كارلوس تيفيز.. من طفلٍ مشرّد إلى خلافة مارادونا

"حاوِل دائما أن تصنع بطلا من نفسك، فهذا سيكون أرخص من تذاكر مشاهدة أبطال السينما".

(دوغلاس هورتون، قس وأكاديمي أميركي)

   

علّمتنا الحياة أن تلك العبارات تبقى كلمات حالمة حتى يُقرِّر أحدهم أن يصنع بها واقعه. الحياة لا تُشبه السينما في النهايات السعيدة دائما، لكن هناك حالات تشهد حدوث ذلك. كرة القدم مجرد قطعة جلد منفوخة تركلها الأقدام فيما بينها، ولكنها أحيانا ما تعكس مثل هذه الأشياء التي نبحث عنها في واقعنا. أهلا بك في فصل جديد تعود فيه الكرة إلى مهدها، حيث ننسى قليلا انبطاحها أمام الرأسمالية وتحوّلها إلى نشاط استثماري تستفيد منه الحسابات البنكية في المقام الأول.

  

كارلوس تيفيز هو لاعب يعرفه الجميع، حتى هؤلاء الذين لا يحبون كرة القدم لا بد أنهم سمعوا اسمه يوما. الرجل الذي وُلِد في أفقر أحياء بيونس آيرس، ثم صنع قصته بنفسه وأنهى معاناته، ثم عاد ليصنع الجدل في مسيرته مع الكرة، ثم تاه مع الزمن، وقبل لحظات من أن ينساه العالم، خرج علينا بلقطة جديدة، تغيّرت فيها ملامحه بفعل مرور السنوات، ولكنه احتفظ بالصورة نفسها التي انطلق منها، بعلامة مميزة في صدره ورقبته، والأهم من ذلك، احتفظ بقلبه الذي لم تُغيِّره الحياة. أهلا بك مرة أخرى.

      

كارلوس تيفيز (رويترز)

    

بين العصابات وتجارة المخدرات

"في طفولتي كانت هناك أوقات صعبة، عندما يأتي الظلام تنظر من النافذة فترى مناظر مرعبة، وبعد ساعة معينة لا يمكنك الخروج إلى الشارع، كنت أستطيع أن أبدأ بالمخدرات، ثم ينتهي بي الأمر في القاع، بالرغم من ذلك كانت طفولة لطيفة، تعلمت منها الاحترام والتواضع والتضحية".

    

في الخامس من فبراير/شباط 1984 وُلد كارليتوس، في ضاحية سيوداديلا بمدينة بيونس آيرس، وترعرع في حي إيرغستو دي لوس أندس والمعروف باسم "فويرتي أباتشي"، ومن هنا حصل على لقب الأباتشي فيما بعد. ورغم أنه لم يفقد والديه فعليا فإنه لم يعِش معهما، إذ كانا يعملان في تجارة المخدرات التي تفرض حياة المعارك والاختباء، ليتبنّاه خاله سيغوندو تيفيز الذي حمل اسمه واعتاد أن يُناديه "بابا". تذكّر اسم هذا الرجل جيدا لأننا سنعود إليه لاحقا، بالأحرى لأن كل شيء سيبدأ من عنده. (1)

   

الحياة في هذه الأجواء لم تكن سهلة على الإطلاق، فأن تكون طفلا في حي يعجّ بتجار المخدرات وحروب العصابات فهذا يعني أنه عليك تحمُّل الكثير من الرعب قبل حتى أن تُدرك معناه، ولكنه سيُخيفك بطبيعة الحال. وجه تيفيز قادر على أن يخبرك بكل شيء، حرق في رقبته وأسنان مُعوجّة نتيجة لكسر بعضها، الحرق أتى بصنع ماء ساخن أصابه وهو يبلغ من العمر 10 أشهر فتأثر به صدره وعنقه، بينما أحد الشجارات المعتادة من أجل المال تسبّبت في تحطيم أسنانه، كان ذلك في سن الحادية عشرة، فضلا عن مقتل صديقه المقرب برصاصة في الرأس، كل ذلك قبل أن يتولد لديه ما يُعرف بالإدراك. الجدير بالذكر أن كارليتوس رفض إجراء أي عمليات تجميل لإزالة تلك الآثار، ورغم كثرة العروض، فإنه كان يرد دائما بكلمة واحدة؛ عليك أن تقبلني كما أنا. (2)

    

هذه الدروس التي تحدث عنها فيما بعد لم يكن ليُدركها حين كان طفلا، بل إن توابع الحياة وما حدث بعدها تسبّب في أن تتحوّل شخصيته إلى شيء آخر، ليستفيد من معاناة الطفولة ويصبح أكثر صلابة، ولكن بين هذا وذاك، هناك شعرة ما بين السقوط للقاع وما بين البطل الذي يستطيع الحديث عن معنى الاحترام والتواضع والتضحية.

    

الحرق في رقبة كارلوس تيفيز وأسنانه المكسورة (رويترز)

     

تيفيز لم يكن طفلا محبا لكرة القدم، بل إنه أكّد ولعه بالغولف واستمتاعه بممارسته ومتابعة مستجداته أكثر من كرة القدم، ولكنه وقع في حب المستديرة كأداة للهرب من المعاناة والمخدرات وعمليات السطو، كان يحب أن يُفرِّغ الضغط ويركل آلامه مجسدة في تلك الكرة، ومنها صنع قصة نجاحه التي أنقذته من الضياع، وجعلته يستطيع إنقاذ والده فيما بعد حين دفع له 40 ألف يورو لتحريره من عصابة اختطفته، وهو حادث أصابه بالاكتئاب في نهاية فترته مع مانشستر سيتي، فضلا عن كونها سببا في أن يحيا هو وعائلته حياة سوية، ويبتعد بهم عمّا عانى منه في مسقط رأسه. (3)(4)

   

بداية التحول

"شعرت بالرضا من خلال ممارسة كرة القدم، التي جعلت مني شخصا أفضل، هكذا تستطيع الرياضة أن تُخفِّف الآلام".

   

القصة الفعلية لكارليتوس مع كرة القدم بدأت في 1989، العام الذي شهد إحدى المحطات المؤثرة في حياته، وقتها كان لا يزال في الخامسة من عمره. وفي يوم، قرع مدرب فريق نيويلز أولد بويز للناشئين نوربرتو بروباتو باب منزل بابا سيغوندو، ذلك الرجل الذي أخبرناك بأن تتذكره جيدا لأن كل شيء سيبدأ من عنده. (5)

    

بروباتو جاء لإقناع الأب الفعلي لتيفيز بأن يتركه يلتحق بمدرسة الكرة بالنادي، ولكن سيغوندو لم يكن يملك ثمن شراء حذاء رياضي للطفل. حُلّت الأزمة بعدها والتحق كارليتوس بنيويلز أولد بويز، وفي أسرة تضم رجلا وزوجته وأربعة أبناء كان هو خامسهم، أصبح يُمثِّل مساعدة مادية لسيغوندو من خلال كرة القدم، إذ بات يحصل على راتب يُقدَّر بـ 200 دولار أميركي، وهو مبلغ جيد للغاية مقارنة بظروف حياتهم وقتها.

    

سيغوندو والد كارلوس تيفيز بالتبني (مواقع التواصل)

    

قضى تيفيز مع نيويلز أولد بويز 5 سنوات، قبل أن ينضم لنادي الشعب بوكا جونيورز، ومن هنا يبدأ كل شيء في التحول إلى المسار الصحيح، في البداية أخذت بعض المعوقات لتُلقي بظلالها، إذ عاد كارلوس من إحدى الحصص التدريبية للبوكا ليتفاجأ بأن الأب سيغوندو قد باع منزله بسعر متدنٍّ، وخسر وظيفته كذلك بفعل تأثير الأزمة الاقتصادية، ولكن بمرور السنوات، انتقل تيفيز إلى كورنثيانز ومنه إلى أوروبا، ليعوّض هذه العائلة عمّا عانته. تذكر أن قلب كارليتوس لم يتغير كما نوهنا في البداية. (6)

 

"عليك أن تراه يركض في الملعب لتفهم. كان مختلفا عن الآخرين، يقاتل على كل كرة وكأنها الأخيرة.. هو متعطش دائما".

(كارلوس بيانكي)

 

يحكي كارلوس بيانكي المدرب الذي حقّق معه تيفيز أغلب ألقابه بقميص البوكا عن سبب نجاحه، حيث أرجع ذلك للتعطش الدائم والرغبة والقتال الذين يتمتع بهم. هذه الأشياء نستطيع أن نراها في مسيرة الأباتشي في إنجلترا وإيطاليا، وكيف تولّدت لديه القدرة على العودة في كل مرة يبدو كأنه قد انتهى، ولكن تمتعه بهذه الخصال منذ طفولته هو ما كان سببا في بداية القصة وفي كل ما حدث بعدها، وتحديدا بعد لقطة التحول الأولى التي كادت تحول بينه وبين كل ذلك بسبب ثمن حذاء لم يملكه.

       

معبد مارادونا والرقم 10
مارادونا وكارلوس تيفيز (رويترز)

  

في الأرجنتين الأمور ليست مجرد كرة قدم. في بوكا جونيورز تحديدا؛ الصراع هنا طبقي بين جماهير البوكا التي تسكن أحياء بيونس أيرس، وبين جماهير ريفربليت التي تعيش على ضفاف نهر لا بلاتا؛ الأول يُمثِّل الطبقات الكادحة، والثاني يُمثِّل الطبقات الأرستقراطية، وعلى ذلك تكون المواجهات بينهما مسألة صراع بين الفقراء والأغنياء، وكلاهما لا يقبل خسارته لصالح الآخر. (7)

    

هذه الأمور أعطت لدييغو أرماندو مارادونا شعبية كبرى في الأرجنتين، إلى جانب ما فعله في كأس العالم 1986 بالطبع، ولكن ما يجعله أقرب لأبناء التانغو من ميسي مثلا هو إحساسهم بأنه وُلد وترعرع بينهم، وعانى مع البوكا ويلات هذا الصراع وانتصر لهم في كثير من المناسبات، عكس البولغا الذي عاش أغلب حياته في برشلونة. لذلك، فالرقم 10 في بوكا جونيورز يعني وسام الشرف، أشياء قد تبدو مبالغات بالنسبة لنا، ولكنها بالنسبة لهم هي ليست كذلك على الإطلاق.

      

كارلوس حاملا الرقم 10 في فريق بوكا جونيورز (رويترز)

  

مع انضمام تيفيز إلى بوكا جونيورز والأداء الذي قدّمه في البداية مُنح الرقم 10، كان تيفيز يحمل وجها شبيها لأبناء بيونس آيرس الذين وُلد بينهم، احتفالاته وتصرفاته وكل شيء يقوم به يشبههم، لذلك فإنه خير مَن يستحق وسام مارادونا بالنسبة لهم، فعُرف هناك بلاعب الشعب، الأمر الذي ظل كارليتوس يُقدِّره فيما بعد وإلى يومنا هذا، حتى إنه حين انضم إلى يوفنتوس وحمل الرقم 10 الخاص بديل بييرو أعرب عن سعادته، ولكنه لم ينسَ أن ذلك لا يضاهي ما حدث في بوكا جونيورز، قبل أن يصبح هو تيفيز الذي يعرفه العالم اليوم. (8)

    

في لابومبونيرا لعب تيفيز 3 مواسم، تلك التي اكتسب فيها شعبية كبرى نظرا للتألق الكبير الذي حدث خلالهم، ورغم أنه لعب 75 مباراة سجل خلالهم 26 هدفا، وفاز بلقبَيْ كوبا ليبارتادوريس والإنتركونتينتال -كأس العالم للأندية بالنظام القديم- على حساب ميلان، فإن اللقطة التي عنونت حقبته الأولى كانت في 2003 حين حسم لقب الدوري الأرجنتيني لصالح البوكا، وصعد ليتعلق بالأسلاك الحديدية حول مدرجات لابومبونيرا محتفلا باللقب مع الجماهير، في لقطة لم يكن يعلم أنها ستتكرر بعدها بـ 17 عاما، لتجعل العالم يعود ليشاهد ما حدث في 2003، حتى هؤلاء الذين لم يهتموا به وقتها. (9)

       

   

نحو الاحتراف

من بوكا جونيورز انتقل تيفيز إلى كورنثيانز البرازيلي مقابل نحو 18 مليون يورو، وهو مبلغ ضخم للغاية في ذلك الوقت خاصة إذا تحدثت عن صفقة لا تدخل أندية أوروبا كطرف فيها. كان ذلك في عام 2005. لم يقضِ كارليتوس وقتا طويلا هناك، واكتفى بموسم واحد لم يمر خلاله مرور الكرام، حيث قاد الفريق للتويج بلقب الدوري البرازيلي وسجّل 25 هدفا في 38 مباراة، قبل أن يرحل إلى وست هام يونايتد في صفقة أثارت الكثير من الجدل في إنجلترا والعالم أجمع. (10)

   

في البداية، بدا الأمر أشبه بمزحة، الزمان كان صباح آخر أيام الميركاتو الشتوي لعام 2006، إذ أشارت تقارير صحفية إنجليزية إلى اقتراب أهم موهبتين في أميركا اللاتينية من الانضمام إلى نادي وست هام يونايتد، وكان رد فعل ألان بارديو المدير الفني للنادي وقتها مفاجئا، حيث أشار إلى أن هذه مجرد سخافات وأن ذلك لن يحدث أبدا. الآن لا نحتاج إلى أن نخبرك أن هذا الأمر حدث بالفعل، حيث تمت واحدة من أكثر صفقات الانتقال إثارة للجدل في تاريخ الكرة الإنجليزية بسرعة مذهلة، وفي الساعات الأخيرة من الميركاتو، انضم كارلوس تيفيز وخافيير ماسكيرانو إلى وست هام يونايتد قادمين من كورنثيانز البرازيلي، ليبدأ بعدها فصل جديد. (11)

     

شيفيلد يونايتد كان بطل الأزمة وقتها، حيث هبط النادي إلى دوري الدرجة الأولى الإنجليزي بعد صراع مع وست هام. المباراة التي تسبّبت في بقاء الهامرز كانت الأخيرة في الموسم، والتي جمعتهم أمام مانشستر يونايتد وحسمها كارلوس تيفيز بهدف أبقى به الفريق في البريميرليغ، وتسبّب في هبوط شيفيلد، ليتظلّم الفريق الهابط إلى رابطة الدوري الإنجليزي الممتاز بحجة أن تيفيز وماسكيرانو لم يحق لهما المشاركة مع فريقهما الجديد، وذلك لأسباب تتعلّق بملكية عقدهما لطرف ثالث.

     

كارلوس في فريق شيفيلد يونيتد (رويترز)

  

السبب؟ هو أن ما يُسمى بـ "الحقوق الاقتصادية" لكلٍّ من ماسكيرانو وتيفيز مملوكة لـ 4 شركات، يُمثِّلها رجل الأعمال الإيراني الأصل والبريطاني الجنسية كيا غوراباتشيان، الرجل الذي كان من المنتظر أن يقوم بشراء وست هام. وبناء على ذلك تولّد اعتقاد بأن تيفيز وماسكيرانو قد توقّعا تغيير المالك والمدير الفني. ليُعلن تيدي شيرينغهام أحد أكثر لاعبي وست هام خبرة في ذلك الوقت أن الفريق بات في ورطة حقيقية، بعدما تعطّل كل شيء عدا انتقال الثنائي اللاتيني إلى النادي اللندني.

     

خلال هذه الفترة عانى تيفيز من صعوبة التكيف مع الثقافة الأوروبية، وفي الوقت الذي بدأ ماسكيرانو تعلُّم الإنجليزية، جلب النادي مترجما فوريا لتيفيز الذي لم يكن يمتلك الاهتمام أو الاستعداد للقيام بذلك، ورغم خضوع الأباتشي لتدريبات إضافية من أجل تحسين مستواه، فإنه ظل يُقدِّم أداء مهتزا ويتفنّن في إهدار الفرص السهلة، لينتهي الأمر ذات مرة بترك اللاعب الملعب اعتراضا على قرار استبداله في إحدى المباريات، قبل أن يوقع عليه النادي عقوبة تركها لقرار اللاعبين؛ واختاروا أن يُجري النجم الأرجنتيني الحصة التدريبية بقميص المنتخب البرازيلي! (12)

       

هذه الأزمات انتهت بأداء مميز لتيفيز قاد به وست هام للبقاء في البريميرليغ، حيث سجّل 6 أهداف حاسمة في آخر 10 مباريات منها الهدف الأبرز في مرمى مانشستر يونايتد، ومستقبلا، تُوصِّلَ إلى حل للأزمة بين وست هام وشيفلد يونايتد من خلال تسوية مالية دفع فيها الهامرز نحو 20 مليون يورو لشيفلد، و5.5 مليون يورو كغرامة، دون أن يُلغَى هبوط النادي المتضرر، وعلى ذلك انتهت رحلة تيفيز القصيرة بنهاية سعيدة جاءت عقب بداية صعبة، لينتقل إلى مانشستر يونايتد بحثا عن بريق أكبر.

  

مجد أوروبا
كارلوس تيفيز مع نادي مانشستر يونايتد (رويترز)

  

 "عندما انتقلت إلى مانشستر يونايتد شعرت أنني حققت أحد أهم أحلامي، لكن بعد فترة قصيرة شعرت أنه ليس منزلي ولن يصبح كذلك، والسبب هو وجود العديد من الأشخاص المغرورين".

     

صيف 2007 انضم تيفيز إلى مانشستر يونايتد، ليكمل مثلث الأحلام رفقة كرستيانو رونالدو وروني، ثلاثي هجومي قدّم أرقاما مميزة ومنح كلٌّ منهم الآخر الفرصة للظهور بأفضل شكل ممكن، كان ذلك في الموسم الأول فقط، حيث أصبح حبيسا لدكة البدلاء في الموسم الثاني بسبب انضمام بيرباتوف إلى الشياطين الحمر. (13)

     

الفوز بالبريميرليغ مرتين والتتويج بدوري أبطال أوروبا مرة كان مُحصِّلة مسيرة تيفيز القصيرة مع الشياطين الحمر، قبل أن يرحل إلى مانشستر سيتي صيف 2009، كأول لاعب ينتقل بشكل مباشر بين قطبَيْ المدينة منذ تيري كوك، والذي كان قد انتقل من اليونايتد إلى السيتي قبلها بـ 11 عاما، وتحديدا في 1999. (14)

   

بعد موسم واحد في مانشستر سيتي بدأ تيفيز يدخل في أزمات مع المدرب الإيطالي روبيرتو مانشيني، في هذه اللحظة فكّر كارليتوس في إنهاء مسيرته وإعلان اعتزاله، تماما كما كان يفعل كلما اتخذ قرارا خاطئا حسب ما اعترف بنفسه، خصوصا بعدما سد السير فيرغسون باب العودة إلى اليونايتد في وجهه، ليشعر أنه بات قريبا من النهاية. (15)

       

كارلوس تيفيز مع نادي مانشستر سيتي (رويترز)

  

المغامرة التي أضافتها حقبة مانشستر سيتي لمغامرات كارليتوس كانت الفوز بالبريميرليغ 2012، حيث كان اللقب الأول للسيتي على مستوى الدوري منذ 44 عاما، ولكن اللقطة لم تكن ها هنا، بل كانت في الرد على تصريحات السير أليكس فيرغسون الذي قال إنه سيموت قبل أن يفوز تيفيز بالدوري الإنجليزي مع السيتي، ليرد عليه بروح الولد المشاغب الموجودة بداخله من خلال اللافتة الشهيرة والتي كتب عليها "فيرغسون، ارقد في سلام". (16)

   

هكذا انتهت تجربته في إنجلترا، تلك التي أُصيب خلالها بالاكتئاب بعد حادثة احتجاز الأب سيغوندو من قِبل إحدى عصابات بيونس آيرس، ليُقدِّم أداء شاحبا في موسمه الأخير خصوصا، ثم ينتقل إلى يوفنتوس مقابل 8 ملايين يورو فقط في خطوة مفاجئة، لم يكن يتوقع منها الكثير نظرا لأن اليوفي وقتها كان يبحث عن إعادة إحياء مَن تخطّوا الثلاثين، أحيانا دون جدوى كما كان الحال مع أنيلكا، أو بفائدة كما حدث مع يورينتي وفوجينيتش وكوالياريلا الأصغر سنا، والمقاربين لعمر تيفيز. (17)

    

في يوفنتوس انفجر تيفيز بين الموسم الأخير لكونتي والموسم الأول لأليغري، في 2014 حصد اليوفي الدوري بـ 102 نقطة كأعلى رقم مسجل في تاريخ الدوريات الخمس الكبرى، وفي الموسم الثاني وصل إلى نهائي دوري أبطال أوروبا لأول مرة منذ 2003، قبل أن يخسر النهائي من برشلونة، وعلى المستوى الفردي حقّق أعلى معدلاته التهديفية بتسجيل 39 هدفا في 66 مباراة فقط، وبمجرد أن وصل إلى قمة مستواه، جاء الرحيل المفاجئ. (18)

     

    

إلى حيث يهوى القلب

"في 2015 اهتم بي بايرن ميونخ وأتلتيكو مدريد وأراد مني يوفنتوس البقاء، ولكن في هذا الوقت لم أكترث باهتمامات أندية أوروبا لأنني كنت قد اتخذت قراري بالفعل بالعودة إلى الأرجنتين، شعرت أنه يجب عليّ العودة إلى البوكا لأصبح بطلا".

  

وبينما كان الجميع ينتظر مرحلة ما بعد نفض الغبار، جاء قرار تيفيز المفاجئ بالعودة إلى بيونس آيرس لارتداء قميص بوكا جونيورز من جديد، ليستعيد إحساس البطولة المفقود. تلك الأحاسيس تتولد في لا بومبونيرا فقط، بالرقم 10 والقميص الأزرق والأصفر، ومن هنا عاد تيفيز ليصبح لاعب الشعب من جديد.

       

كارلوس تيفيز بعد عودته مرة أخرى إلى بوكا جونيورز (رويترز)

   

في 2016 انتقل إلى الدوري الصيني ليلعب مع شنغهاي غريلاند، ليحصل هناك على أعلى راتب في العالم والذي وصل إلى 41 مليون يورو، أي أقل بنحو 7 ملايين يورو فقط من مجموع راتب رونالدو وميسي في ذلك الوقت. لا بد أنك أدركت الآن كيف كان الرقم خياليا، ورغم ذلك، لم يستمر تيفيز هناك لأكثر من 7 أشهر قبل أن يعود مرة أخرى إلى بوكا جونيورز، ويطلق تصريحات ساخرة من الدوري الصيني الذي اعتَبر الذهاب إليه مجرد نزهة وفرصة لبقاء وقت أطول مع العائلة ليس إلا. (19)

    

"الأمر لم يكن من أجل المال، ولكنني شعرت بفقدان الرغبة في ممارسة كرة القدم عقب خسارة نهائي ليبارتادوريس في 2016، أردت أن أقضي بعض الوقت مع العائلة في حياة هادئة".

   

بغض النظر عن صدق هذه الكلمات من عدمه فنحن أمام ما يدعم منطقيتها على الأقل، وإن ذهب إلى هناك من أجل الأموال فذلك ليس عيبا كما تحاول غالبية الجماهير أن تُرسِّخ، بل إن المنطق يقول إنك ستبحث عما يخدم مصالحك في النهاية، ولكن ما يؤكد سير كارليتوس وراء قلبه هو أنه عاد في وقت عُرِض عليه فيه أن يبقى لعامين إضافيين بمرتب خيالي لأي لاعب في العالم، فضلا عن ذاك الذي قارب الخامسة والثلاثين من عمره. (20)

    

   

أجمل من السينما

تيفيز لم ينسَ عائلته التي ظل يُقدِّم لها الدعم والمساعدة، كما كان دائم الزيارات لبيونس آيرس وسعى لمساعدة الأطفال حتى لا يعانوا كما عانى صغيرا، هذه ليست النهاية السعيدة التي نتحدث عنها، هذه تُشبه لقطات السينما التي تُبرِز معدن البطل الأصيل في النهاية، خاصة لو كان أحمد السقا، نحن هنا على موعد مع نهاية أجمل مما نراه خلف شاشات السينما.

  

عودة تيفيز إلى بوكا جونيورز كانت قبل عام من السوبر كلاسيكو الأهم، نهائي القرن كما سمّاه متابعو اللعبة؛ ذلك الذي جمع بين البوكا وريفربليت في نهائي كوبا ليبارتادوريس مطلع عام 2019. الحساسية المعروفة بين الناديين لا تسمح لأحدهما بالخسارة، ولكن مع الوضع المثالي للريفر وقتها كانت الكفة تميل لصالحه، فيما كان يبحث أنصار نادي الشعب عن معجزة تمنحهم رأسا مرفوعة في وجه الغريم مدى الحياة.

  

انتهت المباراة بفوز ريفربليت بعد أجواء مشحونة جعلتها تُقام في سانتياغو بيرنابيو، ليتوقّع الجميع أن يُقرِّر تيفيز الاعتزال كونه لم يتحمّل ممارسة كرة القدم بعد خسارة نهائي البطولة ذاتها قبلها بـ 3 سنوات، ولكن كارليتوس واصل الرحلة، وبعد عام وأشهر قليلة من تلك الواقعة، حضرت لقطة من أبرز ما يلهث وراءه مجاذيب اللعبة.

  

بوكا جونيورز يلعب مباراة حسم لقب الدوري الأرجنتيني أمام خيمناسيا لا بلاتا، مَن يدرب هذا الفريق؟ دييغو أرماندو مارادونا، وعلى الناحية الأخرى يدخل تيفيز حاملا شارة القيادة بالرقم 10 الشهير، يذهب إلى مارادونا بابتسامة عريضة ويُقبِّله من شفتيه، تلك التي أطلق عليها قُبلة الحظ، والتي انتظر منها أن تمنحه النهاية السعيدة التي ينتظرها. (21)

      

  

المباراة تبدأ بالفعل، وبينما يتبقى 12 دقيقة فقط على نهايتها، يطلق كارلوس تيفيز تصويبة بقدمه اليمنى يمنح بها هدف التقدم للبوكا، وهدف النقاط الثلاثة التي ستُنَصِّب لاعب الشعب بطلا لليلة أمام أنظار دييغو نفسه. لا شك أن هذه اللقطة لا تحتاج إلا إلى مارتن سكورسيزي، ثم هيا بنا إلى حفل الأوسكار القادم! (22)

  

القدر أبى إلا أن يحمل لكارليتوس النهاية التي أرادها قلبه، بأن يصعد إلى الأسلاك الحديدية لملعب لا بمومبونيرا مرة أخرى من أجل الاحتفال مع الجماهير، أن يقف لاعب الشعب ويُعيد الصورة التي التُقطت له منذ 17 عاما، والتي كانت في 2003 حين منح لقب الدوري للبوكا واحتفل بالطريقة نفسها، ومنذ ذلك الحين، تبدلت القمصان وتغيرت كرة القدم نفسها وقوانينها، إلا أن قلب كارليتوس ظل كما هو، الطرف الوحيد الذي لم تُغيّره عوامل الزمن.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة