أتالانتا بيرغامو.. الجميلة التي أهلكت أهلها

يُعَدُّ أحد الدوافع الرئيسية لتصرفات النفس البشرية ما يُعرف بمعادلة اللذة-الألم، كلٌّ منا يفعل ما يفعل إما سعيا في تحقيق لذة ما، وإما رغبة في دفع ألم يلوح في الأُفق، وبتطبيق المعادلة على مدربي كرة القدم، يملك جوزيه مورينيو إجابة شديدة الوضوح؛ يكره الرجل الخسارة أكثر من رغبته في الفوز، وهنا نجد أن منبه الألم هو ما يوقظ مورينيو صباح كل يوم. جوزيه رجل صارم لا يريد أن يتألم، يدفع الألم بكل الطرق الممكنة، الأمر الذي يُفسِّر فلسفته الكروية، إذ يُفضِّل الموت مدافعا عن نقطة على أن يخاطر أملا في ثلاث نقاط.

   
بينما يملك السيد غاسبيريني دوافع مختلفة، ما زال العجوز يبحث عن اللذة حتى بعد تخطيه حاجز الستين، وهو ما يُجدي نفعا حتى الآن، فالرجل أعاد الحياة إلى سُكان مدينة بيرغامو، وجعل من أتالانتا فريقا يخشاه الجميع، ولعل أحد الأسرار وراء ذلك يكمن في عدم وجود ما يخشاه مدرب ولاعبو أتالانتا، فقط البحث عن لذة النجاح والإنجاز ولربما الاستمتاع.

   
فريق شجاع يلعب كرة قدم جريئة، ومجموعة متواضعة ليس لديها ما تخسره. تصدّرت تلك الحالة المشهد الكروي في إيطاليا خلال آخر موسمين، خاصة بعد نجاح أتالانتا خلال الموسم الماضي في التأهل لدوري أبطال أوروبا ومقارعة الكبار في البطولة الأهم على الإطلاق. مفاجآت كبيرة حقّقها فريق غاسبيريني منذ تلك اللحظة، بداية من إنهاء دوري الموسم الماضي في المركز الثالث محقّقين الرقم الأعلى على مستوى الأهداف المُسجلة (77)، وهو الرقم الذي لا يزال في صالحهم هذا الموسم أيضا بعدما أحرز الفريق 70 هدفا في الدوري متفوقا على كل منافسيه، مرورا بالتأهل للأدوار الإقصائية في المنافسات الأوروبية، وأخيرا أتالانتا يُحقِّق مفاجأة أخرى. (1) (2)

       

    
8 أهداف في مرمى فالنسيا خلال مباراتين، واقعة تجعل فريق بيرغامو أول فريق في تاريخ البطولة يُسجِّل في دور إقصائي رباعية ذهابا وإيابا، والأهم من أنها كانت ضد فريق عريق بحجم فالنسيا أن تلك النتيجة جاءت بطريقتهم الخاصة، حيث الهجوم والهجوم، وأخيرا الهجوم، ليصعد فريق غاسبيريني إلى الدور القادم ويُصبح من الثمانية الكبار، ولأن أتالانتا غاسبيريني لم يتوقفوا عن تحقيق المفاجآت فإننا ما زلنا بصدد المفاجأة الأكبر.

   

قنبلة بيولوجية

أكثر من 40 ألف نسمة من أصل 120 ألف، وهم سكان مدينة بيرغامو، احتلّوا الطُّرقات يوم 19 فبراير/شباط المنصرم، مُتّجهين إلى ملعب سان سيرو حيث المباراة الأهم في تاريخ ناديهم، أتالانتا سيواجه فالنسيا، تكدّس غير معهود مدّد زمن الرحلة من بيرغامو لميلانو إلى 3 ساعات في الوقت الذي يُفترض ألّا تتعدى فيه الرحلة أكثر من 40 دقيقة، وهو ما أوضحته زوجة بابو غوميز مهاجم الفريق، بينما صرّح الدكتور بونتيجيا -أحد الحضور- أنه لم يرَ شيئا كهذا من قبل. بدا الأمر وكأن مدينة كاملة على الطرقات، أُخرِج الأطفال من المدارس بعد مفاوضات الآباء مع المُعلمين بحجة مشاركة أطفالهم في لحظة "ثقافية تاريخية" ربما لن تتكرر، خاصة بعد نقل المباراة لملعب سان سيرو بسبب عدم مطابقة ملعب أتالانتا لمعايير اليويفا، وهو ما زاد طابع الخصوصية للمباراة وكان بمنزلة دافع إضافي للحضور، ما زال شعب بيرغامو يطارد اللذة. (3)

     

   
في ذلك اليوم، أُعلِن عن أول حالة إصابة بفيروس كورونا في إقليم لومباردي -الذي يضم ميلانو وبيرغامو-، وبعد المباراة بأسبوع أُعلِن عن أول حالة إصابة في بيرغامو، لم يستغرق الأمر سوى أيام حتى الانهيار؛ أظهرت الأرقام الرسمية وفاة 2050 شخصا في مقاطعة بيرغامو خلال شهر مارس/آذار، لكنّ تحقيقا أجرته صحيفة "ليكو دي بيرغامو" أظهر أن الرقم الحقيقي كان ضِعف الرقم المُعلن. 5400 مواطن توفي نتيجة الوباء خلال الشهر، ما جعل بيرغامو أكبر بؤرة للوباء في إيطاليا، مما وضعها على قائمة المناطق المحظورة ومن ثم عزلها بشكل كامل. (4)

   
من جانبه، أعلن أتالانتا عن إصابة حارس مرماه ماركو سبورتيلو، ووفاة 5 موظفين سابقين كانوا على صلة بالنادي نتيجة للعدوى، ما يعني وصول الوباء للجميع؛ الأطباء والممرضين، والشخصيات العامة بما في ذلك اللاعبين، حتى تخطى إجمالي الحالات المصابة في إقليم لومباردي فقط حاجز 60 ألف حالة، ما يُمثِّل 37% من إجمالي إصابات إيطاليا، بالإضافة إلى 11 ألف حالة وفاة، أي نسبة 52% من إجمالي وفيات الشعب إثر تداعيات فيروس كورونا. (5)

   
على الجانب الآخر، أُعلِنت إصابة الصحفي الإسباني كيكي ماتيو بعد عودته من إيطاليا حيث كان يغطي المباراة، قام ماتيو بنقل العدوى إلى أربعة من زملائه وتوالت السلسلة، حتى أعلن فالنسيا بعدها بأيام عن إصابة 35% من أفراد البعثة التي سافرت لخوض المباراة في إيطاليا ضد أتالانتا، بما في ذلك كلٌّ من غايا وغاراي ومانغالا، وتباعا أعلن نادي ألافيش عن إصابة 15 فردا من طاقمه بعد مباراتهم ضد فالنسيا التي تلت عودة فالنسيا من إيطاليا مباشرة. وصل عدد إصابات مدينة فالنسيا إلى قرابة 10 آلاف حالة، وهو رقم غير مفاجئ عندما نعلم أن 3000 من سكان المدينة كانوا قد سافروا إلى إيطاليا لتشجيع الفريق ضد أتالانتا. (6) (7) (8)

      

   
"لقد سمعت الكثير من النظريات حول سبب انتشار الفيروس بشدة في الإقليم، سأقول نظريتي؛ في 19 فبراير/شباط، ذهب أكثر من 40 ألف بيرغاماسكي -سُكان بيرغامو- إلى سان سيرو لحضور مباراة أتالانتا وفالنسيا، ذهبوا في الحافلات والسيارات والقطارات. لسوء الحظ كان ذلك الحدث بمنزلة قنبلة بيولوجية".

(فابيانو دي ماركو، كبير أطباء أمراض الرئة في أكبر مستشفى في بيرغامو). (9)

    
الآن لدينا تفسير منطقي لاجتياح العدوى في إقليم لومباردي وبيرغامو تحديدا، أكثر من 40 ألف شخص على مسافة سنتيمترات من بعضهم بعضا، يتعانقون ويُقبِّلون بعضهم بعضا، ليس لمرة بل لـ 4 مرات على الأقل، علاوة على غيرهم ممن اجتمعوا لمشاهدة المباراة في المقاهي والحانات والساحات والمنازل، مكوّنين بيئة مثالية لانتشار العدوى التي فتكت فيما بعد بإيطاليا وإسبانيا.
   

بيلا تشاو؟

بدت أتالانتا في مسابقات هذا الموسم كالجميلة التي تتراقص تحت المطر، عروض عظيمة ونتائج كبيرة عاش على أثرها جمهور الفريق ليالي رائعة، لكن يبدو أن بقدر السعادة يأتي الألم وربما أكثر، لأن واحدة من تلك الليالي تسبّبت في الكثير من الأسى، لكن من وجهة نظر أخرى، ربما تكون تجربة الفريق ذاتها هي كل ما يحتاج إليه سُكان بيرغامو للتعافي وعودة الابتسامة على وجوههم من جديد.

   
بعد إقصائهم فالنسيا (4-8) في مباراة العودة بإسبانيا، تجمّع لاعبو أتالانتا أمام الكاميرا في ملعب فارغ المدرجات، حاملين قميصا به رسالة مكتوبة بلهجة محلية إهداء إلى جمهورهم الذي اجتاحه الوباء؛ "Bergamo, E Per Te.. Móla Mía"، "بيرغامو، هذا من أجلكم، لا تستسلموا أبدا". رسالة تناسب سيريالية الوضع، وبإسقاطها على مشوار أتالانتا في دوري أبطال أوروبا هذا الموسم، سنجد أن أتالانتا جسّدها أتم التجسيد حيث ضرب المثل وكان نموذجا مُلهما بالفعل. 

        

      

فريق غاسبيريني لم يستسلم أبدا، حيث بدأ حملته في البطولة بـ 3 خسائر كانت كفيلة بإحباطه خاصة بعد خُماسية مان سيتي وتوقُّع أغلب المتابعين نهاية المغامرة مبكرا، لكنهم تمكّنوا من التعادل ضد كتيبة بيب غوارديولا على أرضهم في المباراة الرابعة، ثم جاءت الانتفاضة وتمكّن ايليتيتش ورفاقه من تحقيق الفوز في آخر جولتين، ليصعدوا إلى الدور الثاني من البطولة بطريقة درامية بعد أن آمنوا بقدرتهم على التعافي والعودة من بعيد رغم البدايات القاسية. (10)

     
"لا يمكننا التوقف هنا، ولا نريد أن تتمحور حياتنا حول هذا الفيروس اللعين". ذلك ما قاله روبيرتو بيلنغيري نائب رئيس تحرير صحيفة "ليكو دي بيرغامو" بعدما أوقفت الصحيفة المحلية رسوم اشتراك مدونتها لكرة القدم وأتاحتها للجميع، حيث تواصل نشر المواد الفنية التي تناقش توهج الفريق إلى حدود ما قبل التوقف، فيما تمنى أنطونيو بيركاسي (رئيس أتالانتا) من كل قلبه أن تساهم إنجازات أتالانتا بآخر موسمين في رسم الابتسامة على وجوه شعب بيرغامو الذي تربطه علاقة وطيدة بناديه. (11)

   
رُبما كرة القدم هي أهم الأمور غير المهمة في الحياة، لكن إذا قُدِّر لجمهور أتالانتا العودة مرة أخرى إلى المدرجات، فسيتذكرون طويلا تلك الجائحة بما لها وعليها، وسيكون لها سياق مغاير أكثر أهمية مُستقبلا، لما أضافته من عُمق ومعنى لحياة الجميع، خاصة ذلك الشعب. رُبما يكون لها الإرث العاطفي نفسه لكارثة ميونخ بالنسبة لجمهور مانشستر يونايتد، أو الرقم 72 نسبة لجمهور الأهلي المصري، ولعل أبرز المعاني التي غرستها تلك الجائحة هي أن الحياة أقصر مما نتصوّر، فلا ينبغي أن نتعامل معها بكامل التسليم وكأنها أمر مضمون مفروغ منه، رُبما قليل من التقدير لما بين أيدينا وإظهار الامتنان يجلب لنا التوازن ويجعلنا نحيا كما ينبغي أن نحيا، وكأن كل يوم هو اليوم الأخير. وصلنا من قصص التراث أن ملكا من الملوك قال لصبيه: اكتب لي على خاتمي كلاما يسرّني إذا كنت حزينا، ويحزنني إذا كنت سعيدا، فأخذ الصبي الخاتم وكتب عليه: "هذا الوقت سيمُر". وبالمثل، هذا الوقت أيضا سيُمر، والأهم دائما وأبدا هو الدرس.


حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة