منسيون على حافة الفقر.. نحو إعادة توزيع ثروات كرة القدم

ميدان - منسيون على حافة الفقر.. نحو إعادة توزيع ثروات كرة القدم

في نهايات مارس/آذار 2020، أعلن نادي يوفنتوس رسميا تعليق رواتب لاعبيه لمدة 4 أشهر، وتخفيضها فيما بعد بنسبة تصل إلى 15%، وذلك بعد الحصول على موافقتهم جميعا، وعلى رأسهم بالطبع كرستيانو رونالدو صاحب الراتب الأعلى، والذي سيصبح راتبه السنوي نحو 27 مليون يورو بدلا من 31 كان يتقاضاهم وفق العقد القديم. (1)

     

قد تبدو لك هذه المسألة تافهة للغاية في الوقت الذي يتعرّض فيه البشر حول العالم لمخاطر اقتصادية عملاقة، فضلا عن خسائر الأرواح، حيث إن الجميع يخشى من انهيار الاقتصاد العالمي، كأن يخسر أبناء الطبقات الفقيرة مصادر رزقهم، أو أن يموت البعض جوعا إن طالت الأزمة لأشهر قادمة. فما الشيء الذي يستحق التعاطف في تلك الملايين الأربعة التي سيخسرها رونالدو من راتبه؟

   

في الحقيقة الجانب المهم من هذا الخبر ليس ما سيخسره نجوم يوفنتوس، ولكنه السبب الذي دفع إدارة النادي للقيام بذلك، حيث إنها أرادت تعويض خسائر الميزانية الناتجة عن توقف النشاط، دون أن تقوم بتسريح الموظفين والعمال والناشئين بالنادي، ليتحمل الأثرياء بعضا من العبء كي لا يتحمله الكادحون كليا. وعلى ذكر الكادحين، تذكّر أن هناك آخرين على حافة الإفلاس والتشريد أيضا، ولكنهم لا يمتلكون كيانا بحجم يوفنتوس ليُنقذهم، هؤلاء الذين يلعبون في الدرجات الأدنى، مَن يمارسون كرة القدم في الظل. نعتقد أنك بدأت تُدرك الآن أن الأمر ليس تافها، وأن الحديث عن تلك الأزمة في هذا الوقت ليس رفاهية كما ظننت في البداية.

      

    

أين الأزمة؟

في الحقيقة ذكرت مئات التقارير خلال الأيام الماضية حجم الخسائر الاقتصادية التي ستتكبّدها كرة القدم نتيجة لهذا التوقف، ولأنها مجرد قطعة جلد منفوخ، نجد البعض يفرح بهذه الخسائر، وكأنه يتشفى في اللعبة التي أخذت أكبر من حجمها، والتي يحصل لاعبوها على ملايين لا يستحقونها، بينما يعاني الأطباء والمهندسون وأصحاب المهن الأهم من ظروف اقتصادية مضطربة، فضلا عن تعريض حياتهم للخطر وسط أجواء يهاجم فيها فيروس مجهول الكوكب كله. (2)

   

ولكن القصة لا تخص فقط أجور اللاعبين وحجم الإنفاق السنوي في الميركاتو، والأزمة الحقيقية التي ستعاني منها اللعبة لن تكون في خسارة رونالدو لـ 4 ملايين بينما يفقد ميسي ثلاثة أضعافهم، ولا في انخفاض القيمة التسويقية لنيمار وصلاح وفقدان ريال مدريد فرصة الحصول على مبابي. الكارثة الأولى هنا في الوسط المحيط بكرة القدم، حيث استغلال اهتمام وشعبية اللعبة لجلب العديد من الاستثمارات، تلك الأموال التي سيفقدها المعلنون والمستثمرون، والتي سيترتّب عليها فقدان العديدين لوظائفهم، هؤلاء الذين يعملون في مهن لا ترتبط بكرة القدم نفسها ولكنها تُبنى على الاستفادة من التجمعات البشرية الموجودة حولها.

   

الأزمة لا تتعلق بكرة القدم وحدها، بل بأي نشاط يتطلب إجراؤه تجمعات بشرية، وبالتالي فإن مجالات الاستثمار في العالم كله ستتقلّص، مما سيُقلِّص عدد الوظائف بالتبعية، وسيدفع الشركات وأصحاب الأموال الذين يعانون من خسائر بدورهم إلى تقليل حجم النفقات من خلال تسريح بعض العمال والموظفين، هؤلاء الذين لن يجدوا أماكن أخرى بديلة نظرا لأن الكوكب كله يعاني من الأمر ذاته. حتى الآن الحديث يبدو عاما، فماذا عن كرة القدم ذاتها؟

   

القصة الأولى معنا هي أن ذلك التسريح بدأ يضر اللاعبين أنفسهم، حيث قام نادي سيون السويسري بتسريح 9 لاعبين أبرزهم نجم برشلونة وأرسنال السابق ألكساندر سونغ ودجورو وسيدو دومبيا، هؤلاء اللاعبون رفض بعضهم وتجاهل بعضهم الآخر طلب رئيس النادي، والذي أرسل إليهم عبر واتساب اقتراحا بتخفيض الرواتب من أجل حل الأزمة الاقتصادية التي سبّبها توقف النشاط، ليغضب الرجل ويقرر إنهاء عقودهم بشكل مفاجئ. في الحقيقة كان هذا مجرد مثال، أما الحكاية بتفاصيلها فستبدأ الآن. (3)

     

    

كادحون في الظل

"أنا لست كرستيانو رونالدو، إذا خُفِّض راتبي فإن مالك منزلي سيُطالبني بالإيجار ولن أستطيع الدفع"

(ألبرتو بالياري، حارس مرمى سيتاديلا أحد أندية دوري الدرجة الثانية الإيطالي)

   

هذا التصريح الذي أطلقه حارس لا تعرف اسمه يلعب لنادٍ لا تهتم لمعرفة اسمه ينقلنا إلى زاوية أخرى، تلك التي تتعلّق بتخفيض أجور لاعبي كرة القدم، ولكن سيكون السؤال هنا حول مَن يجب أن تسري هذه القاعدة عليه؟ هل من المنطقي وضع نسبة 30% مثلا كقاعدة أصلا؟ وفي حال نجحت الأندية الكبرى في إنقاذ ميزانياتها من الانهيار من خلال ذلك، فماذا ستفعل الأندية التي يتقاضى لاعبوها ما يكفيهم بالكاد؟ من أين سيحصل هؤلاء على ما يكفلهم في حال توقّفت المسابقات التي لا يهتم العالم بأمرها؟ (4)

  

بالياري لم يكن وحده، حيث إن ذلك مجرد مثال على هؤلاء اللاعبين الذين ينشطون في دوريات الدرجة الثانية فما أسفل حول العالم، هؤلاء الذين لا تُعَدُّ مبارياتهم مجالا جاذبا للاستثمار، وبالتالي يتقاضون أموالا قليلة، ويعمل بعضهم في وظائف أخرى لأن راتبه من كرة القدم لا يكفيه، ويعتمد بعضهم على ناديه الصغير كأداة ربما تنقله إلى نادٍ آخر يؤمّن مستقبله، وعلى هذا الحلم الصغير يعيش لعله يصبح أحد مَن تُنصفهم الأقدار، ليتحاكى العالم بقصة كفاحه من القاع إلى القمة.

     

  

زوايا الموضوع المعقدة لم تنتهِ بعد، حيث إن هناك أندية أقل شأنا من سيتاديلا لا يمتلك لاعبوها عقودا ثابتة من الأساس، ويعتمدون على عدد المباريات التي يمارسونها كمصدر دخل، حيث تمنحهم الأندية مبلغا صغيرا مقابل كل مباراة يخوضونها، ومع إيقاف النشاط فإن هؤلاء اللاعبين سيصبحون بلا مأوى، حتى وإن التزموا بالتمارين الفردية في فترة الحجر الصحي، وبعدها ذهبوا إلى التدريبات مبكرا كل يوم. هؤلاء لا يمتلكون رفاهية الحصول على راتب في ظل التعرض لإصابة طويلة المدى، فما بالك بتعطُّل النشاط نهائيا؟

   

في هذا السياق يأتي نادي بارنت؛ أحد أندية الدرجات الدنيا في إنجلترا، حيث لاعبه جيورفي صاحب الأصول التونسية وأصدقاؤه الذين باتوا مطالبين بالبحث عن عمل بسبب المستقبل المجهول لكرة القدم. يتحدث جيورفي عن حاله المأساوي الذي سيتحوّل من خلاله إلى عامل بناء، بعد أن جلس يوما على دكة البدلاء أمام مودريتش ونجوم المنتخب الكرواتي في إحدى المباريات الودية لمنتخب بلاده، اليوم بات مطالبا بتوديع كل أحلامه تلك ونسيان قصص كفاح اللاعبين الذين أصبحوا نجوما بعد أن تحملوا عبء اللعب مع أندية صغيرة، ببساطة لأنه سيفقد الفرصة لممارسة كرة القدم حتى في الشوارع والأزقة! (5)

   

المؤلم هنا أنها ليست قصة لاعب أو اثنين، بل آلاف اللاعبين حول العالم، بالأحرى جميعهم عدا هؤلاء النجوم الذين يمتلكون أسماء رنانة. مالك نادي بارنت يتحدث عن بُعد جديد للأزمة، ولاحظ هنا أننا بمجرد الانتهاء من مأساة نجد أنفسنا أمام أخرى؛ حيث يقول الرجل إنه لا يشعر بالأسى تجاه اللاعبين الذين يمتلكون قدرا من الحماية، ولكن يتعاطف أكثر مع عمال النظافة وموظفي الاستقبال والتسويق الذين لن يجدوا بديلا في ظل الأوضاع الاقتصادية الحالكة، الأمر الذي يعود بنا إلى النقطة الأولى، حيث الحديث عن تأثر المجالات المحيطة باللعبة أكثر من اللعبة نفسها. (6)

      

   

شهادة وفاة أكاديميات الناشئين

هنا نحن لسنا بصدد الحديث عن الأندية الصغيرة والمهمشة، بل وعن بعض الأندية الكبرى والمتوسطة، حيث ستكون أكاديميات الناشئين للأندية الكبرى حول العالم أولى ضحايا الأزمة الاقتصادية، الموظفون الذين سيُسرَّحون من كشافي المواهب والقائمين على تلك الأكاديميات سيضعفون من عملها، لحظة، التخلص من الأكاديميات نفسها وتسريح لاعبيها سيكون أحد الحلول الذي ستلجأ إليه الأندية لتوفير النفقات. (7)

     

يعاني لاعبو الأكاديميات حول العالم في الأوضاع الطبيعية من التسريح بعد سنوات من ضياع الوقت والجهد على أمل اللعب مع الفريق الأول، الأمر الذي وصل ببعضهم إلى الانتحار والبعض الآخر ضاع مستقبله بين التشرد والإدمان، بعدما ترك التعليم وفرصة الحصول على شهادة تضمن له وظيفة مستقرة من أجل كرة القدم، وفي النهاية لم يحصل على أي شيء، وفي تقرير سابق بعنوان "أنا لاعب ناشئ في أحد أندية البريميرليغ.. وهذه هي قصتي" سُرِدت تفاصيل أكثر حول معاناة لاعبي الأكاديميات في إنجلترا خصوصا، كونها البلد الذي يضم أغلى دوري في العالم، وكيف يتقاضى بعض الناشئين في أندية كأرسنال وتشيلسي 300 باوند فقط أسبوعيا، ذلك في الأندية الكبرى، ناهيك بتلك الأقل حجما. (8)

  

كل ما سبق كان يحدث في الظروف العادية، فكيف تبدو الأمور في تلك الأوضاع التي تعاني فيها الأندية من خسائر اقتصادية؟ النتيجة ستكون ضياع أحلام آلاف المراهقين حول العالم في الحصول على رزق من كرة القدم، الأمر ليس نفسيا فقط، فنحن لم نعد بتلك الرفاهية، ولكن ماذا سيفعل من فقد كل شيء وهو يبلغ من العمر 18 عاما مع عالم منهار اقتصاديا؟ رحيم ستيرلينغ مثلا، ماذا لو سُرِّح في عمر 18 عاما بعد أن قضت والدته سنوات طويلة وهي تقوم بتنظيف دورات المياه لتوفير الأموال له أملا في أن يصبح لاعبا كبيرا؟ ماذا لو أن كل هذه الجهود ضاعت هباء ووجد نفسه بلا مأوى في عمر الثامنة عشرة؟ في الحقيقة المستقبل وفق هذا الوضع يشير إلى أن ذلك سيكون مصيرا متوقعا لآلاف الأُسر. (9)

    

رحيم ستيرلينغ (غيتي)
رحيم ستيرلينغ (غيتي)

   

هذه ليست مجرد توقعات، بل إن نادي دروغيدا يونايتد والعديد من أندية أيرلندا الشمالية وبلدان شمال أوروبا بشكل عام قد لجأت بالفعل إلى تسريح أغلب الموظفين والناشئين كذلك، وكذلك أندية الدرجات الدنيا في بلدان أوروبا الكبرى، الأمر الذي حدث بعد أسبوعين أو ثلاثة فقط من إيقاف النشاط. اليوم وحسب التقارير الطبية فإن الإيقاف قد يمتد إلى ثلاثة أشهر قادمة، ولا أحد يعلم هل ستستمر الأمور إلى أكثر من ذلك أم لا، وهل ستعود المباريات بحضور جماهيري أم لا، كل ذلك يزيد من احتمالية اتساع رقعة الأندية التي ستلجأ إلى هذه الحلول، والتي ستتضمن بالطبع أندية كبرى كلما طال أمد التوقف، ولن يقتصر الأمر على الصغار والمهمشين فقط. (10)(11)

    

كان هذا هو التأثير المُنتظَر على اللاعبين المشردين، الآن علينا أن ننتقل إلى سؤال ماذا عن مستقبل الأندية نفسها؟ في الوقت الذي تُعَدُّ فيه قطاعات الناشئين حول العالم هي المصدر الرئيسي لإنتاج لاعبين مميزين. في حال اضطرت أندية العالم لغلق أكاديمياتها، فإن ذلك سينعكس على المواهب المُنتظَر ظهورها في المستقبل القريب، وبناء عليه، لن تجد الأندية هذه الوفرة من اللاعبين بعد 5 أو 10 سنوات، مما يُهدِّد مستقبل اللعبة ذاتها، وليس مستقبل أندية بعينها فقط.

   

إنسانية وأنانية

في الوقت الذي أعلن فيه ليونيل ميسي موافقة لاعبي برشلونة على خصم 70% من رواتبهم في فترة التوقف، حتى يضمنوا حصول العمال والموظفين على رواتبهم كاملة خلال هذه الفترة، يأتي لوكاس بودولسكي بلافتة إنسانية أخرى حين أبدى استعداده لترك راتبه كاملا تحت تصرف نادي أنطاليا سبور -فريقه الحالي- ليذهب إلى موظفي النادي الذين أصبحوا بلا عمل، وذلك لكي لا يُسرَّحوا مع استمرار التوقف. (12)(13)

   

المبادرة هنا جاءت من اللاعبين أنفسهم، بدافع إنساني، لاعبو برشلونة وافقوا على اقتراح يحرمهم من ثلثي رواتبهم، بينما بودولسكي لم ينتظر اقتراحا أصلا حتى يعرض التنازل، فقط لأن فقدانه للراتب لن يجعله يعاني بالدرجة نفسها التي سيعاني بها ذلك العامل بدون راتبه. الأمر يحتاج إلى مستوى إنساني عالٍ بالطبع، إيثار الآخرين بتلك الطريقة في لحظات انتظار المجهول ليس سهلا على الإطلاق.

     

  

في السياق ذاته، أعلن المدير الرياضي لنادي بوروسيا مونشنغلادباخ الألماني أن لاعبي الفريق على استعداد للتنازل عن رواتبهم أو نسبة كبيرة منها من أجل العمال والموظفين الذين توقف عملهم بسبب تعليق النشاط، مؤكدا أن هذه الخطوة جاءت بشكل تطوعي منهم بمجرد علمهم أن هناك مهددين بفقدان مصدر دخلهم الوحيد في الوقت الحالي داخل النادي. (14)

   

البعض يظن أن التبرع للمستشفيات هو الدور الإيجابي الوحيد الذي يمكن للاعبين اتخاذه لمحاربة الآثار السلبية للوباء، ولكن بالنظر إلى تلك المعادلة فإن العديد من الأشخاص المحسوبين على المؤسسة نفسها يبدون في قارب واحد، كلهم يخضعون للميزانية نفسها التي يضعها النادي، ولكن الفارق أن البعض يحصد عشرات الملايين في مقابل أن البعض لا يمتلك عقدا أصلا، ومُعرَّض للتسريح في أي وقت، ويحتاج إلى تنازل أصحاب الملايين حتى توضع الأزمة على كاهل مَن يستطيع تحملها، وحتى لا يعاني البعض بينما يتصارع الآخرون على المزيد من الأصفار في خانة الراتب.

   

في تلك الحالات المذكورة جاء الأمر طواعية، ولكن في حال رفض بعض اللاعبين ذلك ستحكم الرأسمالية بطبيعة الحال، وسيقوم النادي بتسريح العامل والموظف الذي لا يدرّ له أرباحا على عكس اللاعبين، كما هو الحال في إنجلترا، حيث إن أغلب لاعبي البريميرليغ لم يتخذوا بعد خطوة تخفيض الرواتب، حيث توقف الأمر عند الاحتمالات فقط، بل إن دانييل ليفي رئيس نادي توتنهام قرّر تسريح 550 موظفا بشكل مؤقت، مع خفض رواتبهم بنسبة 20%، في ظل حصول جوزيه مورينيو وجميع لاعبي الفريق على رواتبهم كاملة. صحيح أن الرجل أعلن تأجيل اتخاذ الخطوة، ولكن بالنسبة لليفي، هل تظن أنها لن تحدث؟ (15)

   

ليفي استغل القانون الحكومي الذي أصدرته إنجلترا مؤخرا، والذي يقضي بدفع 80% فقط من رواتب الموظفين الذين سيُسرَّحون مؤقتا بسبب فيروس كورونا، بشرط أن يتجاوز راتبهم 2500 باوند شهريا. كان ذلك بالنسبة للموظفين، أما عن اللاعبين فكم 2500 باوند يتضمّنهم راتب هاري كين أو أيٍّ من زملائه؟ بالطبع هذا السؤال في حال وُجِّه لأحد اللاعبين لعقد مقارنة بين ثروته وثروة مُلّاك أحد الأندية، وهنا يظهر بُعد جديد. (16)

       

   

هرم الثراء

الأمر بسيط للغاية، جميع الكادحين وأصحاب الرواتب المتوسطة ينظرون إلى الأعلى فيجدون لاعبي كرة القدم؛ مَن يتقاضون مئات الآلاف أسبوعيا. لكن بمجرد الوصول إلى هؤلاء اللاعبين تجد نفسك أسفل قاعدة هرم الثراء، ذلك الذي يتضمن المُلّاك في الدرجات الأعلى منه، وهذا هو البُعد الآخر، والذي أشار إليه كيران ماغواير الخبير المالي في شؤون كرة القدم. (17)

   

ويعتبر ماغواير ذلك استغلالا لكرة القدم حسب ما قاله في حديث لوكالة فرانس برس، نظرا لأن الجميع يتحدث عن رواتب اللاعبين، وتطالب مختلف الهيئات بتخفيضها، ولا تُوجَّه الانتقادات نفسها إلى الصناعة المصرفية مثلا، ولا ضد المحامين الذين يتقاضون 10 آلاف باوند يوميا، ولا يُنظر إلى الأموال التي تُهرَّب إلى حسابات خارجية للتحايل على قوانين الضرائب. (18)

   

لم ننتهِ بعد، لأنه وفقا لقائمة وضعتها صحيفة صنداي تايمز البريطانية لأكثر رجال إنجلترا ثراء، ارتفعت ثروة مالك توتنهام جو لويس بنهاية العام الماضي إلى 4.4 مليار باوند. بالطبع قد طرأ إلى ذهنك الآن تساؤل حول دور دانييل ليفي الذي كنت تظنه مالك النادي، نظرا لظهوره الدائم في الواجهة، ولكن المفاجأة أن ليفي هو مجرد رئيس وليس مالكا، وأن المالك الحقيقي والمذكور اسمه يقيم في جزر الباهاماس، والتي تعتبر ملجأ المتهربين ضريبيا من رجال الأعمال. حاولنا أن نُحسن الظن ونفسر وجوده هناك بالبحث عن راحة البال ولكننا مع الأسف لم نستطع. (19)

      

مالك توتنهام هوتسبر جو لويس (يسار) (رويترز)
مالك توتنهام هوتسبر جو لويس (يسار) (رويترز)

  

حول ذلك يقول ماغواير إنه من غير المنطقي أن يُترك صاحب الثروة التي تتخطى 4 مليارات وتُصوّب جميع السهام تجاه مهاجم الفريق هاري كين والذي ستنتهي مسيرته عندما يبلغ من العمر 35 عاما. رغم صحة هذه النظرية والتي تضع العشرات من علامات الاستفهام حول رجال الأعمال الذين تُقدَّر ثرواتهم بالمليارات، والذين يطالبون العمال والموظفين بكل تبجُّح أن يشاركوهم في تحمل الأزمة، فإنها تبدو قاصرة فيما يخص إعفاء اللاعبين تماما فقط لأن هناك مَن هم أكثر ثراء.

   

لماذا تبدو قاصرة؟ لأنه في حال لجأ إليها السيد جو لويس، فإنه سيُخبرنا أن هناك رجل الأعمال "س" والذي تبلغ ثروته 40 مليارا، لذلك سيكون هو الأولى بأن تُوجَّه إليه أسهم الانتقادات، وبهذه الطريقة سنظل نتبع السلسلة حتى نصل إلى أغنى رجال الكوكب، وسيكون هو وحده المطالب بتخصيص جزء من أمواله لمساعدة الكوكب. لذلك، من المُنتظَر إنسانيا أن تأتي المبادرة من أصحاب الأموال أنفسهم؛ اللاعبين والمُلّاك ورجال الأعمال، مَن يمتلك عشرات الملايين أو عشرات المليارات، عليهم أن يدركوا جميعا أن هذه المبالغ الزائدة عن حاجتهم كافية لإنقاذ مستقبل آلاف العائلات من التشريد، وأن عليهم مراجعة أرصدتهم البنكية قبل مطالبة الكادحين بتحمل الأعباء رفقتهم.

      

   

نحو توزيع عادل للثروات

في تقرير سابق بعنوان "كورونا يغرق اللعبة الشعبية الأولى.. هل تغيّرت كرة القدم بلا رجعة؟"، استُعرِضت الخسائر التي ستتكبّدها كرة القدم من وراء فيروس كورونا، خلال التقرير تم توضيح كيف ستتأثر جميع جوانب اللعبة بالأمر، جميع الأندية ستخسر، ولكننا الآن لم نَعُد نتحدث فقط عن الخسائر، نحن أمام فرضية إفلاس 19 ناديا من أصل 36 ناديا ألمانيا بحلول نهاية مايو/أيار المقبل حسب ترانسفيرماركت، ذلك سيحدث بعد أقل من 6 أسابيع فقط من إيقاف المسابقات، فماذا عما هو آت؟ وما الحل الآن لإيقاف هذه السلسلة؟ (20)(21)

   

في أواخر مارس/آذار الماضي، اجتمع أعضاء الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" عبر مكالمات الفيديو لـ 3 ساعات متواصلة، وذلك من أجل مناقشة الحلول التي يمكنها أن تُقلِّل من حجم الخسائر الاقتصادية الناتجة عن فترة توقف النشاط، بالأحرى من أجل محاولة تقليل أثرها قدر الإمكان، لأنه على الأرجح فإن حجم الأموال نفسها متعلّق بالفترة التي سينتهي فيها انتشار الفيروس بهذه الصورة المرعبة. (22)

     

وطالب الفيفا اللاعبين حول العالم بأن يستعدوا للتكيّف مع المستجدات الأخيرة التي ستطرأ على عالم اللعبة بسبب توابع تفشي فيروس كورونا، وتوصّل المجتمعون في النهاية إلى أن الجميع يجب عليه التكيّف مع الظروف الطارئة الحالية، من خلال عدد من المقترحات التي قد تتحوّل إلى قوانين في الأيام القليلة المقبلة. وسيطالب الفيفا اللاعبين على الأرجح بالتنازل عن 50% من قيمة أجورهم التي تنص عليها العقود الحالية، على أن يُجدَّد لمَن تنتهي عقودهم في الصيف المقبل لمدة عام يحصلون فيه على نصف الأجر فقط، تماما كما سيحصل جميع اللاعبين على نصف أجورهم وفقا لهذا القانون في حال صدر بالفعل.

    

الرئيس جياني إنفانتينو رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (رويترز)
الرئيس جياني إنفانتينو رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (رويترز)

  

سيكون هذا القانون سلاحا ذا حدين، حيث إنه لا يصلح للتطبيق بشكل عشوائي، بأن يتساوى فيه مَن يحصل على عشرات الملايين بمَن يجني ما يكفيه بالكاد، وألا يُطالب الجميع بأن يخسر نصف أجره سواء مَن يتقاضى 10 آلاف ومَن يتقاضى الرقم ذاته مضروبا في 1000، وهو ما يمكن تسميته بإعادة توزيع ثروات كرة القدم. كيف؟ بأن يخسر الأثرياء بعضا من الأموال ليحصل عليها الفقراء. لماذا؟ حتى لا يشردوا أو يفقدوا مصادر دخلهم. قانون اشتراكي بحت في مواجهة الرأسمالية، ولكنه ضروري في الوقت الحالي، ولا دخل له بصراعات اليمين واليسار، فهو يُمثِّل صراعا آخر للبعض، ولكنه صراع فقط للبقاء على قيد الحياة.

   

الأمر ليس صعبا، فقط عليك كمسؤول وضع بعض التفاصيل حول مَن ينطبق عليهم قانون التخفيض، بأن يكون هناك مبلغ محدد، مَن يتقاضى رقما أعلى منه سيخسر نصف راتبه أو نسبة منه. ذلك الأمر يبدو أنه قيد الدراسة بالفعل، حيث إن الاتحاد الدولي أشار خلال اجتماعه إلى رغبته في إنشاء ما يسمى بصندوق كرة القدم الاقتصادي، صندوق كبير تُجمع فيه مئات الملايين من اليوروهات، تلك الزائدة عن حاجة أصحاب الثروات الضخمة؛ ليتم من خلالها سد العجز الذي يُهدِّد بعض القطاعات والأندية الصغيرة. فقط رسالة قصيرة إلى الفيفا، رجاء لا تنسوا حديث ماغواير بخصوص ثروات مُلّاك الأندية. (23)

  

قبل أن تغادر، تذكّر أن الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم قرّر إلغاء جميع مسابقات الهواة، أي كل ما هو دون البريميرليغ والتشامبيونشيب ودوري الدرجة الثانية والثالثة، في الوقت الذي يبحث فيه بكل السبل لاستكمال مسابقات المحترفين. تذكّر أن ذلك سيكون قانونا عاما على الأرجح، بأنه في حال فُرِض ضرر جزئي على كرة القدم فسيُدهس هؤلاء القابعون في الظل ليستمتع أصحاب الأضواء باللعب تحت أضوائهم، قانون غابة سيُمنع فقط من خلال إما مبادرات وإما قوانين يمكنها أن تمد يد العون لهؤلاء، قد تُمد هذه اليد إما طواعية وإما كرها، إما بدافع إنساني وإما بقوة القانون. في النهاية ستتسع ذاكرة الإنسانية لمَن تطوع بمثل هذه الأفعال، بينما ستنسى مَن رفضها أولا قبل أن يُجبر عليها. (24)