدول الترتيب، بل إنه في موسم 2019-2020 -المتوقف بفعل الكورونا- كان ينافس على التأهل للبريميرليغ باحتلال المركز الرابع، والأدهى من ذلك أن إحصائية الأهداف المتوقّعة قد وضعته في المركز الثاني خلف ليدز يونايتد. (15)(16)

     

  

نسينا أن نُخبرك أن "برينتفورد" كان ينافس برابع أقل ميزانية في الدوري، مما يعني نجاحهم بإدارة الأموال، والمواهب، والنتائج، وهي معادلة شبه مستحيلة. ما سبق جعل النادي الإنجليزي أيقونة الـ "Moneyball" في كرة القدم، ذلك المصطلح القادم من لعبة البيسبول، على يد "بيلي بين" المدير الرياضي لنادي "أوكلاند أثليتيكس"، والذي يُعَدُّ أول مَن استخدم الإحصائيات بشكل منهجي ودقيق لبناء فريق من المواهب المُقدَّرة بأقل من قيمتها "Undervalued". 

  

ورغم أن اقتران اسم النادي بذلك المصطلح هو نوع من الإشادة، فإن مالك النادي "ماثيو بنهام" يكره ذلك الاقتران بشدة، لأنه يرى أنه بمجرد ذكر ذلك المصطلح، يذهب الجميع بفكرهم إلى الإحصائيات والأرقام فقط، متناسين دور العامل البشري. فمهما بلغت دقة البيانات، فإنها لا تُخبرك مَن تختار، ولكن تُخبرك أين تنظر، لذا، يُفضِّل "بنهام" أن يحصل المسؤولون بناديه على ما يستحقون من إشادة. (17)(18)

 

ولعل آخر القرارات الذكية والغريبة التي قام بها مسؤولو النادي عندما تم بيع أفضل لاعبي الفريق المهاجم "نيل موباي" إلى نادي برايتون في صيف 2019، وقرّروا -بالاتفاق مع المدرب "توماس فرانك"- عدم شراء بديل، وتحويل الجناح "أوليه واتكينس" إلى مركز رأس الحربة، ليصبح ثاني أفضل هدافي البطولة خلف الصربي "ألكسندر ميتروفيتش" مهاجم فولهام. (19)

  

كل ما سبق جعل نادي "برينتفورد" يستحق لقب ليفربول الفقراء، لأنهم استخدموا الخطوط العريضة نفسها لتحقيق ما تحقق؛ مزيج بين التخطيط والمخاطرة، مع منح الإحصائيات مساحة أكبر. بل يمكننا أن نذهب بعيدا ونقول إن نموذج "برينتفورد" أكثر إلهاما، لأنهم لا يمتلكون تاريخا عريقا أو شعبية جارفة، أو عقود رعاية ضخمة، فقط ميزانية البيع والشراء، والتي استطاعوا من خلالها بناء ملعب جديد بسعة 17 ألف متفرج، للانتقال إليه بداية من موسم 2020-2021. (20)

    

  

في مقاله بصحيفة التايمز دعا "هنري وينتر" جميع الأندية إلى الاقتداء بالنادي اللندني في سوق الانتقالات بعد عودة كرة القدم، لأن ذكاء "برينتفورد" سيكون السبيل الوحيد للتعافي من أضرار جائحة كورونا، لكن الواقع يفيد أن الذكاء لا يجب أن يرتبط بالخسائر المادية، وأن ذلك النموذج المدعوم بالإحصائيات هو ما سيمنح الجميع أمل المنافسة، وسيُخبرهم بأن الأموال قد تكون حجة غير مقنعة في المستقبل. (21)


حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة