مدرجاتنا خاوية من قبل كورونا.. كيف عمّق الفيروس مأساة الكرة المصرية؟

ميدان – مدرجاتنا خاوية من قبل كورونا.. كيف عمّق الفيروس مأساة الكرة المصرية؟

أغلِق عينيك وتخيَّل المدرجات وهي خاوية، لا هتافات، لا غناء، لا شماريخ أو أدوات تشجيع، لا شيء على الإطلاق سوى الصمت المُميت، الصمت الذي يجعلك تُعيد حساباتك مجددا في مفاهيمك عن أكثر الأشياء رعبا على وجه الأرض. "لا يوجد مكان فارغ أكثر من ملعب فارغ"، كذلك قال إدواردو غاليانو في كتابه الشهير "كرة القدم بين الشمس والظل"، وهو وصف مثالي لحال شيء لم يعتد يوما على الوحدة. نعم، كانت المدرجات خاوية، وتلك المرة ليست في أحد بلداننا العربية، بل في أوروبا، وإذا سمحت لنا، استمر بغلق عينيك لأننا سنأخذك في جولة سريعة بملعب الميستايا في إسبانيا. (1)

    

"لا تُخيّب ظني يا فالنسيا"

في البدء هناك أمور يجب أن تعلمها، مثل أن فالنسيا مدينة جميلة، أجواؤها ساحرة ومثالية لمَن يريد زيارة إسبانيا، وطوال قرن من الزمان، التفّ سكان المدينة كلها حول ذلك الشعار البرتقالي الذي يعتليه خفاش ذو طلة غريبة قادرة على إرهاب أكبر عمالقة أوروبا، واستوطنوا ملعبا بقلب المدينة أطلقوا عليه اسم الميستايا، الذي اعتاد أسبوعيا أن يحتضن 55 ألفا من عاشقي النادي المخلصين لتشجيع ناديهم كلما لعب أمام الخصوم أيًّا كانوا في أجواء خاصة من الصعب أن تجدها في أي ملعب آخر.

    

جمهور ملعب الميستايا بأحد المباريات (رويترز)

   

حتى إن صحيفة التيليغراف منذ أربع سنوات كانت قد وصفت جمهور ملعب الميستايا بأنه "الجمهور الأكثر تطلُّبا في إسبانيا بأكملها والذي يتمتع بأجواء حماسية لا تُصدَّق عند تقديم الدعم لفريقه". ببساطة أجواء ذلك الملعب خيالية ولا يمكن أن تنساها بسهولة أبدا، لذا ستكون جولتنا هناك مثيرة حقا. (2)

   

لكن مع الأسف فإن اليوم هو يوم سيئ، لأن الملعب خالٍ كما ترى، وعلى الرغم من أن فالنسيا سيلعب اليوم أمام أتالانتا ويرغب في تعويض هزيمته في الذهاب برباعية، فإن تداعيات فيروس كورونا في العالم أجبرتنا على حضور مباراتنا الأولى على الميستايا، لكن بدون جمهوره، نعم، 55 ألف مقعد في تلك الليلة كانوا موطنا للا شيء، اللا شيء سوى الصمت والأشباح وبعض الطيور التي كانت بمنزلة الشاهد الوحيد على تلك المباراة التي سقط فيها فالنسيا برباعية أخرى.

      

    

"منذ الصغر بدأت في متابعتك، وشيئا فشيئا وقعت في حبك. عندما تلعب سأكون دوما بجانبك، لا تُخيّب ظني يا فالنسيا، فأنا لم أُخيّب ظنك أبدا".

(إحدى أهازيج جماهير فالنسيا لفريقهم)

   

كانت ليلة غريبة، كان بإمكاننا الاستماع إلى كل همهمة يُصدرها أي فرد موجود على الملعب في تلك الليلة، احتفالات اللاعبين، تعنيفهم لبعضهم بعضا، أو حتى اعتراضهم على حكم الساحة في قراراته، كل شيء كان واضحا لنا بدرجة لم نعتدها، ولكي نكون صادقين، فنحن لم نهتم أبدا أن نعرف ما الذي يقوله اللاعبون لبعضهم بعضا في الملعب، أو أي الكلمات التي يتفوّه بها كلا المديرين الفنيين لبعضهما، كل ما اعتدنا أن نصب اهتمامنا عليه هو ما يقوم به هؤلاء اللاعبون بأقدامهم في الملعب، أو أي الخطط التكتيكية التي لعبت بها المباراة، وبالطبع فوق كل ذلك، تلك الحالة الساحرة التي يُقدِّمها المشجعون بالمدرجات.

   

تلك الأجواء كانت حزينة، وبالرغم من أنها شهدت تسجيل سبعة أهداف كاملة وسوبر هاتريك للاعب أتالانتا إليسيتش، فإنها كانت تحمل في طياتها درجة من السوداوية أثارت معها تساؤلا سعى زميلنا تيم لويس من الغارديان لإجابته، ألا وهو: إلى أي مدى تصل قدرة الجمهور في التأثير على مستوى فريقهم عندما تكون المباراة على أرضه؟ هل خسر فالنسيا تلك المباراة فقط لأن مناصريه لم يكونوا موجودين في المباراة؟ وهل لو حدث ذلك السيناريو مع ليفربول مثلا سيفقد شراسته المعهودة فقط لأن جمهور الكوب لم يستطع الدخول وهناك فيروس ما منتشر في الخارج؟ ماذا لو حدث ذلك الأمر مع برشلونة مثلا؟ بروسيا دورتموند، أو أي فريق آخر اعتاد على اللعب في أجواء تخطف الأنظار من صنع أنصاره على ملعبه؟ (3)

   

الملعب خاليا من الجماهير في مباراة فالنسيا وأتلانتا (رويترز)

    

اللاعب رقم 12

لنكن صرحاء مع أنفسنا، تلك الأجواء الفارغة في ملعب المباراة ليست جديدة على أوروبا، فبعيدا عن تداعيات فيروس كورونا التي جعلتنا نعيش تلك الحالة، ففي الأساس فكرة حرمان فريق ما من أنصاره على ملعبه المراد منها هو عقاب الفريق لأنه ارتكب خطأ ما، ويعود تاريخ ذلك العُرف السائد إلى أوائل ثمانينيات القرن الماضي، عندما كانت فِرَق إنجلترا معروفا عنها القوة داخل البساط الأخضر، وخارجه كذلك.

   

بدأت القصة عندما كان يلعب ويست هام اللندني مع ريال مدريد الإسباني، أو بالأحرى؛ كان الفريق اللندني يُلاقي الفريق الرديف لريال مدريد ببطولة كأس الكؤوس الأوروبية على ملعب السانتياغو بيرنابيو، وكان الفريق الإنجليزي محتشدا بأنصاره هناك بالعاصمة مدريد آملين في الحصول على نتيجة جيدة أمام رديف الفريق الإسباني، لكن المفاجأة التي حدثت هي فوز ريال مدريد كاستيا في تلك المباراة بثلاثة أهداف مقابل هدف وحيد للإنجليز، ثم بعدها انقلب كل شيء.

 

لم يحتمل أنصار الفريق الإنجليزي الهزيمة، ربما لأنها كانت ثقيلة من ناحية، وربما لأنهم تعرّضوا لها على يد الفريق الثاني لريال مدريد، لا أحد يعلم السبب الحقيقي لتلك الشجارات التي دارت أثناء المباراة وبعدها، الأحداث التي استدعت طرد العشرات من الجمهور اللندني خارج الملعب، وهو ما أدّى إلى تصاعد تلك الأحداث خارج المدرجات ووفاة أحد هؤلاء المناصرين بعد أن صدمته حافلة!

 

كانت قرارات الاتحاد الأوروبي حينها تاريخية، وهي لعب مباراة العودة على ملعب أبتون بارك -معقل الفريق اللندني آنذاك- بدون جمهور، في سابقة لم تحدث من قبل في التاريخ! ولذلك توقّع الجميع أن ويستهام بدون أنصاره في تلك الليلة سيسقط مرة أخرى بهزيمة أثقل من تلك التي تعرّض لها في مباراة الذهاب بمدريد، لماذا؟ لأنه فقد 36000 مناصر بتلك الليلة كان بإمكانهم أن يصنعوا الفارق الذي يريده الفريق الإنجليزي في العبور، أليس ذلك هو المتعارف عليه؟

   

لعب مباراة العودة على ملعب أبتون بارك بدون جمهور (مواقع التواصل)

    

المهم أن ما حدث كان خياليا، فبحضور 262 فردا فقط إلى ملعب المباراة في تلك الليلة، بعد احتساب اللاعبين والأجهزة الفنية والأطفال حاملي الكرات والموظفين ووسائل الإعلام، إلخ، استطاع الفريق اللندني أن يُعادل الكفة في الوقت الأصلي من المباراة بثلاثة أهداف لهدف مثل تلك النتيجة التي تلقّاها في مباراة الذهاب! نزيدك من الشعر بيتا؟ استطاع في الوقت الإضافي أن يُسجِّل هدفين آخرين وضمن صعوده للدور التالي من البطولة. قصة مماثلة حدثت بعد ذلك التاريخ بعامين عندما حُرم أستون فيلا من أنصاره في مباراته أمام بيشكتاش بعد أحداث شغب في بلجيكا بالموسم السابق، واستطاع الفريق اللندني أمام 187 متفرجا فقط أن يفوز بثلاثة أهداف لهدف، وقصص متفرقة مع إنتر ميلانو عندما اضطر للعب خلف الأبواب المغلقة عام 2005 في ثلاث مباريات من دوري أبطال أوروبا، واستطاع الفوز بهم جميعا!

   

كل ما سبق لا يعطينا إجابة واضحة عن مدى أهمية أنصار الفريق للفريق، لا توجد أرقام واضحة أو أدلة إحصائية ملموسة تجعلنا نجزم أن الجمهور له ذلك التأثير الضخم على أداء ناديه. نعم، هناك بعض الأبحاث التي توصل لها تيم لويس التي أفادت أن في 45% من المباريات التي تُقام على أرضية ملعب النادي يفوز بها الفريق، ويتعادل بـ 25% من المباريات الأخرى، لكن حسبما يرى تيم الأمر، فإن المشجعين دائما ما يرون أن صراخهم وتشجيعهم لفريقهم هو السبب الحقيقي في فوز ناديهم بالمباريات، لكن الواقع والتجربة كما رأينا تقول إن الجمهور لم يكن يملك تلك الأهمية التي يزعمها لنفسه.

   

عصر ما قبل كورونا

(يُرجى تشغيل ذلك المقطع قبل وأثناء وبعد قراءتك للأسطر القادمة)

   

     

"إذا حدث ورأينا بعض الجولات في الموسم تُقام خلف الأبواب المغلقة، فسيكون من المثير للاهتمام مشاهدتها، عبر شاشات التلفاز بالطبع وليس من مدرجات الملاعب. هل سيقوم الحكّام باتخاذ قرارات أفضل؟ هل ستنخفض شدة وحماس اللاعبين في الملعب بدون الجمهور؟"

(تيم لويس عبر مقاله في الغارديان)

    

نحن نعذر تيم، من كل قلوبنا، فرغم محاولات الرجل المستميتة لدحض فكرة أهمية الجمهور، فإنه يعتقد أنه لو استكمل ما تبقى من الموسم بشكل أو بآخر، فسيعيش الجمهور الأوروبي فترة استثنائية في تاريخه حيث سيتمكّن بسهولة من هدم ذلك الخيال الذي أوهم نفسه به. مسكين تيم، الرجل لم يستطع أن يعتاد مشهدا لم يره إلا في بضع مباريات ووصفه بالغريب، في حين أن ذلك الوضع الذي لم يعتده هو الشيء المعتاد هنا في بعض بلداننا العربية.

     

عبثية هي الحياة، أليس كذلك؟ أن تظل الجاني دوما في نظرهم رغم أنك في الحقيقة كنت الضحية طوال الوقت، أو أن تُحاكم بقضية لم تكن المدان بها من الأساس. أُقصي الجمهور المصري من المدرج، نعم، حُرمنا هنا في بلداننا العربية من تلك الأهازيج التي تستمع إليها الآن، وكل ذلك لماذا؟ لأن هناك شخصا آخر قام بقتل هؤلاء المحبين في قلب المكان الذي لطالما قام باحتضانهم، ليس مرة، بل مرتين. مجددا، كل ذلك لماذا؟ لا نملك تلك الإجابة للأسف. اعتادت أوروبا أن تحرم جمهورها من مباريات فريقه لظروف تأديبية كما أوضح تيم في الأسطر الماضية، بينما كُتب على الجماهير هنا أن تُعاقب وتُوجَّه إليها أصابع الاتهام طوال الوقت فقط لأنها قضت نحبها! وأصبح الوضع الذي يحاول تيم أن يتعايش معه ويُمنطق الأساليب التي تجعله يقوم بذلك أمرا واقعا اعتاد الجمهور المصري أن يعيشه طوال ثمانية أعوام.

      

مباراة بالدوري المصري الممتاز لعبت بدون متفرجين لأسباب أمنية (رويترز)

  

هل الجمهور لا يؤثر في مسار أحداث المباريات؟ حسنا، ربما يكون ذلك صحيحا. هل وجود الجمهور في الملعب مجرد أمر ثانوي غرضه تجميل الصورة وتسكين المدرجات بأي شيء غير الأشباح والطيور؟ ربما تيم يملك جزءا من الحق هنا، لكن ارجع معنا بالزمن سبعة أعوام سابقة، في اللحظة التي تُوِّج بها النادي الأهلي المصري بالبطولة الأفريقية للعام الثاني تواليا بدون جمهور في أغلب أوقات البطولتين، هذا يؤكد نظرة تيم بالطبع، ولكن أعِد مشاهدة اللقطة التي تَوجَّه فيها أبو تريكة ليقوم بتلك التحية الوداعية لجماهير النادي الأهلي في آخر مباراة له في مسيرته قبيل الاعتزال وأخبرني؛ هل بإمكانك تخيُّل تلك اللقطة مجددا بمدرجات خاوية؟ بإمكانك الامتناع عن الإجابة لأننا نعرفها سابقا.

   

"هناك تأثير غير عادي في أي حشد، وهو الذي نفتقده في مثل تلك الأوقات التي نعيشها. يمكن للحشود أن تُصدر ضوضاء لا يبدو أنها تأتي من شخص طبيعي، يمكنهم توليد الحرارة والمشاعر المشتركة والعواطف الجارفة التي تنتشر كالعدوى بينهم، الحشود الجماهيرية هي تعبير عن قوة الجنس البشري".

(بارني روناي – غارديان) (4) 

   

الآن بإمكانك أن تفتح عينيك من جديد لأننا سنودّع تيم وآراءه، وسنودّع ملعب الميستايا، والأبتون بارك، أستون فيلا وميلانو، وكل تلك المحطات التي ذهبنا إليها، لكننا لن نودّع تلك الأهازيج التي ما زلت تستمع إليها حتى اللحظة، دعنا نقل لتيم قبل توديعه إنه لا داعي أن يقضي كورونا على نصف البشرية كي يخوض تلك التجربة المثيرة حول مسألة التشجيع ودحض الثوابت التي يبحث عنها، لأنه يكفيه إلقاء نظرة خاطفة على بلداننا العربية وأحوالها في الأعوام الثمانية الماضية، والآن نُوجِّه كلامنا لك، حافظ على سلامتك ولا تخرج من المنزل كثيرا، ابقَ بعيدا عن الفيروس، ولا تنسَ أبدا أن الكرة للجماهير مهما حاولوا أن يخبروك عكس ذلك. الآن، وداعا.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

يعيش سيميوني أيامه الأخيرة بأتليتكو مدريد بعد سلسلة من النتائج المتراجعة كان آخرها الهزيمة بالديربي أمام ريال مدريد، فهل سيميوني هو المدرب الذي استغنى كليا عن الجمال وارتضى الفلسفة الدفاعية؟

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة