من الذاكرة.. عندما لقّن زيدان البرازيليين درسا في فنون الكرة!

كم حسدنا الأبطال الخارقين ونحن صغار بمنازلنا، نراقبهم وهم يُنقذون العالم ويستخدمون قواهم الخارقة غير المحدودة لإنقاذ البشرية من الأشرار، كم حسدنا سوبر مان، رجل مفتول العضلات ولديه شعاع ليزر يستطيع أن يقسم مَن لا يعجبه إلى نصفين، يستطيع أن يطير أفضل من الطيور، وأكثر وسامة من ديفيد بيكهام. كبرنا أكثر وبدأت تلك الصورة المثالية تنحسر بالتدريج من أمامنا، فالرجل يُنقذ العالم لكنه يواجه الخطر في سبيل حمايتنا، مفتول العضلات لكنه بالتأكيد يُرهق نفسه لفترات طويلة بصالات الجيم كي يصل إلى تلك البنية المثالية، يستطيع أن يُحلِّق طوال الوقت لكنه في الأغلب يكون وحيدا في السماء بلا رفيق يتحدث إليه ويشاركه. نعم، كثيرا ما حسدنا سوبر مان على قوته، لكن قليلا جدا ما أدركنا عمق مأساته.

استيقظ فيليب بارينو في صباح يوم لطيف بمدينة فرانكفورت الألمانية على صوت ما صادر من حاسوب صديقه دوغلاس غوردون الذي يشاطره غرفة بأحد الفنادق القريبة من ملعب كومرتسبانك أرينا في أحد أيام صيف عام 2006، وبالطبع استطاع بارينو أن يميز ذلك الصوت بسهولة لأنه كان الموسيقى التصويرية الخاصة بفيلمهما الوثائقي الصغير. ظل بارينو يحملق في سقف الغرفة كثيرا، يعاني من الصداع، لا يعلم بالضبط ما سببه، ربما لأنه ظل مستيقظا حتى ساعة متأخرة من الليل، أو لأنه يظل يشغل باله طوال الوقت بردود أفعال الجميع حول ذلك الفيلم الذي صدر قبل شهر من الآن، وعلى الجانب الآخر من الغرفة يجلس الفنان الإنجليزي دوغلاس غوردون ويبدو أنه مستيقظ منذ بضع ساعات بالفعل.

قام بارينو بتحية دوغ لكن الأخير لم ينتبه له، يبدو أنه منهمك في مشاهدته للفيلم، قام فيليب من فراشه وتوجّه إلى غوردون، تتابعت الموسيقى قرابة عشر دقائق، كل ذلك الوقت وبارينو أصبح منهمكا هو الآخر مع الفيلم مثل دوغ. الاثنان انفصلا عن العالم، نعم، مشاهدة زيدان عن قُرب وهو يلعب شيء رائع، لكن أن تضع زيدان في مباراة حقيقية و17 كاميرا من كل زوايا الملعب تصوّره، هو وحده فقط لا غير، كان الأمر بمنزلة الجنون، لكنه حدث في ذلك الفيلم الذي يتابعه فيل ودوغ الآن، والذي هو صنيعتهما وأُصدر قبل نحو شهر من الآن.

يظهر بطلنا الخارق، في الكادر طيلة الفيلم يتحرك يمينا ويسارا، يطلب الكرة، يركض كما لو أنه يُحارب من أجل البقاء. تتغير رؤيتنا للمباراة تلك المرة وأصبحنا نشاهدها من الكاميرا الرئيسية لنقل المباريات، كرة عرضية من خارج منطقة الجزاء يرسلها بيكهام من ناحية اليمين إلى زيدان في ناحية اليسار. يستلم الكرة زيدان، يحاول المراوغة لكن لا يعرف، فيخدع الجميع ويرسل كرة بالكعب رائعة إلى الظهير روبيرتو كارلوس تخطف صيحات الجمهور، بجانب صيحة أصدرها بارينو عندما شاهد تلك اللقطة.

ترتد الكرة وتذهب إلى زيدان مجددا، يستلم الكرة ويراوغ ثم يطلق تسديدة قوية تصطدم بمدافعي فياريال وتخرج خارج الملعب. يستمر زيدان في الحركة، المراقبة، يتحدث قليلا مع زملائه، يقف وحيدا أغلب الأوقات. يستمر زيدان في التحرك، يدور ويدور، لمساته للكرة قليلة للغاية، يظل زيدان وحيدا، ويعلو صوت الموسيقى أكثر فأكثر. تعود بنا زاوية التصوير من جديد إلى الكاميرا العلوية الرئيسية، يشتكي زيدان لراؤول من شيء ما، لا نعرف ما هو، يبتعد راؤول، ويتحرك زيدان للأمام، صوت الموسيقى يعلو أكثر، تبتعد الكرة عن منطقة جزاء فياريال، يعود زيدان إلى وحدته من جديد.

يُغلق دوغ الفيلم، ثم يبدأ الاثنان بالنظر إلى بعضهما بعضا في استغراب، يتذكّر دوغ أنه لم يُجِب تحية بارينو له عندما استيقظ: "صباح الخير، بارينو"، ثم يتذكّر الاثنان أن المباراة بقي لها ثلاث ساعات فقط، يرتديان ملابسهما، وعلى الرغم من أن بارينو فرنسي في الأساس فإنه لم يرتدِ قميص منتخب بلاده. يخرجان من الغرفة ليجدا نفسيهما في أرضية الملعب، أو هذا ما اعتقداه في بادئ الأمر، بسبب كل هؤلاء الأشخاص الذين يرتدون قمصان البرازيل وقمصان المنتخب الفرنسي، شخص يمر بجوارهما يرتدي قناع رونالدينيو، الآخر يرتدي قناع زيدان، تهيّأ لدوغ أنه رأى شخصا ما يشبه رونالدو الظاهرة مرّ بجواره، ثم يُعيد النظر إليه ليجد أنه مجرد شخص يشبهه قام بقص شعره على طريقة البرازيلي الشهيرة بمونديال 2002، كانت الأجواء غير عادية في الملعب، أو مهلا مهلا، إنه بهو الفندق ليس أكثر.

انطلق الثنائي إلى ملعب المباراة، الكومبرتسبانك أرينا، في أجواء غير عادية بالشوارع مماثلة لتلك التي اختبراها في الفندق، وعلى الرغم من أن ذلك الصخب المحيط كان لا يمكن تفاديه بسهولة، فإن ما شاهداه في غرفتهما ظلّ معلقا في رؤوسهما طوال الطريق، لقد شاهدا ذلك الفيلم لعدد كبير من المرات، لكن تلك المرة تحديدا، بتلك الموسيقى، وقبل ساعات قليلة من مباراة نجم الفيلم المصيرية أمام البرازيل بربع نهائي كأس العالم، كان لها سحر ما لا يعرفان مصدره، لم يتحدثا كثيرا طوال الطريق، ولا حتى عندما وصلا إلى مقعديهما بمدرجات الملعب.

كان الغرض من ذلك الفيلم في المقام الأول هو إظهار عظمة زيدان، إظهار طريقة تفكيره وتعبيراته طوال اللعبة، كيف يتحرك، كيف يلمس الكرة، كيف يُجهّز باطن قدمه لتمرير الكرة، وكيف يُعِدُّ وجه قدمه لإطلاق تسديدة، كان ذلك كل ما أرادوا استنباطه من الـ 17 كاميرا تلك التي أرسلوهم إلى السانتياغو بيرنابيو قبل عامين من الآن، لكن هنا في ألمانيا، ومع تلك الموسيقى، اتضح كمّ العزلة والوحدة التي يعيشها زيدان طيلة الفيلم؛ وجه عابس أغلب الأوقات، فم لا يتحدث كثيرا، وكادر لا يوجد به سوى زيدان وحيدا طوال ساعة ونصف كاملة. تحوَّل الأمر في أعين فيل ودوغ من مجرد فيلم عن حياة بطل رياضي إلى قضية فلسفية وأزمة درامية لا توجد كل يوم في دار السينما.

"أريد فقط أن أقول إنني سأعتزل كرة القدم بعد كأس العالم". تلك الكلمات هي ما جعلت فيل ودوغ يحضران هنا في تلك الليلة، في البدء كان الأمر بمنزلة رؤية أحد أبطال اللعبة الخارقين لمرة أخيرة لأنه لم يعد قادرا على تقديم المزيد، لأنه يريد أن يعتزل وهو في أفضل مستوى ممكن، لكن تحوَّل الأمر إلى أنها ربما تكون وداعية شخص سئم من الوحدة والعزلة التي يعاني منها داخل ذلك البساط الأخضر، ظلت تلك الأفكار تطارد فيل ودوغ طوال جلوسهما في المدرجات، ولم يقطعها سوى شيء واحد فقط، خروج اللاعبين من النفق.

درجات صغيرة كانت موجودة في مواجهة النفق المؤدي إلى أرضية الملعب، 10 دقائق متبقية قبيل انطلاق المباراة، ورجل أصلع يحمل الرقم 10 ويرتدي شارة زرقاء على ذراعه الأيسر، ممسكا في يده مسجل أغانٍ صغيرا، ويضع في رأسه سماعة ويجلس على إحدى درجات السلم، تخرج الموسيقى من رأسه لدرجة أننا استطعنا تمييزها، لم تكن أي موسيقى، إنها هي التي سمعناها في غرفة فيل ودوغ في البداية، إنها الموسيقى التصويرية للفيلم، أعضاء الفريق بدؤوا يتتابعون في الخروج واحدا تلو الآخر من غرفة تغيير الملابس، يضع زيدان مسجل الأغاني الخاص به في الغرفة ثم يعود إليهم من جديد. الآن زيدان جاهز، الآن زيدان مستعد ليحظى ببعض المرح.

"من المحتمل أن يكون هذا أفضل أداء له على الإطلاق في الأعوام الثمانية الماضية بأكملها"

              (كارلوس ألبيرتو بيريرا مدرب البرازيل عن تلك الليلة)

كان هناك سحر خاص في تلك الليلة يمكنك أن تشعر به في الأجواء، فيل ودوغ من الأعلى يراقبان ويشعران به أيضا، وفي 34 ثانية، تأكّدا من ذلك بالفعل، عندما أخذ زيدان الكرة وهو وسط كلٍّ من زي روبيرتو وريكاردو كاكا، ليضع الكرة من خلفهما بكعب قدمه وينطلق معها مبتعدا عنهما، ليجد أمامه غيلبرتو سيلفا محاولا أن يفهم ماذا يحدث، ليراوغه زيدان قبل أن يستوعب أي شيء، كان تحذيرا شديد اللهجة من زيدان في الدقيقة الأولى، وكان كل ما يحاول البرازيليون معرفته في تلك الليلة هو شيئا واحدا، كيف سيوقفون هذا الرجل؟

زيدان يركض في الملعب، زيدان يلمس الكرة، زيدان يمرر لزملائه، زيدان يُوقِّع على كل هجمة يصنعها المنتخب الفرنسي، زيدان يلعب بمثالية لم نرَ مثلها يوما، الموسيقى يظهر صوتها فجأة، إنها داخل عقل زيدان الآن. يستلم زيدان الكرة، ثم يمرر لزملائه، يعود لانعزال مثل الذي شاهدناه في فيلم فيل ودوغ، لكنه لا يطيل به لأن الكرة تعود له من جديد. يرتفع صوت الموسيقى أكثر، يلعب زيدان بالكرة آخر مباراة محتملة له، ويلعبها بشكل أفضل من المتوقَّع بكثير، الكرة الآن ناحية اليسار.

تقفز الكرة حائرة بين زيدان وكاكا، يضع زيدان جسده أمام كاكا ويعزله كليا عن الكرة، يستحوذ عليها بوجه قدمه اليمنى ثم يجعلها تقفز على فخذه الأيمن، ثم يمررها بيساره إلى زميله جالاس، يصرخ بارينو من المدرجات بسبب جمال تلك اللقطة. تعود الكرة من جديد إلى زيدان عبر مواطنه أبيدال، يقف زيدان أمام الظهير الأيمن كافو، انطلق أبيدال من خلف كافو بدون الكرة، سرعان ما قام زيدان بسحب الكرة بقدمه اليمنى إلى الخلف وفي اللحظة نفسها قام بإرسالها بيسراه إلى أبيدال. ذهب كافو مع الريح، ارتفع صوت الجماهير أكثر من صوت الموسيقى بكثير في تلك المرة.

كانت لمسة زيدان على الكرة في تلك الليلة بها قدر غريب من المتعة، على الرغم من بساطتها في أغلب الأوقات، وعلى الرغم من أنه كان يقوم بأشياء بسيطة وليست في غاية التعقيد مثل التي يفعلها رونالدينيو مثلا، لكنه كان يفعلها بهدوء وثبات انفعالي أضاف إلى لمساته رونقا لا مثيل له. والذي أضاف إلى الأمر برمّته متعة وجمالا أكثر بكثير من المعتاد لزيدان أن كل لمسة قام بها كان لها هدف ما في صالح فرنسا، كل حركة قدّمها كانت بمنزلة الرئة التي استغلها المنتخب الفرنسي لصنع هجماته في تلك الليلة، أبسط مثال على ذلك كان في الدقيقة الرابعة والأربعين من تلك المباراة، عندما ارتفع صوت الموسيقى مرة أخرى.

     

وقف زيدان يراقب هجمة البرازيل، الكرة الآن مع كافو الذي يمرّرها لرونالدينيو، رونالدينيو يعطيها مجددا لكافو الذي يرسل عرضية سرعان ما يشتتها جالاس، ترتد وتذهب لزيدان. يركض زيدان بالكرة مسرعا بهجمة مرتدة واعدة لفرنسا، مرّ لتوّه من أمام كاكا وجونينيو. الآن سقط أمامه لوسيو أرضا ثم يتجاوز جيلبرتو سيلفا بعدها في جزء من الثانية ويُسقطه أرضا هو الآخر. صاح بارينو ودوغلاس من أعلى في المدرجات وتفاعلا مع الكرة، البعض قال إنهم شاهدوا بارينو يذرف الدموع عندما رأى تلك اللقطة.

استمر زيدان في الركض لثانيتين ووصل إلى نصف الملعب قبل أن يرسل تمريرة لفييرا وضعته في موقف انفراد قبل أن يعرقله مدافع البرازيل جوان على حدود منطقة الجزاء. يركض زيدان مسرعا نحو حكم المباراة معترضا على تلك اللقطة التي أفسد بها جوان هجمة المنتخب الفرنسي الواعدة، الحكم لا يعيره انتباها ويعطي بطاقة صفراء لجوان، ضربة حرة في الدقيقة الأخيرة للمنتخب الفرنسي، على التنفيذ زيدان ومعه هنري، يُسدِّدها زيزو لترتطم بالحائط البشري، ومعها تنطلق صافرة حكم المباراة.

هدأ بارينو ودوغ قليلا مع نهاية الشوط الأول، كانت فرصة جيدة لالتقاط الأنفاس، "بارينو، أعلم أنه وقت غير ملائم لكن لديّ مفاجأة لك"، هكذا كسر دوغ أخيرا الصمت الذي دام طوال اليوم بين الثنائي.

– وما هو دوغ؟

= لقد استيقظت مبكرا صباح اليوم على هاتفي وهو يرن، كانت المكالمة من باريس، هنيئا صديقي، لقد ترشح فيلمنا الصغير لجائزة سيزار لأفضل فيلم وثائقي.

صمت بارينو وابتسم ابتسامة خفيفة، احتضن الاثنان بعضهما بعضا فرحين بذلك الإنجاز، ثم رد عليه بارينو قائلا:

-أوه، إنه أمر رائع، حقا رائع، دعنا نرَ إلى ماذا سينتهي ما يفعله بطلنا الخارق في الملعب اليوم، وبعدها نذهب لنحتفل أيًّا كانت النتيجة.

حينها عاد نظر الثنائي إلى الملعب، نزل الفريقان إلى البساط الأخضر من جديد وبدأ الشوط الثاني، كانت بداية الشوط هادئة على زيدان، أقل بكثير من نظيرتها في الشوط الأول، انعزل زيدان كثيرا عن رفاقه، أصبح يتحرك في كل مكان لكن الكرة لا تصل إليه، هكذا استمر الوضع لمدة عشر دقائق، كانت عزلة مشابهة لتلك التي رأيناها في الفيلم، لكن الغريب تلك المرة أن صوت الموسيقى الذي لازمنا طوال المدة الماضية لم يكن له وجود.

أخذ زيدان في التحرك حتى وصل إلى دائرة المنتصف، كانت الدقيقة الـ 55 تقريبا، حينها استلم زيدان فجأة كرة بالرأس من مواطنه فييرا، ارتطمت الكرة بالأرض وارتفعت بالهواء قليلا، قبل أن ترتفع مجددا متأثرة بقدم زيدان اليمني ولكن تلك المرة ليس فوق الأرض فقط، بل فوق الظاهرة رونالدو نفسه، ثم مرّر الكرة برأسه إلى أبيدال الذي مرّرها بدوره لمالودا والذي استطاع أن يكتسب مخالفة على قائد البرازيل كافو، وحينها ظهر صوت زيدان نفسه، لكن في عقله، بتلك الكلمات التي قالها لبارينو وغوردون عندما قابلهما قبيل تصوير الفيلم.

وقف زيدان على الكرة، ينظر بعينيه إلى رفاقه داخل منطقة الجزاء، فييرا وتورام بجوارهما كلٌّ من أبيدال وجالاس، مراقبين بستة لاعبين من الفريق البرازيلي، لتتفادى عرضية زيدان كل تلك الرؤوس والأقدام، والآن الصورة كالآتي: الكرة في الهواء، زيدان ينظر لها، يركض هنري خلف الجميع ويضعها بيمناه سريعة وقوية فوق الحارس البرازيلي ديدا، الجمهور الفرنسي ينهار فرحا والجميع في الملعب يركضون ويحتفلون، فيل ودوغ يحضنان بعضهما بعضا ويقفزان في أماكنهما مرددين كلمة واحدة: "زيزو.. زيزو" بدون توقُّف، وخلف كل تلك الفرحة العارمة، وقف زيدان وحده بعيدا عن تلك الجلبة الموجودة عند الطاقم الفني لمنتخبه، ينظر إليها وهو مبتسم، يشكر السماء ثم يعود إلى منتصف ملعبه.

"أستطيع أن أسمع شخصا يسعل، أستطيع أن أسمع شخصا يهمس في أذن صديقه الذي يجلس بجانبه، أستطيع أن أتخيل أنني أستمع لصوت دقات عقارب الساعة".

كانت مهمة المنتخب بعد ذلك في نصف الساعة المتبقية بسيطة للغاية، فقط اجعلوا الكرة بعيدة عن مرمى فرنسا، ومرّروا الكرة لزيدان وهو سيعرف ماذا يفعل، وهذا بالفعل ما حدث؛ زيدان يمرر الكرة وينقلها بين زملائه، زيدان يحافظ على الكرة بين قدميه، زيدان يقوم بالروليت ويراوغ بها ضحيته الكبرى الليلة غيلبرتو سيلفا، زيدان يصل بفرنسا إلى ما بعد الدقيقة تسعين إلى بر الأمان ويعبر بهم إلى نصف النهائي من البطولة، ويطيل مشواره في الملاعب مباراة أخرى إضافية، احتفل زيدان بهدوء مع رفاقه، وأثناء خروجه من الملعب تحدث إلى نفسه بتلك الكلمات التي أنهى بها حواره مع فيل ودوغ قبيل تصوير فيلمهما:

"عندما تكون داخل الملعب أنت لا تكون أبدا وحدك"

والآن نظر فيل إلى دوغ وهو يبكي قائلا: "حسنا صديقي غوردون، هنيئا لنا على ترشحنا إلى جائزة سيزار، لكن مع ذلك سحقا لها، لو كانت معنا 17 كاميرا اليوم لكنا حصلنا على الأوسكار ذاتها". ضحك الاثنان وخرجا من المدرجات وعادا إلى بلادهما، ثم تقابلا بعدها بأشهر بمسرح دو شاتلييه، لم يحصلا على جائزة يومها، لكنهما على الأقل تأكّدا من أمرين؛ أولهما أن ذلك ما رأوه في ليلة الأول من يوليو/تموز ربما يكون هو أفضل أداء فردي في تاريخ كأس العالم، وثانيهما أنهما تأكّدا أن خلال وجود زيدان في أرضية الملاعب طوال مسيرته لم يكن أبدا وحده.


حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة