أنا أوتو ريهاغل.. صانع المعجزات الذي أبكى كريستيانو رونالدو

المكان: ملعب "دا لوز" في العاصمة البرتغالية، لشبونة.

الزمان: 4 يوليو/تموز، 2004.

الحدث: نهائي بطولة اليورو بين البرتغال واليونان.

  

دخل المنتخبان المباراة في أول تجربة لهما في نهائي البطولة الأوروبية الأغلى للمنتخبات، وخاصة المنتخب البرتغالي الذي لا يتسلح فقط بعامل الأرض، وأكثر من 50 ألف متفرج في المدرجات، والملايين أمام الشاشات في جميع أنحاء البلاد، ولكن أيضا بكتيبة من اللاعبين تجمع بين مهارات الشباب وبين خبرة الكبار بقيادة لويس فيغو، أفضل لاعب في العالم قبل ثلاث سنوات، والذي ربما يلعب البطولة الأوروبية الأخيرة له رفقة منتخب بلاده.

    

  

على الجانب الآخر، دخل لاعبو فريقي المقاتلون من أجل تحقيق معجزة كروية ربما ستظل عالقة ليس في تاريخ اليونان فقط، ولكن في تاريخ القارة العجوزة كلها، لا سيما ونحن قد فزنا من قبل على خصمنا البرتغالي في دور المجموعات بهدفين مقابل هدف وحيد، في أولى مفاجآت البطولة، ما زلت أتذكر هذا اللاعب ذا الـ 19 عاما، والذي ارتقى ليُحرز هدف أصحاب الأرض برأسية في الدقيقة الثالثة من الوقت بدل الضائع.(1)(2)

    

ما زلت أتذكر تلك المباراة العصيبة، ولا أستطيع نسيان الدقيقة 57، حينما تمكّن لاعبي المتألق في تلك البطولة من تسجيل هدف التقدم من رأسية تاريخية، والتي جاءت عكس سير المباراة وقتها، حيث اعتمدنا على خطتنا الدفاعية واللعب على المرتدات، في حين ضغط الخصم بكثافة كبيرة طوال المباراة، ومن حسن حظنا أنه لم يُفلح في التسجيل.(3)

  

هل تتذكّرون اسم هذا اللاعب؟ حسنا، الإجابة قد تبدو صعبة، وأنا أعلم ذلك جيدا، ولكني لا أشك في أنكم ما زلتم تتذكرون بكاء اللاعب صاحب القميص رقم 17 في المنتخب البرتغالي، والذي أصبح حاليا واحدا من أفضل لاعبي كرة القدم، الآن سأخبركم بتلك الإجابة الصعبة، اللاعب هو "أنخيلوس خاريستياس"، ونحن مَن أبكينا كريستيانو رونالدو في تلك الليلة.(4)

    

 

أنا أوتو ريهاغل

اسمي أوتو ريهاغل، وجئت اليوم لأحكي لكم قصتي التي ربما لا يعرف عنها الكثير شيئا؛ وُلدت يوم 9 أغسطس/آب، عام 1938، في ريف مدينة إيسن بألمانيا الغربية، ومنها بدأت قصتي مع كرة القدم من خلال فريق الشباب بنادي "TuS Helene Altenessen"، ثم صعدت إلى الفريق الأول عام 1957، واستمريت معهم لثلاثة مواسم.

  

بعدها انتقلت إلى فريق آخر من مسقط رأسي هناك، وهو فريق "روت فايس إيسن"، ومنها إلى البوندسليغا من بوابة "هيرتا برلين"، ولكن الفترة الأطول من مسيرتي كانت داخل أسوار "كايزرسلاوترن" منذ عام 1964 وحتى عام 1972؛ حيث لعبت 201 مباراة في الدوري، وأعتقد أني كنت مدافعا صلبا يصعب اجتيازه، وربما هذا ما انعكس عليّ أيضا كمدرب بعد ذلك.(5)

 

"القرارات التي أتخذها دائما صحيحة!".

(أوتو ريهاغل)

  

تلك المسيرة المتواضعة نسبيا لم تختلف كثيرا عن فترة بداياتي في مجال التدريب، والذي بدأ في العام التالي لاعتزالي مباشرة، وهنا أريد أن أكشف لكم عن سر عظيم؛ إذا أردت أن تكون مدربا كبيرا يوما ما، فالخطوة الأولى لذلك هي أن تثق بنفسك، تلك الثقة التي تحليت بها في كل تجاربي التدريبية القصيرة، وحتى لو تعرضت مثلي لأكبر هزيمة في تاريخ البوندسليغا، حينما هُزمت رفقة بروسيا دورتموند أمام بروسيا مونشنغلادباخ بـ 12 هدفا مقابل لا شيء في مباراة لم أستطع نسيانها حتى الآن.(6)

    

أوتو ريهاغل (رويترز)

   

الملك.. صانع المعجزات

صحيح أني خسرت بأكبر نتيجة في تاريخ الدوري المحلي، ولكني لم أتوقف عندها كثيرا، هل سمعتم عن فريق يُدعى دوسلدورف؟ أعتقد أن الأغلب لم يسمع هذا الاسم من قبل، ولو سمع عنه مؤخرا فمن المؤكد أن ذلك الفريق لم يكن معروفا وقتما حققت معه أول نجاح لي على المستوى التدريبي؛ لقب كأس ألمانيا عام 1980.

  

ولكن كعادتي في تلك الفترة من مسيرتي، فقد كنت أعشق التجارب القصيرة؛ لذا انتقلت الموسم التالي مباشرة لقيادة فيردر بريمن، ولكنها كانت الرحلة الأطول في مسيرتي حيث استمرت لمدة 14 عاما، استطاع فريقي فيها مناطحة بايرن ميونخ، أكبر أندية ألمانيا، بعدما كان يقبع في منتصف الجدول، حيث حقّقت الدوري مرتين، وكذلك الكأس والسوبر ثلاث مرات، بالإضافة إلى كأس الكؤوس الأوروبية، وكنت منافسا مباشرا للبافاري، حيث جاء الفريق وصيفا للدوري في 4 مناسبات، بالإضافة إلى مناسبتين في الكأس.(6)

  

بعد انتهاء رحلتي مع بريمن، كان من المنطقي أن يتواصل معي مسؤولو بايرن ميونخ، وكان من المنطقي أيضا أن أقبل هذا العرض. الانتقال إلى ميونخ يعني التعامل مع نجوم الصف الأول في ألمانيا، على عكس كل تجاربي السابقة التي يُعَدُّ الإنجاز فيها إعجازا، وبالفعل أطلقت عليّ الجماهير لقب "الملك أوتو"، ولكن كعادة الرياح التي تأتي بما لا تشتهي به السفن دائما فإن التجربة لم تكن على قدر التوقعات.

     

  

هل تتذكرون ما قلته منذ قليل عن أهم ميزة في تجربة البايرن؟ نعم، أني سأمتلك نجوم الصف الأول في ألمانيا، ولكن تلك النعمة انقلبت إلى نقمة وكانت سببا في مغادرتي النادي قبل نهائي بطولة كأس الكؤوس الأوروبية بـ 4 أيام فقط، والسبب الذي أعلنته الإدارة وقتها أني رجل ريفي لذا لم أستطع التعامل مع هؤلاء النجوم الذين وصل بهم الحال للهجوم عليّ علانية في الصحافة!

  

تجربة لا تقل قسوة عن تلك التي حدثت في دورتموند، ولكني ظللت محتفظا بسر نجاحي الذي قلته لكم من قبل، لم أتخلَّ عن ثقتي بنفسي وذهبت إلى دوري الدرجة الثانية مع الفريق الذي قضيت معه أطول فترة في مسيرتي كلاعب، كايزرسلاوترن، عدت إلى نقطة الصفر من جديد رفقة لاعبين شباب أُجيد التعامل معهم جيدا؛ لذا حققت لقب دوري الدرجة الثانية في أول موسم لي هناك وبفارق 10 نقاط كاملة.

  

ولم أكتفِ بهذا القدر من الإنجاز، لأني اعتدت على الإعجاز ولا أقل من ذلك، فحققت لقب البوندسليغا في أول موسم للفريق في الدوري، ولكي تكتمل الحبكة الدرامية لقصص الانتقام الشهيرة، فالموسم شهد تفوق الرجل الريفي على ناديه السابق بايرن ميونخ، رفقة لاعبيه الصغار بقيادة مايكل بلاك، ذهابا وإيابا.(7)

  

  

الملل الذي قادني إلى مجد اليونان

لم يتبقَّ في قصتي سوى الفصل الأخير منها، والذي يُعَدُّ مألوفا لكم بالطبع، ولكني أعلم أنكم غير مُلمين بكل تفاصيل هذا الفصل أيضا، كعادة قصص المجد هذه، لا يتذكر فيها الإنسان إلا اللقطة الأخيرة، بعيدا عن الدروب المتعرجة التي سار فيها أصحابه، متغلّبين على صعاب الطريق ومرار الانتظار.

 

حين وصلت إلى أثينا في صيف 2001، وجدت شعبا يعشق كرة القدم، وبلدا بلا تاريخ حافل في اللعبة، حيث كان آخر إنجاز حقيقي لهم هو الصعود إلى كأس العالم في أميركا عام 1994، حين خسروا مبارياتهم الثلاث في دور المجموعات وخرجوا دون تسجيل أي هدف. الأمر بدأ بشكل سيئ، حيث فشلنا في الصعود إلى كأس العالم 2002، وأنهينا التصفيات بفوزين فقط حققهما الفريق قبل مجيئي إلى هناك.

  

"أول شيء علّمنا إياه هو أن مصلحة الفريق الوطني تأتي أولا، وأي شيء آخر يأتي من بعدها، كان الأمر أشبه بالعائلة، نريد أن نضحي بكل ما نملك من أجل بعضنا بعضا".

(تاكيس فيساس، ظهير أيسر منتخب اليونان 2004)

   

   

نتيجة منطقية للغاية في ذلك الوقت، ولكنها جعلتني أُعيد التفكير فيما لديّ، فأنا لم أكن أملك لاعبين خارقين مثل دييغو مارادونا في الأرجنتين، أو الظاهرة رونالدو في البرازيل، أو بيتر شمايكل في الدنمارك، لذا قرّرت تغيير منظومة اللعب، فكل ما أستطيع أن أطالب به لاعبي فريقي حينها هو القتال، وليس أي شيء آخر، وبدأت في اختيار اللاعبين الذين يعملون معي من هذا المنطلق، والذين يستطيعون تقديم أقصى ما لديهم من عرق دون النظر إلى الإمكانيات الخارقة.(8)

  

وبالفعل نجحت خطتنا في الصعود إلى اليورو 2004، وبدأنا نأخذ الطريق خطوة تلو الأخرى، وفي كل مرة نجتاز فيها مباراة يزداد لديّ الأمل في إحداث معجزة تبدو قريبة للغاية، حتى وصلنا إلى نهائي البطولة، وقتها قلت للاعبين قبل المباراة لم نقطع كل هذا المشوار من أجل حصد المركز الثاني، نريد البطولة من أجل اليونان، فلم يكن لديهم خيار آخر، إما المعجزة وإما لا شيء.

  

في الوقت ذاته، بدأ الناس ينتقدون أداء فريقي، ووصفوه بالملل، حقيقة لم أهتم لتلك الآراء، لأني في النهاية أعلم جيدا أن هدفا واحدا كافٍ من أجل حصد النقاط الثلاث في المجموعات أو الصعود إلى الخطوة التالية في مرحلة خروج المغلوب، وأنا الآن بطل لليورو رفقة فريق لم يكن يتوقع أشد الناس تفاؤلا أن يفوز في مباراة واحدة على الأكثر، وهنا يظهر الدرس؛ إذا أردت أن تنجح فتعلّم كيف تغلق أذنيك.(9)

     

      

الدبلوماسي المعتزل

ظل هذا الفصل ممتدا قرابة 10 سنوات، حتى حانت تلك اللحظة التي لا يتمناها أحد؛ لحظة قراري بالرحيل عن شواطئ أثينا. الحقيقة أن هذا القرار اتخذته هناك في جنوب أفريقيا وليس في اليونان، وتحديدا عقب الهزيمة الأولى لنا من منتخب كوريا الجنوبية في بداية مشوارنا في كأس العالم، ما زلت أتذكر ذلك جيدا، لقد أخبرت اللاعبين بقراري وطالبتهم بأني أريد الخروج مرفوع الرأس، وذكّرتهم بتلك النجاحات التي حققناها معا، ولكن في النهاية خسرنا في مبارياتنا الثلاث، وعادوا إلى وطنهم خالي الوفاض، وعدت أنا إلى وطني محملا بالذكريات والحنين إلى هذا البلد.(10)

  

حبي لليونان، وحب الشعب اليوناني لي، جعلوني لا أتردد لحظة في القيام بدور دبلوماسي إبان الأزمة المالية التي ضربت الاتحاد الأوروبي، والتي اقترحت على إثرها المستشارة الألمانية "أنغيلا ميركل" بعض السياسات التقشفية لإنقاذ دول أوروبا؛ الأمر الذي ترتب عليه خروج العديد من المظاهرات في قبرص تُحمِّل "ميركل" مسؤولية الشروط الصارمة التي فرضتها الحكومة هناك، لذا طلبت مني أن أقود المفاوضات الدبلوماسية في ذلك الوقت؛ لتوضيح حقيقة الأمر، وتحسين صورة ألمانيا أمام الشعب اليوناني.(11)

  

"ألمانيا واليونان تربطهم علاقة صداقة وثقافة مشتركة، ومهما حدث، سيبقى اليونانيون أصدقاءنا، ونحن مطالبون دائما بمساعدة البلدان التي لا تمتلك قدرا كبيرا من الحظ".

(أوتو ريهاغل محدثا وزير السياحة اليوناني على هامش المفاوضات)

  

ختاما أصدقائي، فهذه كانت قصتي كاملة باستثناء فترة الـ 6 أشهر التي قضيتها عقب عودتي إلى التدريب في 2012 مع نادي هيرتا برلين، والتي شهدت إخفاقا كبيرا انتهى باحتلال الفريق المركز السادس عشر، وهبط إلى دوري الدرجة الثانية بعد الخسارة في مرحلة تصفيات خروج المغلوب، في أسوأ ختام ممكن لتلك القصة، لذا فأنا لم أحبذ ذكرها، ولو كان لديّ نصيحة أخيرة هنا لكم فهي ألّا تكونوا مثلي وتعلّموا كيفية الخروج من الباب الكبير.(12)

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

هل فكّرت بالعمل بأي مجال يتعلّق بالرياضة يوما ما؟ أو الخوض بمهنة التدريب؟.. نُقدِّم بهذا التقرير مجموعة من المساقات التعليمية المجانية عبر الإنترنت، والتي تُغطّي معظم فرص العمل بمجالات الرياضة.

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة