مكروه البوندسليغا.. هل ينقذ ديتمار هوب العالم من جائحة كورونا؟

ميدان – مكروه البوندسليغا.. هل يُنقذ ديتمار هوب العالم من جائحة كورونا؟

في واحدة من أشهر الحبكات الدرامية، تظهر إحدى الشخصيات التي يبدو عليها الشر، تحظى بكره جميع المشاهدين، حتى يقترب الفيلم من نهايته، ويتضح أخيرا أن ذلك الشرير هو مَن سيتولّى إنقاذ الجميع، لتنقلب الآية ويتضح للجمهور أنه قرأ المشهد بصورة خاطئة، ثم يتأثر الجميع ويصفق الحضور ويغادرون قاعة السينما مبتهجين من النهاية السعيدة.

 

قصة اليوم تشبه ذلك، بطلها ليس مشهورا، ولكنه سيصبح نجما عالميا بعد هذا الفيلم، وهو مكروه في بلده فقط، وبالكاد يعرف اسمه البعض حول العالم، وبعد أن كان ذكره حكرا على نادي كهوفنهايم الألماني، بات يقترن في عناوين صحفية بالرئيس الأميركي دونالد ترامب، وعناوين أخرى حول تخليص الكوكب من معضلة فيروس كورونا، إنه ديتمار هوب، هل تعرفه؟

  

سيرة ذاتية

قبل كل شيء، سيكون السؤال الأول مَن هو؟ والإجابة: إنه رجل في التاسعة والسبعين من عمره، مستثمر يُعَدُّ من أكبر أثرياء ألمانيا على الإطلاق. ماذا يعمل؟ مهندس شبكات، وبدأ مسيرته مع شركة البرمجيات المعروفة "IBM"، وفي نهاية التسعينيات، قام رفقة عدد من المهندسين الآخرين بتطوير برنامج "SAP" المختص في معالجة البيانات، واختتم ذلك بافتتاح شركته الخاصة، والتي أصبحت اليوم ثالث أكبر شركة برمجيات على مستوى العالم، بعد كلٍّ من مايكروسوفت وأوراكل. (1)

    

   

بعد سنوات تخلّى هوب عن إدارة الشركة، ولكنه ما زال يحتفظ بنسبة 5.2% من عوائد أسهمها، وإضافة إلى ذلك فالرجل يمتلك العديد من الشركات في مجال تطوير البرمجيات، ومؤخرا وسّع نشاطه الاستثماري ليشمل العديد من المجالات، حتى ذاع صيته كأبرز رجال الأعمال في أوروبا، وقرّر لاحقا دخول مجال الاستثمار الرياضي، الأمر الذي سنتركه لوقته كي لا نقطع تسلسل الأحداث. (2)

   

على مستوى العمل الخيري كان هوب حاضرا أيضا، حيث أنشأ عددا من المنظمات والمؤسسات الخيرية بقيمة 600 مليون يورو، تلك التي تعمل في العديد من مجالات الحياة ولا يقتصر نشاطها على توفير الطعام والمسكن فقط، حيث تُقدَّم من خلالها الخدمات التعليمية والصحية وكذلك تُتاح الفرص لممارسة الرياضة والفنون المختلفة، مركزا في ذلك بشكل رئيسي على مسقط رأسه في جنوب غرب ألمانيا.

   

علاقة هوب بالرياضة وكرة القدم ليست وليدة اللحظة، فقد كان الملياردير الألماني لاعبا في صفوف هوفنهايم في صغره ولكنه لم يكمل المسيرة، ومنذ بداية التسعينيات من القرن الماضي قدَّم الرجل دعما ماديا لفريقه، حتى قفز هوفنهايم من فئة الهواة إلى دوري الدرجة الثالثة. الأمور لم تنتهِ عند هذا الحد، فالرجل أراد أن يُعيد الفريق إلى البوندسليغا. (3)

  

استحوذ هوب على أسهم هوفنهايم عام 2000 ليتحوَّل إلى مالك لا مجرد داعم. في 2005 أعلن هوب أنه يعمل من أجل عودة هوفنهايم إلى البوندسليغا، ولهذا السبب تعاقد مع مدرب جديد، وهو المدير الرياضي الحالي للايبسيتش رالف رانغنيك، عملاق الكرة الألمانية الذي لا يحبه أحد، والذي سُرِدت قصته في تقرير سابق. وبالفعل نجح الرجل فيما جاء من أجله، حيث احتاج النادي إلى 3 سنوات فقط للترقي من دوري الدرجة الثالثة إلى البوندسليغا، ليبدأ فصل جديد من القصة. (4)

    

ديتمار هوب (رويترز)

    

وفقا للتقارير الصحفية فإن إجمالي الأموال التي ضخّها هوب لمساعدة ناديه وصل إلى 350 مليون يورو، من خلالها تعاقد هوفنهايم مع عدد من اللاعبين والمدربين، وبنى ملعبين خاصين بالنادي ومركز تدريبات كامل، حتى بات للنادي ميزانية خاصة، وبات قادرا على التكفُّل بمصاريفه دون تكفُّل كامل من الملياردير الذي قاد الرحلة منذ بداية التسعينيات وحتى يومنا هذا. إلى هنا تبدو القصة شائقة، السؤال الآن؛ لماذا يكرهونه إذن؟ (5)

  

الشرير في رواية أحدهم

كرة القدم الألمانية تختلف عن تلك الموجودة في بقية الدوريات الكبرى، من حيث الخضوع التام لنظام الاحتراف وحق المستثمرين في تملُّك الأندية. في البوندسليغا يجتمع الكل على كراهية ناديين فقط هما هوفنهايم ولايبسيتش؛ والسبب أنهما دخيلان على الساحة الكروية، والتي تحكمها قاعدة معروفة بـ "50+1" والتي تفرض على أي نادٍ أن تكون أكثرية المصوتين على قراراته من أعضائه، تلك التي تمنع أن يحصل مستثمر على حق تقرير مصير نادٍ بأكمله، ليظل مصير الأندية بين أيدي جماهيرها بصورة كبيرة. 

   

بالنسبة لهوفنهايم ولايبسيتش، فالأول بنى رحلته التصاعدية على أموال ملياردير، والثاني يعتبر كرة القدم نشاطا ثانويا من أجل الترويج لشركة المشروبات الشهيرة ريد بول، لذلك تتحول مباريات الناديين في مواجهة أي فريق آخر إلى معركة هوية، وفرصة من أجل توصيل صوت الجماهير إلى القائمين على اللعبة هناك بأنهم يرفضون وجود مثل هؤلاء، أو أشباه الأندية كما يحلو لهم تسميتها.

   

الهجوم تصاعد مؤخرا مع نجاح هوفنهايم ولايبسيتش في التقدم خطوات للأمام، مما سيفتح الباب أمام المزيد من المستثمرين لاقتحام عالم كرة القدم الألمانية، لذلك تريد الجماهير الحد من ذلك عن طريق الاحتجاجات المستمرة، لكي لا يسود هذا النموذج وتخضع كرة القدم إلى الرأسمالية بمرور الوقت وتزايد عدد التجارب الناجحة، ويصبح البوندسليغا مشابها للبريميرليغ كدوري عالمي يُلعب فقط على أرض ألمانيا. (7)

     

  

في أواخر فبراير/شباط من العام الحالي، توقفت مباراة بايرن ميونخ أمام هوفنهايم بسبب تصاعد وتيرة هجوم جماهير أليانز آرينا على ديتمار هوب، حيث وجَّهوا عبارات بذيئة له ولوالدته، الأمر الذي أثار غضب اللاعبين ومدرب الفريق البافاري نفسه هانز فليك، والذي كان قد عمل مع هوفنهايم لفترة بين عامي 2000 و2005، ليطلب من لاعبيه ترك أرضية الملعب، ويوقف الحكم المباراة، في الوقت الذي طالب فيه لاعبو الفريق البافاري جماهيرهم بالتوقف عن تلك الهتافات وإزالة اللافتات المسيئة. (8)

  

المباراة عادت لتُستكمل بطريقة غريبة، حيث وقف لاعبو الفريقين في منتصف الملعب وأخذوا يمررون الكرة بينهم حتى صافرة النهاية، وبعد المباراة خرج رومينيغه وحسن صالح حميدزيتش ليصفا ما حدث بالعار على كرة القدم، ويرد هوب نفسه بأنه لا يفهم ماذا يريد هؤلاء الحمقى منه، ولماذا يحظر عليه الذهاب إلى الملعب لمتابعة فريقه بسبب معاداة الجماهير غير المفهومة له. (9)

  

بعد هذه المباراة تصاعدت وتيرة اللافتات المسيئة والأكثر بذاءة، وفي أكثر من واقعة مشابهة، كرّرت جماهير دورتموند وشالكة وفرايبورغ الأمر، لتشمل لافتات الغضب الاتحاد الألماني لكرة القدم نفسه، والذي قد اتخذ قرارا في وقت سابق بمنع مشجعي دورتموند من دخول ملعب هوفنهايم لـ 3 مباريات بسبب لافتاتهم المسيئة لهوب، الأمر الذي رفضته جماهير البوندسليغا رفضا قاطعا، هو وكل أشكال العقاب الجماعي للمشجعين. (10)

   

الجماهير أيضا اعتبرت ذلك جزءا من تحكم رأس المال في كرة القدم، حيث إنهم يعتقدون أن قرارات تعسفية كتلك لم تكن لتصدر في حال لم يكن ديتمار هوب هو الضحية، وذلك استنادا إلى أن الاتحاد الألماني قد أصدر قرارا في 2017 يُفيد بأنه لم يَعُد يرغب في اتخاذ قرارات بإيقاف المشجعين عن حضور المباريات، الأمر الذي يؤكد بالنسبة لهم أن ما حدث كان استثنائيا فقط من أجل إرضاء هوفنهايم ورئيسه الملياردير. (11)

     

   

نحو إنقاذ الكوكب

بعد واقعة اللافتات المسيئة وإيقاف مباراة بايرن ميونخ وهوفنهايم بأقل من شهر، توقفت كرة القدم تماما في ألمانيا وأغلب دول أوروبا والعالم بسبب تفشي فيروس كورونا، والذي أسفر عن إجراءات استثنائية صارمة، حيث دخلت بعض الدول في حجر صحي كامل وحظرت التجوال في شوارعها كإيطاليا، بينما اكتفت بعض الدول الأخرى بتعطيل كل الأنشطة التي يتطلب إجراؤها تجمعات بشرية، كمباريات كرة القدم والرياضة بشكل عام والحفلات الموسيقية وغيرها. (12)

  

وبعد شهر أيضا من تصدُّر ديتمار هوب عناوين الصحف بموجة من الكراهية والسباب، عاد الرجل نفسه ليتصدر العناوين بصورة مغايرة تماما. السبب هو أنه أعلن اقترابه من إيجاد علاج لفيروس كورونا الذي أودى بحياة الآلاف حول العالم، وذلك من خلال شركة كيورفاك الألمانية المتخصصة في إنتاج الأدوية والأمصال، والتي يملك حصة كبرى من أسهمها. (13)

     

محاولات شركة كيوفاك لإيجاد لقاح لفيروس كورونا (رويترز)

    

هوب قال إن اللقاح لن يكون متاحا قبل الخريف، وذلك لأنه يجب أن يخضع للاختبار والتجربة على الحيوانات أولا ثم على البشر، وبعدها يتم التأكد من فاعليته ويُطرح كلقاح مضاد للفيروس. حسب ما قاله رئيس هوفنهايم فإن الاختبارات ستتم من خلال معهد بول إرليخ الألماني والمتخصص باللقاحات، وستتطلّب هذه الإجراءات الانتظار حتى الخريف المقبل، والذي سيشهد الموجة الثانية من العدوى، حيث من المتوقع حسب الدراسات أن يكون الفيروس موسميا كالإنفلونزا. (14)

   

بالطبع الحديث عن لقاح مضاد لجائحة كورونا يهم كل سكان كوكب الأرض، لذلك اتسعت دائرة الاهتمام بديتمار هوب لتشمل الكوكب كله، ولم يَعُد ذكر اسمه حكرا على الجماهير الألمانية الغاضبة من رأسمالية كرة القدم، حيث إن الجميع أدرك في هذا الوقت أن هناك الكثير من الأشياء الأكثر أهمية من كرة القدم، والتي تستحق موجات الغضب تلك، خاصة أن هوب يُعَدُّ مساهما في مؤسسة بيل وميليندا جيتس، والتي تطور -بالتعاون مع شركته كيورفاك- عددا من اللقاحات ضد جميع الأوبئة المعدية، وكذلك تطوير علاج السرطان والأمراض النادرة. (15)

  

في حال صدق الرجل، وأثبتت التجارب فاعلية اللقاح وطُرح للاستخدام وساهم في القضاء على الفيروس، فإنه من العبث أن يستمر المشهد الغاضب ضده فقط لأنه يضخ أمواله لخدمة نادٍ يحبه، خاصة أن كرة القدم قد خضعت بصورة كلية تقريبا للرأسمالية، ولم يَعُد هناك مبرر للتمسك بمثل هذه الشعارات لأنها باتت مجرد شعارات بالفعل، وفي 2020، أصبحت الصورة مغايرة لتلك التي كانت عليها في الماضي، حيث كانت كرة القدم ملاذا للفقراء وعنوانا للولاء والانتماء. الحديث عن مثل هذه الأشياء في أوروبا اليوم بات كوميديا، لكن الألمان لديهم بعض القناعات التي ترفض التأقلم مع الواقع وتغيراته. المهم أن فصلا جديدا من القصة التي لن تنتهي قريبا على ما يبدو قد احتوى على اسم الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فما الأمر؟ (16)

    

   

في مواجهة ترامب

في هذه النقطة ظهرت القصة ثم ظهر النفي، وجميع المعلومات الواردة أتت من مصادر موثوقة، أو من المفترض أنها كذلك، لذا سنكتفي بعرض ما ورد إلينا فقط، ونترك الباب مفتوحا أمام احتمالية صحة أي منها. في البداية أعلنت صحيفة "welt as Sonntag" الألمانية أن شركة كيورفاك تلقّت عرضا من الحكومة الأميركية للحصول على حق التصرف في اللقاح مقابل مبالغ طائلة، الأمر الذي رفضته الشركة، وخرج وزير الاقتصاد الألماني ليرفضه بدوره، ووزير الداخلية كذلك ليؤكد الرفض. (17)(18)

  

"اللقاح قيد التطوير ليس للبيع، ولا يهدف لمساعدة الناس إقليميا فحسب، وإنما في كل أنحاء العالم. سأكون فخورا لو تحقق ذلك عن طريق استثماراتي في ألمانيا".

  

هكذا ردّ هوب على الشائعات، ليُنهي الجدل القائم حول ذلك الأمر بمساعدة مسؤولي الحكومة الألمانية الذين وقفوا في صفه، مؤكدين أن اللقاح لن يكون للبيع. بعدها بأيام، خرج مختبر شركة كيورفاك نفسه لينفي أن الشركة قد تلقّت من الأساس عرضا من الحكومة الأميركية والرئيس الأميركي دونالد ترامب من أجل الاستحواذ على اللقاح الجديد حصريا، مؤكدا أنه يرفض جميع مزاعم الصحافة حول ذلك الأمر. (19)

    

شركة كيورفاك (غيتي)

    

بالطبع هناك العديد من الاحتمالات تذهب إلى أنها لعبة صحافة، وأخرى تقول إنه كان هناك عرض بالفعل ولكن لهدف سياسي ما خرج مختبر الشركة لينفي الأمر كليا. الأكيد أنه لا أحد يعلم ما حدث في الساعات التي توسطت التقارير الصحفية والنفي الرسمي، ولكن منطقيا لن يصرح وزراء في الحكومة الألمانية بناء على شائعات ومعلومات غير مؤكدة، فضلا عن هوب نفسه الذي يملك نسبة من أسهم الشركة، تلك التي خرج مختبرها ليؤكد عدم تلقي أي شيء من الولايات المتحدة.

   

في النهاية، العالم اليوم لن يهتم بهذه الحرب مع ترامب، ولا الحرب الأولى التي كانت بين هوب وبين مشجعي الدوري الألماني. البشر أصبحوا أشبه بمجموعة من الأطفال الذين ينتظرون عودة الأم من السوق ومعها الطعام، كلما دق الباب أو سمعوا صوت خطوات في الخارج تركوا كل شيء وتوجّهوا مسرعين نحوها. هكذا هو الأمل، في كل مرة يخرج أحدهم ويُحدِّثنا عن لقاح نهرول إليه بالطريقة نفسها، فقط ما نخشاه هو أن نُسرع إلى الباب فنجد ذلك الشرير الذي يستغل غياب الأم لاقتحام المنزل كما في قصص الأطفال، نحن نحارب عدوا مجهولا ولن نحتمل هذه النهاية.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة