رونالدينيو.. دليلك العملي لمواجهة تقلبات الحياة

توقفت كرة القدم والأنشطة الرياضية كافة بشكل درامي مفاجئ، بعد تداعيات "فيروس كورونا" الذي أوقف كل شيء وأعاد العالم سنوات للوراء، إلا في مكان واحد؛ تجمع السجون التخصصي بالعاصمة الباراغوانية أسونسيون، حيث يمكث صانع البهجة والعبقري المنسي رونالدو دي أسيس موريرا "رونالدينيو"، الساحر الذي شهدت آخر مبارياته خلف القضبان تسجيل 5 أهداف وصناعة 6، ليشارك بجميع أهداف فريقه في المباراة التي أنهاها لصالح رفاقه الجدد بنتيجة 11-2.

   

رونالدينيو؛ معشوق الجماهير الذي يحظى بمكانة كبيرة في قلوب كل المتابعين، اللاعب الذي ألهم أجيالا لممارسة كرة القدم والوقوع في حب هذه اللعبة للأبد، تحول حاله من مزاملة رونالدو وكاكا إلى الوجود وسط المجرمين وتجار المخدرات، وبعدما اعتدنا رؤيته محاطا بالكاميرات والمعجبين، أصبح محاطا بالحراس والسجناء في مشهد سريالي مُعبِّر عن تقلبات لعبة الحياة وعدم منطقيتها في كثير من الأحيان، مشهد مرّ علينا كثيرا حيث يتحول حال البطل من الشهرة والمجد واللعب تحت هتاف آلاف المشجعين إلى اللعب في دورات السجون تحت أنظار الحراس.

      

  
بالنسبة لرونالدينيو، كانت رحلة عمل مثل أي رحلة، بعدما عاد من برشلونة حيث التقى كلًّا من خوان لابورتا وفرانك ريكارد وعددا من الشخصيات الرياضية الشهيرة للظهور في فيلمه الوثائقي الذي يحكي سيرته الذاتية، توجه في رحلة سريعة إلى باراغواي للمشاركة في حدث خيري، ليجد نفسه أسيرا في سجن مشدد الحراسة بتهمة الاحتيال والتزوير.(1)

    

الحكاية

يوم الأربعاء 4 مارس/آذار، كان رونالدينيو وشقيقه يقيمان في منتجع بالقرب من عاصمة باراغواي أسونسيون، حيث يشارك اللاعب في حدث خيري لـ "مؤسسة الأخوية الملائكية"، وهي منظمة غير حكومية تخضع للتحقيق بشأن ضرائب التهرب وغسيل الأموال. في ذلك المساء، فتّشت الشرطة مكان إقامة اللاعب، بناء على معلومات مفادها أن الأخوين قد دخلوا البلاد باستخدام وثائق مزورة. (2)

   
وهو ما وجدته الشرطة بالفعل، جوازات سفر باراغوانية مزورة تحمل أسماء وصور رونالدينيو وشقيقه أسيس، تجعلهم مواطنين باراغوانيي الأصل وهو ما ليس بصحيح، لسببين؛ أولهما أن اللاعب يملك سيرة ذاتية يعرفها كل العالم تؤكد أنه لم يخضع لقواعد الحصول على الجنسية، والثاني لأن الصورة التي وُجدت في جواز سفر نجم برشلونة السابق كانت بابتسامته التجارية الشهيرة، وهو ما يخالف المبادئ التوجيهية المعتادة لجواز سفر مواطني باراغواي. (3)

  

يوم الخميس، ذهب رونالدينيو وأسيس لتقديم بيانهم في النيابة العامة، ادّعى اللاعب أنه لم يعرف أن جوازات السفر مزيفة، كما أفاد أنه قد مُنِح جنسية باراغواي كهدية من صديق. وأكّد ممثلو الادعاء أن أرقام الهوية الواردة في الوثائق تخص أشخاصا آخرين من مواطني باراغواي وهما "ماريا إيزابيل غايوسو" و"أبولونيا كاباليرو" اللذان استُدعيا لاحقا للاستجواب. كما اعتُقل رجل الأعمال البرازيلي "ويلموندس ليرا" الذي يتهمه المستشار القانوني لرونالدينيو بأنه مسؤول عن جوازات السفر المزيفة. لكن دفاع السيد ليرا ادعى أنه كان مجرد وسيط، قائلا إن الوثائق طُلبت منه من قَبل "شخص على صلة برونالدينيو"، وأكّد محاموه أن السيد ليرا سيعطي هوية هذه الحلقة المفقودة للنيابة خلال شهادته. (4)

    

   
إلى هنا تبدو الأمور طبيعية، لكن الجزء الأغرب في تلك الحكاية هو أنه لا رونالدينيو ولا شقيقه احتاجا إلى جوازات سفر مزيفة لدخول باراغواي من الأساس، حيث إن باراغواي والبرازيل يُمثِّلان جزءا من حلف "ميركوسور" -تجمع لدول المخروط الجنوبي بأميركا اللاتينية في إطار اقتصادي– وهو ما يضمن لرونالدينيو دخول باراغواي بهويته البرازيلية الاعتيادية، الأمر الذي ضاعف الشك لدى النيابة والادعاء العام لباراغواي، مما أدّى إلى رفض السلطات طلب دفاع اللاعب بالحصول على إقامة جبرية وتحويل سند بقيمة 1.6 مليون دولار حتى انتهاء التحقيقات خوفا من هرب اللاعب وشقيقه إلى البرازيل، حيث لا تُسلِّم السلطات البرازيلية مواطنيها تحت أي ظرف. (5)

      

"لسوء الحظ لم يتمكّن رونالدينيو وأسيس من الإجابة عن الأسئلة الموجهة لهما بخصوص الجوازات المزيفة، قالوا إنهم هدية. وقال محاموهم إنهم تعرضوا للخداع بينما تصرف الأخوان بحسن نية. ولكن إذا كنا نعتقد أن الجميع يتصرف بحسن نية، فلن يذهب أحد إلى السجن أبدا، وسيكون العالم مليئا بسفراء النيّات الحسنة" 

(أوسمار ليغال، كبير المدعين في القضية). (6)

  
يدخل التحقيق مرحلة جديدة هذا الأسبوع، حيث يميل الادعاء إلى اعتقاد أن الأمر برمته ما هو إلا مخطط لغسيل الأموال يشارك فيه الأخوان تحت مظلة العمل الخيري، خاصة عندما يتعلق الأمر بمؤسسة تعتريها الشبهات مثل مؤسسة الإخوة الملائكية، صحيح أن رونالدينيو لا يملك أي مخالفات أو سجلا جنائيا سابق في باراغواي، لكنه على الجانب الآخر يملك تجاوزات مالية وقانونية شديدة في وطنه الأم.

    

  
بينما تميل إحدى النظريات التي طُرِحَت بشأن الدافع للحصول على جواز سفر باراغوياني مزيف هي التأهل للحصول على تأشيرة مستثمر E-2 إلى الولايات المتحدة، حيث تعد باراغواي واحدة من دول المعاهدة المؤهلة للحصول على هذا التصريح بخلاف البرازيل.

  

لعل دفاع السيد ويلموندس ليرا هو ما فتح المجال لمعرفة هوية الشخص الذي طلب تزوير جوازات سفر لرونالدينيو وشقيقه، لأنه بالرجوع لبداية الأحداث فإن رونالدينيو وأسيس قد ذهبا إلى باراغواي بالأساس للمشاركة في حدث خيري لمؤسسة الأخوية الملائكية التي ترأسها سيدة الأعمال "داليا لوبيث"، وهي المسؤولة عن تدابير الرحلة كافة بما في ذلك الوثائق، ومحل الإقامة، وجدول الأنشطة، وترتيب كل ما يخص روني وأسيس، فهي أول مَن استقبلهما فور الوصول إلى العاصمة أسونسيون، وهي الآن مطلوبة على ذمة التحقيق.

      

  

الطبع يغلب التطبع

يُعامَل رونالدينيو وشقيقه معاملة خاصة خلف الأسوار، ولديهم العديد من الامتيازات على مستوى الإقامة والخدمات، قد تتوقع أن يكون رونالدينيو في حالة سيئة؛ حزينا، كئيبا، بعد تلك الشبهات وذلك المنحنى المفاجئ الذي سيؤثر على صورته ووضعه الاجتماعي كونه قدوة ومثلا أعلى يتطلع إليه الكثير من الأطفال حول العالم، بالإضافة إلى وضعه الوظيفي كونه سفيرا رياضيا لنادي برشلونة والحكومة البرازيلية، لكن التقارير الصادرة من داخل السجن تُشير إلى عكس ذلك، خاصة بعدما استقبل العديد من الزيارات من نجوم كرة القدم الباراغوية الذين قدّموا له كامل الدعم في محنته الحالية.

    

  
على عكس المتوقع، تأقلم الساحر سريعا مع الأجواء، وكعادته أصبح محبوب جميع السجناء هناك، وعلى الرغم من أنه يقضي معظم وقته في زنزانته يتواصل مع والدته عبر محادثات واتساب، فإن أنشطته اليومية مقسمة بين لعب كرة القدم مع السجناء والموظفين، بالإضافة إلى حضور ورشة النجارة، وكأن شيئا لم يكن، الغريب في الأمر هو تأكيد المقربين منه أنه يقضي المرحلة الحالية بحالة معنوية مرتفعة سيرا عكس تيار الأحداث. (7)

    

"روني مفتقد للموسيقى والعزف في الداخل، لكني متأكد من أنه سيواصل العزف في رأسه، هو يلعب كرة القدم بشكل يومي ويُعلِّم زملاءه الجدد بعض الحيل التي ألهم بها الملايين، منذ اللحظة الأولى أراد أن يتأكد من اندماجه مع السجناء الآخرين وتمكّن من القيام بذلك بسرعة، إنه معبود للكثير منهم هناك، يُوقِّع لهم على القبعات والقمصان كي يتسنى لهم إرسالها لعائلاتهم وأطفالهم كهدايا باهظة الثمن" 

(مصدر مقرب من اللاعب). (8)

    

  
تخيّل أن ترسل لابنك هدية موقعة باسمه من رونالدينيو بينما تكون خلف القضبان، يا له من امتياز، لكن هكذا تكون الحياة، تحمل الوجهين دائما، محنة رونالدينيو تُمثِّل منحة عظيمة للسجناء من حوله، تلك هي الحياة وذلك هو رونالدينيو، الساحر الذي يصنع البهجة أينما حل وارتحل حتى لو كان ذلك في مجمع سجون أسونسيون.

  

أثناء كتابة التقرير يُتِمّ الساحر عامه الـ 40، سيحتفل به هذه المرة في زنزانته مع رفاقه الجدد خلف القضبان، لكن هل تعتقد أنه يكترث؟ نحن نتحدث عن أسطورة كرة القدم الذي بات يتبادل التمريرات مع القتلة والمجرمين بكل سعادة وطلاقة، غير مبالٍ بما حدث أو سيحدث، ومثلما كانت حياته في الملاعب، يعيش مرتديا تلك الابتسامة الشهيرة على وجهه التي لا نملك أمامها سوى العجز والتبسم.

  

نُفني الكثير من أعمارنا بحثا عن السعادة، ويعتقد كثير منا أن السر يكمن في التزود، بينما تُعلِّمنا الحياة كل يوم أن السعادة، كل السعادة، تكمن في القدرة على الاستغناء، في عدم أخذ الأمور بكثير من الجدية، في تقبل المتغيرات والعيش ببعض اللا مبالاة، كلنا نملك ذلك الصديق الذي ينصت لكنه لا يسمع، يضحك بينما نحن نثور غضبا، يعيش سهلا خفيفا بينما نوشك على الانهيار في سفر الحياة، وكأنه لا ينتمي لهذا العالم، أو نجح في إنشاء عالمه الخاص، وذلك كان رونالدينيو في جميع مراحل حياته.

     

  
مع كامل الاحترام لمارك مانسون، فإن "فن اللا مبالاة" لم يُضِف جديدا لكل مَن عاش وتأمل في حياة رونالدينيو، اللاعب الذي نال ما نال لكونه عديم المسؤولية، بعيدا عن الاحترافية وغير مبالٍ، استطاع في الوقت ذاته للمفارقة تحقيق ما لم يحققه أعظم المحترفين وأكثرهم التزاما وصرامة، فقد كسب جميع القلوب وفاز بالألقاب والجوائز كافة ورحل سريعا بدون أن نعرف كم صنع وكم سجل، لأنه غير مكترث ولا يفهم تلك التعقيدات من الأساس، مُكوِّنا حالة فريدة ومعادلة صعبة المنال، الأمر الذي يجب أن يقودنا للتساؤل بخصوص فلسفتنا في خوض الحياة والبحث عن السعادة، فربما هناك طريقة أخرى أخف عبئا وأكثر فاعلية.

  

الغريب أنه بالرغم من كل ذلك، فإننا جميعا نملك قدوات ونماذج نطاردها ونتطلع إليها ليس من ضمنها رونالدينيو، ليس لأنه غير خارق بالشكل الكافي، لكن لأنه كان خارقا بشكل عبثي وغير واقعي مما يُشعرنا بالعجز، وكثير منا بحكم الحنكة لا يطارد ما هو غير واقعي، في الحقيقة نحن لا نستطيع أن نكون رونالدينيو، لذلك سنظل دائما في تلك الدائرة المفرغة حتى نتجرأ على المحاولة، محاولة أن نكون رونالدو دي أسيس موريرا ولو للحظات، محاولة محاكاة الشخص الذي أسس طريقة أخرى لعيش حياة أفضل، والرجل الذي طرح دائما سؤالا وجيها؛ لماذا الجدية المفرطة بينما تطيب الحياة لمَن لا يبالي؟

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة