فتحي وعاشور وسليمان.. كم مليونا تكفي لتأمين مستقبل لاعب كرة القدم؟

"أعربت لجنة التخطيط للكرة برئاسة الكابتن محسن صالح عن تمنياتها بالتوفيق لأحمد فتحي لاعب الفريق الأول لكرة القدم مع نهاية الموسم الجاري"

بهذه الكلمات أعلن النادي الأهلي المصري عدم التجديد للاعبه أحمد فتحي، وانتهاء علاقة اللاعب بالفريق رسميا نهاية الموسم الجاري، جاء ذلك بعد دقائق من إعلان الأخير رحيله رسميا، بعد استخارة الله، رافعا الحرج عن مجلس إدارة النادي، وباحثا عن تحدٍّ جديد في مكان آخر حسب ما جاء به اللاعب في بيانه.

 

يبدو الأمر منطقيا للوهلة الأولى، مفاوضات تجديد عقد اللاعب لم تنجح، وبالتالي انتهت العلاقة بينهما، وبالتالي من حق اللاعب البحث عن مكان آخر، ومن حق الفريق البحث عن بديل، وهكذا انتهى الأمر، ولكن كواليس ما حدث هي أبعد ما يكون عن المنطق، وأقرب إلى اللا موضوعية.(1)(2)

 

لاعب في الـ 36 من عمره، اقترب من إنهاء مسيرته مع كرة القدم حسب ما ذكره في بيانه، لا يعتمد عليه الفريق بشكل أساسي، يطلب أن يكون الأعلى في رواتب الفريق، بل وعندما عرض عليه النادي أن يكون الأعلى في فئة اللاعبين المحليين، اعترض وطالب بالحصول على مليون دولار في الموسم الواحد ليتساوى مع التونسي علي معلول، ظهير أيسر الفريق، ليبقى السؤال هنا: كيف للاعب في نهاية مسيرته أن يكون الأعلى أجرا؟ وكيف لنادٍ يلعب في دوري بدون جمهور أن يكون مستعدا لدفع 12 مليون جنيه مصري لهذا اللاعب في الموسم الواحد؟(3)

مشاهد عبثية

بالنظر في ملف التجديد مع اللاعبين الكبار في الآونة الأخيرة في النادي الأهلي، نجد أن فتحي لا يُعَدُّ الحالة الوحيدة التي دفعتنا للتساؤل السابق، بل حسام عاشور صاحب الـ 34 هو الآخر طالب بالحصول على 20 مليون جنيه مصري خلال موسمين كنوع من التكريم له في نهاية مسيرته، وفي المقابل لن يقوم بافتعال أي مشكلة في حالة ابتعد عن المشاركة في المباريات أو التدريبات، لا سيما أن السويسري رينيه فايلر يرى أن الفريق ليس بحاجة إلى خدمات عاشور الموسم المقبل.(4)

 

عبثية المشهد نفسه تكرّرت بشكل أكبر هذه المرة مع وليد سليمان صاحب الـ 35 عاما، والذي لا يعتمد عليه المدرب السويسري منذ بداية الموسم الحالي، حيث أعلن النادي تجديد عقد اللاعب موسمين متتاليين براتب سنوي يصل إلى 11 مليونا ليكون في الفئة الأولى في رواتب الفريق بالنسبة للاعبين المصريين.(5)

 

وبالرجوع عدة خطوات إلى الخلف سنجد أيضا مشكلة عبد الله السعيد الشهيرة، والتي انتهت بانتقال اللاعب إلى نادي بيراميدز، تلك التصرفات الغريبة من اللاعبين والأندية مؤخرا في أمور التجديد هذه تتداخل مع عبثية رد فعل الجماهير، والتي صنّفت وليد سليمان مثلا كأحد أبناء النادي المخلصين لمجرد أنه قَبِلَ التجديد بهذا الراتب الضخم، ووضعت فتحي وعاشور ومن قبلهم عبد الله السعيد في القائمة السوداء لرفضهم التجديد وللرغبة نفسها في الحصول على أموال ضخمة.(6) لنجد أنفسنا حيارى أمام سبب تلك العبثية التي نعيشها مؤخرا في الكرة المصرية، هل هو اللاعب الذي يبحث عن الأموال بغض النظر عن أدائه وإنتاجه في هذه الفترة؟ أم النادي الذي يدفع تلك الرواتب للاعبين في نهاية مسيرتهم؟ أم الجمهور الذي لا تخضع مواقفه إلا إلى لون القميص الذي سيرتديه اللاعب فقط دون النظر إلى أي شيء آخر؟

وليد سليمان

صدِّق أو لا تُصدِّق!

تلك التساؤلات ستأخذنا بالتبعية إلى تساؤل آخر، ما المدهش في أن يحصل لاعب في الدوري المصري على راتب سنوي يصل إلى 11 أو 12 مليون جنيه مصري؟ للإجابة عن هذا السؤال علينا أن نُحوِّل نظرنا إلى الخارج قليلا، وتحديدا في الدوريات الأوروبية الكبرى من أجل استعراض بعض الأمثلة من اللاعبين الذين يحصلون على هذا الراتب أو أكثر قليلا سنويا!

 

أنسو فاتي، لاعب نادي برشلونة الشاب، يحصل سنويا على ما يعادل 17 مليون جنيه مصري، وبالمناسبة هذا هو الرقم الذي يتحصل عليه علي معلول في الأهلي، والذي طلب فتحي المساواة معه أثناء جلسات المفاوضات، وفي مانشستر سيتي في البريميرليغ يحصل الإنجليزي فيل فودين على راتب سنوي يعادل 12 مليون جنيه مصري، أيضا اللاعب الشاب لنادي ليستر سيتي ثالث البريميرليغ، هارفي بارنز، يحصل سنويا على 10 ملايين جنيه مصري فقط.(7)(8)(9)

 

ولو انتقلنا إلى بطل أوروبا الموسم الماضي فسنجد لاعبا مثل جو جوميز يحصل على راتب سنوي يعادل تقريبا 28 مليون جنيه سنويا، فيما يحصل زميلاه ترنت ألكساندر-أرنولد وأندرو روبرتسون على ما يقرب من 47 مليون جنيه، في إيطاليا، لاوتارو مارتينيز لاعب إنتر ميلان أيضا، والذي ارتبط اسمه بالانتقال إلى برشلونة الموسم القادم، يتقاضى سنويا ما يعادل 25 مليون جنيه مصري، وهو الرقم نفسه الذي يتقاضاه لاعب مثل عمر جابر في بيراميدز!(19)(20)(21)

 

بعيدا عن الفوارق الفنية، والتي لن نتطرق لها هنا، الأمر يدعو للجنون حقا عندما تعقد المقارنة الاقتصادية بين نادٍ يلعب في أكبر دوريات أوروبا بجمهور كامل العدد في كل مباراة، وحقوق بث تُقدَّر بأرقام قياسية وتزيد بشكل موسمي، ومكافآت فوز ببطولات قارية لا تُقارن بقارة أفريقيا مجتمعة، وبين أندية تلعب في دوري بدون جمهور لسنوات طويلة، وهذا هو الظاهر إلينا بشكل واضح، بالإضافة إلى الأرقام الأخرى التي لا يعلم عنها أحد شيئا، ولكن في أحسن الأحوال لن تعادل نظيرتها في أوروبا، والتي ينظر إليها القائمون على الكرة في مصر على أنها النموذج الأمثل في صناعة كرة القدم، والتي يجب أن نصل إليه.(10)(11)

لاعب كرة قدم أم علامة تجارية؟

لا شك أن لاعب كرة القدم له طبيعة خاصة في حياته، حيث إنه يُضحّي بمستقبله التعليمي وربما حياته كلها من أجل النجاح في هذا المجال فقط دون غيره، وليس خافيا علينا مئات التصريحات لأشهر اللاعبين الذين يُقرِّون بأن لو كان مصيرهم الفشل في كرة القدم فإنهم لا يعلمون ما سيكونون عليه في حياتهم العملية إطلاقا. الأمر يظل مخاطرة كبيرة حتى لو وصلت للعب في فِرَق الرديف لأكبر الأندية، لأن عقود تلك الفِرَق مثلا في إنجلترا لا تتجاوز الـ 300 جنيه إسترليني أسبوعيا، وهو ربع متوسط دخل الفرد في المملكة المتحدة بشكل عام.(12)

 

ولكن ماذا لو وقّع اللاعب نفسه على عقد في الفريق الأول لنادٍ مثل كارديف سيتي، واحد من الهابطين الثلاثة في البريميرليغ الموسم الماضي؟ سيحصل على متوسط راتب يصل إلى 20 ضعف متوسط راتب الفرد الإنجليزي، بالطبع تلك الرواتب ستتضاعف مع ارتفاع مستوى اللاعب وانتقاله إلى فِرَق أكبر من جهة، وفي الوقت نفسه ازدياد شعبية اللاعب ستفتح له بابا آخر للثراء عن طريق الإعلانات، ومَن يعلم يمكن أن يصبح كريستيانو رونالدو الجديد، وقتها سيربح في المنشور الدعائي الواحد من خلال ضغطة زر واحدة على وسائل التواصل الاجتماعي ما يقرب من مليون دولار!(13)

 

بالعودة إلى لاعب كرة القدم في مصر فالقاعدة لن تختلف بالطبع، قد تختلف الأرقام منطقيا، لا شك في ذلك، ولكن تبقى فرص تكوين الثروة للاعب واحدة في كل بلاد العالم، الأمر الذي يُرجعه البعض دائما إلى أننا نعيش عصر الاحتراف والرأسمالية البحتة، ومن حق اللاعب أن يبحث عن تحسين دخله، سواء داخل الملعب من خلال البحث عن أفضل عقد مادي له، أو من خلال الأبواب الأخرى مثل الإعلانات وغيرها، ونحن نتفق معهم في هذا المنطق، إذ نحن في عصر الاحتراف، وهو العامل الوحيد الذي يُحرِّك المنظومة الرياضية الآن، ولكن هل عصر الاحتراف وقانون الرأسمالية البحتة هذا ينص أيضا على أن يحصل لاعب كرة قدم في أقل مستوى له طوال مسيرته على أعلى راتب له في حياته لا لشيء سوى تأمين مستقبله، وبغض النظر عن حاجة الفريق إلى قدراته الفنية أم لا؟(16)(17)

كم مليونا تكفي لتأمين المستقبل؟

يتبقى لدينا سؤال بديهي من المفترض أنه يراود فكر الكثير منا الآن، ألا وهو: كيف يتحدد راتب لاعب كرة القدم بالأساس؟ إجابة هذا السؤال سنجدها في دراسة منشورة في "المجلة الدولية لعلوم الحاسب الآلي في الرياضة" بعنوان: "التقدير الحسابي لأجور لاعبي كرة القدم"، والتي اعتمدت على عدة عوامل مثل عمر اللاعب، وأدائه في الملعب، وإحصائيات اللاعب حسب مركزه في المستطيل الأخضر، فيما أشارت إلى عدة عوامل أخرى مثل جماهيرية اللاعب، وشخصيته، ومدى القبول الذي يحظى به خارج الملعب أيضا ولكنها لم تكن ضمن الدراسة.(14)

 

وبالتالي فإن النموذج المستخدم في تحديد أجور اللاعبين يعتمد على فكرة المنحنى الصاعد للاعب، حتى يصل هذا المنحنى إلى أعلى نقطة له، ومن ثم يهبط مرة أخرى، وبالمثل تماما القيمة السوقية للاعب في الانتقالات، وأيضا راتب اللاعب في العقود التي يُبرمها عبر مسيرته الكروية، مع اتفاقنا الكامل أن لكل قاعدة شواذ، والحالات التي تشذ عن هذه القاعدة في كرة القدم لا يختلف عليها اثنان نظرا للقيمة التسويقية المهولة التي يتمتع بها هؤلاء اللاعبون، والإمكانيات الفنية التي تصل إلى حد الإعجاز في بعض الأحيان، وفي الوقت نفسه ينحسر شذوذ هذه القاعدة في فِرَق تتمتع بموارد مالية كبيرة، والتي تورطت بالفعل في مخالفة قوانين اللعب النظيف في أوروبا مثل مانشستر سيتي مؤخرا.(15)

 

في المقابل، ما زال اللاعبون المصريون يُردِّدون "نظرية تأمين المستقبل" في كل جلسة تفاوض يجلس فيها اللاعب من أجل تجديد تعاقده مع فريقه، دون النظر إلى تلك العوامل المنطقية التي تعتمد عليها الأندية في تحديد رواتب لاعبيها، ليبقى السؤال الآن لهؤلاء: إذا كان حصولك على راتب سنوي مقداره 10 ملايين جنيه مصري فقط يعني أنك ستحصل على 170 ضعف متوسط دخل الأسرة المصرية سنويا، فكم مليونا إذن يكفي من أجل تأمين مستقبل لاعب كرة القدم؟

المصادر

  1.  بيان النادي الأهلي عن رحيل أحمد فتحي.
  2. بيان أحمد فتحي عن الرحيل عن الأهلي.
  3. نادر شوقي يكشف كواليس أزمة رحيل أحمد فتحي عن الأهلي ويكشف أخطاء الأهلي وفتحي.
  4. شوبير: في جلسة عاشور السرية مع الخطيب طلب 20 مليون جنيه للاعتزال.
  5. مجدي عبد الغني يفتح النار على الأهلي بسبب وليد سليمان.
  6. القصة الكاملة لساعات كادت تشعل فتيل الحرب.. الجانب الزملكاوي ومستقبل عبد الله السعيد.
  7. رواتب لاعبي نادي برشلونة.
  8. رواتب لاعبي نادي مانشستر سيتي.
  9. رواتب نادي ليستر سيتي.
  10. عاركني (38): لؤي فوزي.
  11. عضو الجبلاية يعدد مكاسب مشاركته في مؤتمر قمة كرة القدم.
  12. أنا لاعب ناشئ في أحد أندية البريميرليغ.. وهذه هي قصتي.
  13. اللاعبون كعلامات تجارية.. كيف غيّرت مواقع التواصل الاجتماعي كرة القدم؟
  14. دراسة: التقدير الحسابي لأجور لاعبي كرة القدم.
  15. مانشستر سيتي يستأنف ضد حظر دوري أبطال أوروبا لمدة عامين.
  16. فتحي: تركت الأهلي لتأمين مستقبل أولادي.
  17. جمال عبد الحميد: أحمد فتحي يبحث عن تأمين مستقبله.
  18. تفاصيل نتائج بحث الدخل والإنفاق للمصريين.. ارتفاع متوسط الدخل السنوى للأسر إلى 58.9 ألف جنيه.
  19. بالأرقام… راتب عمر جابر في بيراميدز.
  20. إنتر ميلان يجهز عقدا جديدا للوتارو مارتنيز خوفا من مانشستر سيتي وبرشلونة.
  21. رواتب نادي ليفربول الإنجليزي.

حول هذه القصة

بدت أتالانتا بمسابقات هذا الموسم كالجميلة التي تتراقص تحت المطر، عروض عظيمة ونتائج كبيرة عاش على أثرها جمهور الفريق ليالي رائعة، لكن يبدو أن بقدر السعادة يأتي الألم وربما أكثر.

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة