كرة القدم والجائحة.. هل يحق لنا مطالبة اللاعبين بالتبرع؟

ميدان – كرة القدم والجائحة.. هل يحق لنا مطالبة اللاعبين بالتبرع؟

"إن كان هناك شيء قادر على قتل 10 ملايين شخص في العقود القليلة القادمة فمن المُرجَّح أن يكون فيروسا شديد العدوى، وليس الحرب… الميكروبات وليس الصواريخ. جزء من السبب وراء ذلك هو استثمار مبالغ ضخمة في التسليح النووي، بينما نستثمر القليل في مكافحة الأوبئة، لذلك نحن غير مستعدين للوباء القادم"(1)

    

الغريب أن هذه الكلمات التي يعود تاريخها إلى عام 2015 لم تصدر عن دجال أو مشعوذ، بل صدرت عن "بيل غيتس" مؤسس شركة مايكروسوفت، في حديثه على منصة "تيد" (TED)، حيث أضاف أيضا أن المكان الوحيد المستعد لمواجهة الجائحة هو هوليوود، حيث علماء الأوبئة الوسيمون المستعدون دائما لإنقاذ العالم. وبالفعل، ها نحن في عام 2020 نعيش هذا التوقُّع بحذافيره، ولأن حياتنا على المحك، ستتباين ردود أفعال الجميع حتى تتقاطع في لحظة ما مع كرة القدم.

     

  

من أجل النجاة معا

لا يمكن لأحد أن يتوقَّع ردود الأفعال التي تقودها غريزة البقاء، لا يمكن إطلاق أحكام مطلقة على الجميع، فكما نشاهد السيئ المدفوع بقلة الوعي والإهمال، سنشاهد الجيد المدفوع بفيض من المشاعر الإيجابية المغلّفة بشعور الفرد بالمسؤولية تجاه نفسه والآخرين.

  

سنشاهد البعض يقف في طابور منتظم، والبعض الآخر يصارع للوصول إلى السلع قبل نفادها، سنجد شركة مثل "لايف بوي" تُخبرك في نهاية الإعلان بأن غيرها من المنظفات سيكون جيدا أيضا للوقاية من فيروس كورونا، في الوقت الذي ترفع فيه الصيدلية المجاورة لمنزلك سعر زجاجات الكحول، سنجد "بيل غيتس"، كما سنجد نقيضه "نجيب ساويرس". لكن اطمئن، لأن كفة الإيجابيات كانت أرجح هذه المرة، الأمر الذي دفع قناة "فوكس" (Vox) على يوتيوب لعمل فيديو بعنوان "كورونا تُخرج أفضل ما فينا". (2) (3) (4)

    

اللحظة التي فرضت على الجميع الالتزام بمسافة معينة فيما بينهم كانت هي اللحظة نفسها التي جعلت التواصل الإنساني في أبهى صوره؛ زيارات عائلية خلف الزجاج، ومتطوعون لإيصال الطلبات والمساعدات للمنازل، وعازفون يملؤون الشرفات من أجل العزف لجيرانهم، من بينهم على سبيل المثال لا الحصر عازف الكمان الإيطالي "ألدو شيكيني" الذي لخّص الأمر بطريقة رائعة حينما قال: 

    

"لا يمكنني معالجة الناس، فأنا لست طبيبا. لكن يمكنني منحهم بعض الأمل، يمكنني جعلهم يطيرون معي إلى عالم مثالي، على الأقل لخمس دقائق في اليوم". (5)

    

  

لعلك مررت ببعض هذه المشاهد وأبديت إعجابك بهذا المستوى من الإنسانية، لكنك نسيت أن تسأل السؤال الأهم: إلى متى ستستمر هذه المشاعر الإيجابية في ظل أخبار يومية عن زيادة أعداد الإصابات والوفيات والمتضررين؟ عند لحظة معينة سيبدأ القلق بالتسلل إلى الناس، ومع طول المدة سيتحول تفكيرهم من الغناء والمشاركة إلى البحث عن المُقصِّر، ليس فقط الحكومة، ولكن كل مَن له القدرة على المساعدة. وفي أثناء هذه السلبية، سيكفيك تلميح بسيط لتُعيد النظر في دور لاعبي كرة القدم -مثلا- تجاه الأزمة.

  

نماذج سيئة

أتى ذلك التلميح مباشرة من وزير الصحة البريطاني "مات هانكوك" عندما طالب لاعبي البريميرليغ بلعب دورهم في مكافحة الجائحة، لتبدأ الأسئلة المعتادة في الظهور من جديد؛ لماذا يتقاضى اللاعبون كل هذه المبالغ؟ لماذا لا يتحمّلون معنا جزءا من أعباء الأزمة؟ الكثير من "لماذا"، والقليل من الإجابات.(6)

      

في خضم الأسئلة، ستبدأ فكرتك السوداء عن كرة القدم ولاعبيها بالتشكُّل تدريجيا، فقط عليك مراجعة الأحداث. الثنائي الإنجليزي، لاعب تشيلسي "ماسون ماونت" ولاعب ويستهام يونايتد "ديكلان رايس"، يخترقان الحجر الصحي من أجل لعب كرة القدم في أحد مراكز التدريب بالعاصمة الإنجليزية، رغم أن زميل الأول "هودسون أودوي" قد ثبتت إصابته بفيروس كورونا. (7)

  

لم يكن زميلهما "جاك غريليش" أفضل حالا عندما صدم بسيارته ثلاث سيارات دفعة واحدة، ليكتشف الجميع أنه كان عائدا من منزل صديقه، مخالفا قواعد الحجر الصحي المفروضة في البلاد. وما زاد من كوميدية الموقف أن لاعب أستون فيلا كان قد نشر مقطع فيديو في اليوم السابق يحث فيه الجميع على البقاء في المنزل من أجل الحفاظ على الأرواح. (8)

     

  

كل هذه تعتبر مخالفات عادية، حتى أتى ظهير مانشستر سيتي "كايل والكر" ليكسر الحظر برفقة أحد أصدقائه بدعوة فتاتي ليل إلى منزله من أجل قضاء السهرة. ولولا تقرير صحيفة "ذا صن" البريطانية الذي ذكر أيضا المبلغ المدفوع للفتاتين والمُقدَّر بـ 2200 جنيه إسترليني لم يكن أحد ليكتشف الواقعة، لأن "والكر" خرج للجماهير في اليوم التالي بفيديو لحثهم على اتباع التعليمات الخاصة بالحظر والوقاية. (9)

  

كل هذه النماذج السيئة التي تبادرت إلى ذهنك، ورغم اعتذار أصحابها، ساهمت بتشكيل صورة سوداء عن لاعبي كرة القدم بشكل عام، والإنجليز بشكل خاص، فهم يتقاضون كل هذه الملايين ولا يمكنهم حتى أن يكونوا نموذجا في الالتزام. لكن المشكلة أن وزير الصحة البريطاني لم يكن يقصد الدور التوعوي، بل كان يقصد الدعم المادي. وهنا يبدو الأمر أكثر منطقية بالنظر لحجم ثروات اللاعبين وعلاقتهم بالمشجعين، لتتأرجح مسألة تبرعهم بالأموال بين الاختيار والإجبار، منتجة مشهدا فوضويا غير متوقع. 

  

دائرة اللوم

كل طرف يلوم الآخر، المواطن يلوم الحكومة التي تبنّت "مناعة القطيع" في بداية الأزمة ثم تراجعت، ثم يشاهد الحكومة تستهدف لاعبي البريميرليغ ليتشاركا اللوم معا، وبالطبع سيحاول اللاعبون الرد وتوجيه اللوم لغيرهم، ليصبح المشهد أشبه بثلاثة شبان في سيارة يحملون قطعة حشيش وفي طريقهم إلى نقطة تفتيش تابعة للشرطة، كل واحد فيهم يلقي بالقطعة على الآخر بدلا من التفكير بهدوء للنجاة معا برميها خارج السيارة. (10) 

    

حاول "واين روني" تحسين صورة اللاعبين بتوضيح بعض البديهيات، مثل قصر مسيرتهم، واختلاف ظروف معيشة كلٍّ منهم، والتي تُحتّم عدم خضوعهم جميعا لنسبة موحدة عند خصم الرواتب، إلى جانب التلميح بالأعمال الخيرية التي يقوم بها القادرون منهم قبل فيروس كورونا، وبالتالي كان الأفضل الاحتفاظ بالنقاشات خلف الأبواب المغلقة حتى الخروج بقرار مناسب. (11)

  

لم يكن "روني" وحيدا في تبني وجهة النظر تلك، بل انضم إليه عدد من اللاعبين الحاليين والسابقين، على رأسهم "غاري لينيكر" و"غاري نيفيل"، وعدد من الصحفيين مثل "سيد لو"، الذي تهكّم على عدم تعامل الحكومة بالمثل مع أحد المتربّحين من البورصة على سبيل المثال. (12) (13)

    

    

لكي تكتمل عبثية المشهد، طرح لاعب ويستهام يونايتد السابق "دين أشتون"، في مقاله بصحيفة الغارديان، تساؤلا عن الضمان الذي يكفل للاعب ذهاب المخصوم من راتبه إلى دعم العاملين بالنادي أو المنظومة الصحية بالبلاد بدلا من ذهابها لجيب رئيس النادي. تساؤل مشروع، ويتوافق مع الأرقام التي وضّحها "روني"، حين قارن بين الـ 20 مليون باوند التي منحها البريميرليغ لوزارة الصحة وبين الـ 500 مليون باوند المتوقع توفيرها عند تخفيض الرواتب وفقا لما أعلنته رابطة اللاعبين المحترفين. (14) 

  

في رأيك، وبينما نعيش مسألة حياة أو موت، هل تهتم حقا بتتبع خيوط دائرة اللوم تلك؟ هل يهمك معرفة مَن على صواب ومَن على خطأ؟ مَن يريد التبرع حقا ومَن يريد صرف الأنظار عن أخطائه؟ إن كنت مهتما بترتيب هذه الفوضى، فعليك أن تُغيّر النظرة التي تنظر بها إلى كرة القدم والبريميرليغ، ولكي تتمكّن من ذلك، سوف نضعك داخل دائرة اللوم، بل وسوف نلومك بقدرهم أو يزيد.

   

إعادة نظر

لماذا قد نلوم المشجع؟ ببساطة بسبب العشم، العشم الذي جعله يُصدِّق أن اللاعب الذي صرّح ببذل أقصى جهده لإسعاد الجماهير سيتدخل لإنقاذ أرواحهم، فقط لأنه لم يذكر السبب الحقيقي لرغبته في الفوز، الحصول على مكافأة مالية. العشم الذي حوّل علاقة المستهلك بالبائع إلى علاقة عاطفية، رغم أنها علاقة منفعة من طرف واحد فقط، لأن اللاعب يحصل على المال مقابل منح المشجعين بعض المشاعر الإيجابية للحظات قصيرة. 

    

  

العشم الذي جعلك تتغاضى عن كل مظاهر الجشع والطمع، بما فيها تدخُّل السياسة بشكل مباشر في كرة القدم. والكرة الإنجليزية تحديدا تحمل هذه الصفات من مدة بعيدة، تعود تحديدا إلى عام 1983، حينما فتح "توتنهام هوتسبر" الباب أمام تحول الأندية إلى شركات عندما قرّر التحايل على المادة 34 من قوانين الاتحاد الإنجليزي. وفقا لكتاب "?The people’s Game"، نصّت المادة على تحديد نسبة الأرباح التي يحصل عليها المُلّاك بـ 15%، وهنا قرّر توتنهام إنشاء شركة تحمل اسم "Tottenham Hotspur plc"، وجعل نادي كرة القدم شركة فرعية تابعة لها، لا تخضع لقوانين الاتحاد. (15)

  

وفقا لما ذكره الصحفي "جوناثان ليو" في مقاله بالغارديان، قام تطور الكرة الإنجليزية على لحظة التحايل تلك، ومن وقتها أصبحت اليد العليا للغة المال والثروة. الغريب أن المشجعين تغاضوا عن ذلك، لأن كل واحد منهم انتظر أن تجلب الأموال لناديه المزيد من الصفقات. وبفضل هذا العشم تغافل أنه يتعامل مع شركة ستضع مصالحها فوق رغباته. حتى عندما وصلنا إلى جائحة كورونا، واحتاجت الجماهير إلى المساعدة، تأخرت ردود الأفعال، ووقعت كل هذه الفوضى. (16)

 

وكنتيجة منطقية، أتت قرارات توتنهام ونيوكاسل وليفربول -قبل أن يتراجع الأخير- بتحويل عدد من موظفي النادي إلى برنامج إعانة الحكومة، حيث تتحمل الدولة 80% من رواتبهم إن سُرِّحوا خلال فترة الحظر، على أن تتكفّل الأندية بالـ 20% المتبقية، لأن ما يهمهم هو لاعبو الفريق الأول الذين يجلبون المال. (17) (18) (19)

    

  

والعمل الآن؟ هل على المشجع الإنجليزي مقاطعة دوري بلاده؟ ليس بالضرورة، لأن اعتباره كمستهلِك يجعل له بعض الأهمية، وسيحرص البريميرليغ ولاعبوه على التحرك لإنقاذه، وهو ما حدث بالفعل، لأن بقاءه على قيد الحياة يعني المزيد من الأرباح لهم، وتبرعاتهم ستلمع صورتهم وقد تزيد شعبيتهم، وهذا للأسف هو السبب الذي سيدفعهم جميعا للاتفاق، مع الأخذ في الاعتبار سلامة النية للعديد منهم. (20)

  

وبما أننا قد وصلنا إلى النهاية، فأينما كان مكانك وأنت تقرأ هذه السطور، فعليك الخروج من مسرحية البريميرليغ، لتنظر إلى لاعبي واتحاد كرة القدم ببلدك، كيف يساهمون في هذه الأزمة؟ وإلى أي مدى وصل بهم الصمت والتجاهل الممزوجان بالجشع؟ هل يحتاجون إلى أحد بالحكومة كي يُحرِّكهم؟ لا يجب عليك الإجابة، فقط سجّل تلك المواقف، لأنك قد تحتاج إليها بعد مرور الأزمة.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة