"ابق في البيت" والتدريب عن بعد.. كرة القدم في زمن الكورونا

ميدان – "ابق في البيت" والتدريب عن بعد.. كرة القدم في زمن الكورونا
اضغط للاستماع

  

مرحبا بكم من العزل الصحي، حيث لا صوت يعلو فوق صوت المواد المطهرة، وتنفيذ الإجراءات والإرشادات الاحترازية، وترقب البيانات الرقمية اليومية التي تخرج من القائمين على المنظومة الصحية في بلادنا من جهة، ومتابعة آخر تطورات أخبار فيروس كورونا في دول العالم من جهة أخرى. حالة من الملل تنتاب مشجعي كرة القدم عموما عقب توقف الحياة في جميع منافسات اللعبة لفترات تتراوح ما بين الأسابيع والشهور، ووصلت في بعض البلدان إلى أجل غير مسمى. 

  

بداية، لا داعي للقلق، لأننا لسنا بصدد التعرض لتلك الأخبار المتواترة عن تأجيل بطولة هنا، وإلغاء أخرى هناك، أو أن اللاعب الفلاني قد أعلن إصابته، وعِلّان أعلن عن شفائه؛ لأن تتابع تلك الأحداث أصبح أسرع من الكتابة عنها.(1) نحن هنا من أجل الإجابة عن سؤال نعتقد أنه يُثير فضول الكثير منا، إذا كنا قد استطعنا تطبيق العزل الصحي كجماهير، واستطعنا تعويض ممارستنا اليومية بأخرى لا نحتاج فيها إلى الخروج من المنزل، فماذا عن باقي أفراد المنظومة؟ هل الأمر بهذه السهولة؟ وكيف تعاملت الأندية مع تلك الأزمة؟

   

ابقَ في البيت

لجأت معظم الأندية الأوروبية إلى هذا الحل في ظل انتشار الفيروس بشكل سريع للغاية، وذلك حتى تمنع لاعبيها وموظفيها من الاختلاط والتجمعات حتى في أضيق الحدود. في إنجلترا قامت العديد من الفِرَق بالعمل الفوري بهذا القرار وعلى رأسهم ليفربول، متصدر البريميرليغ، حيث قاموا بتوزيع برامج تدريبية فردية يقوم بها اللاعبون في منازلهم.

   

  

أندية إنجليزية أخرى، مثل أستون فيلا، قامت بتوزيع المعدات التدريبية اللازمة على بعض اللاعبين حتى يتسنّى لهم القيام بالحصص التدريبية المختلفة، فيما شمل هذا القرار جميع الأطقم الإدارية والموظفين، وأيضا مكاتبِ الجماهير والمحلات الرياضية الرسمية في جميع أندية البريميرليغ تقريبا.(2)

  

ولم يختلف الوضع كثيرا في كتالونيا، حيث أعلن نادي برشلونة الإسباني خضوع جميع لاعبيه إلى برامج تدريبية فردية من المنزل تحت إشراف طاقم التدريب، وذلك بعد توصيات من الفريق الطبي في النادي، كما تقرّر تعليق جميع الأنشطة الرياضية في النادي بعد إصابة أحد لاعبي نادي ريال مدريد لكرة السلة بفيروس كورونا المستجد.(3)

  

الوضع ذاته بالنسبة للكثير من أندية الدوري الفرنسي لكرة القدم، إذ لم تُحدِّد بعض الفِرَق عودة التدريبات بشكل طبيعي مثل باريس سان جيرمان، فيما أقرّت بعض الفِرَق أن تلك الفترة مؤقتة على أن تعود التدريبات لطبيعتها نهاية الشهر الجاري مثل موناكو ومارسيليا وليون، فيما وضعت فِرَق أخرى إجراءات مشددة للاختلاط بين اللاعبين مثل نادي (Amien) إميان.(4)

  

        

التدريب عن بُعد

على طريقة التعليم عن بُعد التي تتّبعها معظم المؤسسات التعليمية حاليا حول العالم، قام فريق بايرن ميونخ الألماني باعتماد تطبيق "زوم" (Zoom) الشهير، والذي يسمح بعقد جلسات مفتوحة لعدد كبير من الأفراد، كوسيلة رئيسة لإعطاء الحصص التدريبية للاعبين، وذلك في ظل توقف البوندِسليغا حتى الثاني من إبريل/نيسان القادم على أقرب تقدير.

  

حيث حرص النادي البافاري على عدم ترك الأمر برمّته للاعبيه، وجعلهم ينضمون جميعا عبر جلسة فيديو لمدة تتراوح بين 70 و90 دقيقة، وبمشاركة طاقم التدريب في النادي، لضمان قيام اللاعبين بتلك الحصص بشكل يومي، وعلى الوجه الأمثل، الجدير بالذكر أن لاعبي الفريق قاموا بالتنازل عن 20% من أجورهم للموظفين ذوي الأجور المنخفضة في النادي منذ بداية الأزمة الحالية.(7)

    

  

أما في إسبانيا، وتحديدا في فريق لِيْغَانِسْ (Leganés) ، كان الأمر أكثر مرحا، حيث دعا المكسيكي خافيير أغيري متابعيه على وسائل التواصل الاجتماعي للانضمام للبث المباشر الذي يقود فيه بول يورينتي، مدرب اللِّياقة البدنية للفريق، تدريبات اللاعبين اليوميةَ بشكل مجاني ومفتوح للجميع من أجل المشاركة والاستمتاع. يُذكر أن إسبانيا شهدت أول حالة وفاة في الرياضة بسبب فيروس كورونا المستجد للمدرب الإسباني صاحبِ الـ 21 عاما فرانسيسكو غارسيا.(8)

  

لا بديل عن الملعب

على الجانب الآخر، استمرت بعض الأندية في تدريباتها بشكل طبيعي من الملعب، ففي إنجلترا، قام نادي بيرنلي بتعليق نشاط الفِرَق كافة في المراحل العمرية المختلفة، ما عدا الفريق الأول الذي استمر في تدريباته بشكل طبيعي، مع زيادة التدابير الاحترازية، وزيادة الفحوصات الطبية في ساحات التدريب والملعب من أجل التأكد من خلو الفريق من أي حالة مصابة أو مشتبه فيها.

  

أما في ولفرهامبتون، فقد أُغلق النادي عمليا، وبدأ الموظفون والإداريون العمل من المنزل، وأُغلقت مراكز خدمة الجماهير بالنادي، فيما استمر نونو سانتو وفريقه في التدرب بشكل طبيعي، حيث لم يتم الإبلاغ عن أي لاعب مصاب أو حامل للأعراض يتطلب العزل أو العلاج حتى الآن بالفريق حسب تقرير نشرته جريدة غارديان البريطانية.(2)

     

مدير ولفرهامبتون "نونو إسبيريتو سانتو" أثناء تدريب فريقه (رويترز)

    

"التدابير الاحترازية واحدة في كل نشاط يتجمع فيه مجموعة من البشر في مكان ما، ولكن في حالة تدريب يومي لأكثر من 20 لاعبا ولمدة ساعتين تقريبا، لا أعتقد أن هذه التدابير ستفي بغرض الوقاية، والأفضل هو القيام بالتدريبات اليومية اللازمة من البيت".

(د. محمد راجح، استشاري أمراض الصدر في حوار خاص لـ "ميدان")

  

في فرنسا، قام نادي نيم أولمبيك بوضع برنامج خاص للاعبيه بواقع ثلاث حصص تدريبية في الأسبوع أيام الاثنين والأربعاء والجمعة، بحيث يتجنّب اللاعبون الاتصال المباشر مع بعضهم بعضا، بينما سيقوم اللاعبون في الأيام الأخرى بالعمل البدني من أجل الحفاظ على لِياقتهم البدنية، مع تعليمات بعدم السفر إلى خارج البلاد خلال تلك الفترة.(5)

  

ووفقا لصحيفة "آس" الإسبانية، فإن أندية الليغا أرسلت طلبا للحكومة الإسبانية من أجل السماح لهم باستئناف التدريبات الجماعية وفق اشتراطات احترازية تُقرِّرها الحكومة والليغا معا، حيث قامت الأندية بتوسيع غرف خلع الملابس بحيث تضمن عدم وجود ثلاثة لاعبين في المساحة نفسها المقررة سابقا، ما يعني تجنُّبَ الاتصال المباشر فيما بينهم، وعملت أيضا على تطهير الملاعب وأدوات التدريب المختلفة؛ مُعلِّلة بأن الأندية لا تريد أن تضيع مزيدا من الوقت.

   

   

وفي الإطار نفسه، أفادت الجريدة أن نادي برشلونة الإسباني يُخطِّط للعودة للتدريبات يوم 27 من شهر إبريل/نيسان القادم، ومن المُتوقَّع أن تحذو باقي الأندية حذو الفريق الكتالوني، ولكن في الوقت نفسه، ما زال الأمر يتوقف على رد الحكومة الإسبانية على الطلب المُقدَّم، والذي لن يكون في المستقبل القريب.(6)

  

ماذا يقول العلم؟

وبالرغم من توافر البدائل للعديد من الأندية، فإنها على ما يبدو لن تقف مكتوفة الأيدي أمام الأزمة الحالية، فبحسب جريدة تليغراف الإنجليزية، فإن طبيب نادي أرسنال يُجري محادثات موسّعة مع باقي أطباء البريميرليغ من أجل وضع خطة موحّدة تُعجِّل من عودة الفِرَق الإنجليزية هي الأخرى إلى التدريبات الجماعية بشكل طبيعي، ودراسة إمكانية تنفيذ هذا الأمر، ولم تُفصح الجريدة عن أي تفاصيل خاصة بتلك الخطة حتى الآن.(9)

  

– من جانبنا في القسم الرياضي في "ميدان"، تواصلنا مع د. محمود الفقي، أستاذ الميكروبيولوجيا والمناعة المساعد بجامعة الملك عبد العزيز، لمحاولة معرفة فرص عودة الفِرَق من الجانب العلمي للقصة، حيث قال:

"دعنا نتفق أن تطبيق التدابير الاحترازية على أكثر من 20 شخصا هو أمر في غاية الصعوبة، ولكن بفرض حدوث ذلك وتطبيق الأمر بشكل كامل، الذهاب يوميا للتدريب يعني الاختلاط بعدد أكبر من البشر سواء في الطريق من المنزل إلى النادي والعكس، وهذه بيئة خصبة لانتقال الفيروس، لا سيما ونحن نتحدث عن البيئة الأوروبية التي تتسم بدرجات حرارة منخفضة، وبالتالي نشاط أكبر لفيروس كورونا".

  

   

   

"لو أُصيب أحد لاعبي الفريق سيضطر النادي إلى عزله مبدئيا، ثم فحص جميع أعضاء الفريق، غير أنه سيجب وقتها فحص جميع المخالطين للاعب سواء كانوا أسرتَه أو أصدقاءَه أو غيرَهم، وقد تحدث وقتها كارثة لا يمكن السيطرة عليها، لأن ضراوة هذا الفيروس في انتشاره في المقام الأول، وهذا سبب المشكلة التي يعيشها العالم حاليا". 

     

– إذن لا سبيل لعودة التدريبات الجماعية إذا كنا نريد الحفاظ على سلامة وصحة اللاعبين، ماذا عن انتهاء الأزمة بشكل عام ورجوع الحياة بشكل طبيعي، وبالطبع رجوع النشاط الرياضي إلى ما كان عليه؟

"بالطبع أعتقد أن خِيار التدريب من المنزل أو عبر الإنترنت يُعَدُّ خيارا مناسبا لتلك الفترة. أما عن عودة الحياة بشكل طبيعي، فلا يوجد أي شخص يستطيع التنبؤ بذلك، فالأمر كله متوقف على مدى التزام الشعوب بالتعليمات والإجراءات الاحترازية. إذا التزمت الناس بنظام التباعد المجتمعي والإجراءات فيمكننا إحكام السيطرة على انتشار الفيروس خلال أسبوعين من الآن، ولعل النموذج الصيني خير مثال، وستمر علينا أيام دون اكتشاف أي حالات، أما إذا لم تلتزم فذلك يعني أن الوضع يمكن أن يستمر لـ 3 أو 6 أشهر؛ لأن حتى نظرية تأثير درجات الحرارة في فصل الصيف على الفيروس غير مثبتة إلى الآن، ويمكنه النمو في درجات حرارة مرتفعة أيضا".

  

بالعودة إلى المقدمة مرة أخرى، نجد أن جميع المسابقات الرياضية متوقِّفة، فلماذا ترغب الأندية في العودة للتدريبات الجماعية الآن؟ لا شك أن الرغبة في العودة إلى الحياة بشكل طبيعي هو أمر مُلِحٌّ للاعبين والفِرَق ومن قبلهم الجماهير أيضا، ولكن ماذا تعني الحياة إذا كنا مُهدّدين بخسارتها؟ وماذا تُمثِّل كرة القدم إذا تعلّق الأمر بصحة وسلامة المجتمع؟ 

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة