كرة القدم وكورونا.. أن تضع الأرباح قبل الأرواح فتخسر كليهما

"لقد قلت من قبل إن كرة القدم تبدو دائما أهم الأشياء الأقل أهمية. اليوم، كرة القدم ومباريات كرة القدم ليست مهمة على الإطلاق"

(يورغن كلوب)

   

هذه الكلمات لا يحتاج يورغن كلوب إلى أن يتفوه بها حتى ندرك حقيقتها، إن كان شقها الأول محل خلاف بين مَن يعطون كرة القدم أولوية كبيرة في حياتهم، فلا شك أن شقها الثاني ليس كذلك. لا أحد يستطيع المقامرة بأن يضع صحته أو حياته في كفة مع قطعة جلد مهما ادّعى ذلك نظريا. (1)

    

لماذا نحن هنا؟ لأن كل دوريات أوروبا الكبرى قد أُوقِفت، وكذلك دوري الأبطال واليوروباليغ، بعد تفشي فيروس كورونا الجديد في القارة العجوز، ولسوء الحظ أن خطورته تتضاعف مع كل ما هو عجوز. البطولات توقفت بعد أن تفشى الفيروس بالفعل، وتأخر القرار إلى الوقت الذي خرجت فيه الأمور عن السيطرة، إلى لحظة ما أعلن رئيس وزراء إنجلترا نفسه الرسالة صريحة لشعبه قائلا: "استعدوا لفراق أحبائكم". (2)

      

   

نحن هنا ما بين العديد من وجهات النظر، حيث سيتّفق البعض مع كون الخسائر الاقتصادية الكبرى دافعا وراء محاولة إجراء المباريات في موعدها، وسيذهب الآخرون إلى كون الأمور مدروسة طبيا من قِبل القائمين على اللعبة، ولكن بالسير مع كل هذه الفرضيات حتى نهايتها، وجدنا أن القرار قد أتى متأخرا أيضا.

     

لا نُصدِّق

خسائر اقتصادية أم صحية؟ هذه المعادلة واجهها الكوكب كاملا وأجاب الإجابة الخاطئة، لأن أحدا لم يظن في البداية أن الأمور ستصل إلى هذا السوء. بداية بتأخير العالم في إغلاق خطوط التجارة والطيران مع الصين منبع الفيروس، ثم عدم القلق من تزايد عدد الحالات طالما أننا لم نصل إلى نسبة الوفيات المقلقة، وطالما ما زلنا نستطيع إحصاء الضحايا القلائل بنظام العد البدائي؛ واحد، اثنان، ثلاثة.

  

فجأة وجد الجميع أنفسهم أمام كارثة لا حل لها، وأدركوا ذلك بعد فوات الأوان، فجاءت القرارات الصائبة ولكن بعدما تمكّن الفيروس من العالم. بدأنا نشاهد قرارات الحجر الصحي في مختلف الدول ومنع التجمعات وتعطيل الأنشطة التي تتطلب وجودها، ولكن بعد ماذا؟ بعدما أصبحت إصابة أغلب سكان قارة أوروبا بالفيروس أمرا راجحا، حسب ما اعترف به بوريس جونسون رئيس وزراء إنجلترا والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل. (3)(4)

   

   

في الوقت الحالي خضع الجميع إلى منظمة الصحة العالمية والآراء الطبية، وذهب جياني إنفانتينو رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم إلى رئيس المنظمة من أجل معرفة كيفية التعامل مع منافسات الكرة في الوضع الراهن، ولجأت أندية كبرى إلى الفحوصات الدقيقة المتكررة للاعبين وكذلك الاعتماد على الآراء الطبية في منع الاختلاط واستخدام أكثر من شخص للأدوات ذاتها، وكأن التحذيرات لم تكن لتصدر من المؤسسات ذاتها مثلا قبل الوصول إلى تلك الحالة! (5)(6)

     

كل ذلك كان من الممكن أن يُبرَّر حين كان الفيروس في موطنه الأم فقط -الصين-، ولكن مع بداية ظهور حالات في أوروبا ما التبرير؟ الشعوب والجماهير ستظل تعاني من الجهل أو عدم الاكتراث في كثير من الحالات، حيث إن جماهير الفِرَق التي لعبت مبارياتها خلف أبواب مغلقة تجمّعت خارج الملاعب من أجل التشجيع، ولم يكترث الطليان على سبيل المثال بالفيروس، حيث تعاملوا معه كما يتعاملون مع الإنفلونزا الموسمية، والنتيجة أنه وفقا للإحصائيات باتت إيطاليا أكثر دول العالم تضرُّرا من الفيروس في يومنا هذا. (7)

    

اللوم على الجماهير؟ بالطبع، ولكن الاستهتار من هؤلاء الذين لا يعلمون يمكن تفهُّمه، حتى ولو لم يكن مقبولا، ولكن ماذا عن أصحاب القرار؟ هؤلاء الذين يتواصلون اليوم مع المنظمات الصحية لمعرفة كيف سيكون الوضع مستقبلا، لا يمكن أن نقتنع أن هؤلاء لم يكونوا على علم بمخاطر الأمر المحتملة في حال سار كل شيء بشكل طبيعي، وإن افترضنا حسن النية وكان الأمر كذلك، فإن هذا لا يعفيهم من التقصير، لأنهم مع خطورة الوضع لم يسعوا إلى معرفة كيفية التعامل مع المسابقات الرياضية إلا بعدما خرجت الأمور عن السيطرة.

     

   

الأرباح أم الأرواح؟

"إلغاء الموسم سيعني ضررا كبيرا على مستوى أرباح الأندية خاصة فيما يتعلق بحقوق البث التلفزيوني، وهذا سيُشكِّل خطرا كبيرا على مستقبل ميزانيات بعض الأندية وخاصة المتوسطة"

(كارل هاينس رومينيغه، المدير التنفيذي لبايرن ميونخ)

  

إذا كنت أحد القائمين على صناعة كرة القدم اليوم فإنك تُدرك جيدا حجم الخسائر الاقتصادية التي يُسبِّبها غياب الجمهور عن الملاعب، فما بالك بتعطيل النشاط لفترة؟ أو إلغاء البطولات لهذا الموسم، أو الأكبر من ذلك تعطيل مسابقات أكبر كدورة الألعاب الأولمبية وكأس الأمم الأوروبية؟ أشياء تجعلك تضع قرار الإلغاء أو التعطيل كآخر الاحتمالات، وهو ما حدث بالفعل، ولكن ماذا إذا كانت صحة البشر هي المتضرر من الأمر؟ وماذا إذا كان المقصود بكلمة البشر هنا هم مَن يعيشون على الكوكب كله وليس فقط في مدينة أو بلد واحد؟

  

تصريح رومينيغه المذكور تطرّق فقط إلى حقوق البث التلفزيوني والتي تُشكِّل جزءا كبيرا من مداخيل الأندية، ولم يتحدث عن عقود الرعاية وإغلاق بعض المتاجر وفقدان أرباح تذاكر المباريات وخلافه، تخيَّل ماذا سيفعل اجتماع هذه العوامل باقتصاديات كرة القدم حول العالم؟ إذا لم تكن تمتلك قدرة على التخيل فلا بأس، سنعطيك فكرة بسيطة وبالأرقام. (8)

     

  

الإذاعة الألمانية "DW" أوضحت تأثير عدم استكمال الموسم في البلاد على الأندية، حيث قالت إن الخسائر الاقتصادية لأندية البوندسليغا لن تقل عن 750 مليون يورو بأي حال من الأحوال، ذلك ما بين فقدان أرباح التذاكر وحقوق البث، حيث تتقاضى أندية البوندسليغا ما مجموعه 1.4 مليار يورو كمقابل لبث الجولات الـ 34 للبطولة، هذا في الوقت الذي لا تملك فيه الأندية بدائل للدخل المفقود من البث التلفزيوني، الذي سيصل وحده إلى 370 مليون يورو. (9)

  

هذه الأرقام ستتضاعف بالطبع إذا تحدّثت عن الأمر ذاته في البريميرليغ، كذلك ستكون متقاربة في كلٍّ من إسبانيا وإيطاليا، وإذا أضفت دوري أبطال أوروبا واليوروباليغ إلى الواجهة، ووضعت أموال الإعلانات والدعاية التي تقوم بها الشركات استنادا إلى الأوقات الحاسمة من الموسم، فستدرك أن حجم الخسائر الاقتصادية التي ستتكبّدها الأندية في حالة التعامل مع فيروس كورونا بجدية أكبر مما يمكن تخيّله.

  

ذلك الأمر يقودنا إلى سؤال؛ هل يُعَدُّ ذلك مبررا لخسارة الأرواح أمامه؟ في عصر الرأسمالية قد تكون الإجابة نعم، وإن سرنا معها إلى النهاية وتعاملنا مع الأرباح كأكثر الأشياء أهمية، فإننا سنضطر لعقد مقارنة بين الوضع في حال عُطِّلت المنافسات قبل تفشي المرض وبينه اليوم، حيث باتت البطولات مهددة بالإلغاء لا التعطيل، وأصبحت كرة القدم ذاتها مهددة بالتوقف تماما لشهور طويلة، مما سيجعل الخسائر المحتملة لاقتصاديات اللعبة تتضاعف أكثر، في وضع كان يمكن تلاشيه إذا تُعومِل بجدية مع الأمر منذ بدايته.

   

بعد فوات الأوان
في بداية انتشار الفيروس في إيطاليا أوصت اللجنة الأولمبية بإيقاف النشاط، فلم يستجب أحد
    

"كُنّا نُفضِّل أن يُوقَف الدوري في وقت أبكر، ولكن أن يتم ذلك في وقت متأخر خير من ألا يتم"

(فيتشينزو سبادافورا، وزير الرياضة الإيطالي)

   

حالة الندم تلك لم تقتصر على وزير الرياضة الإيطالي فقط، بل إن الجميع أدركوا حجم ما ارتكبوه، حيث لم يتوقعوا أن تصل الأمور إلى ذلك الحد، وحين وصلت شعر الجميع بحالة من جلد الذات، حيث ندموا على التأخير الذي زاد من حجم الكارثة، وخاصة السلطات الحكومية التي انصاعت في البداية لقرارات المسؤولين المباشرين عن اللعبة والاتحادات المنظمة للمنافسات المحلية والقارية، قبل أن يأتوا بالقرارات العليا في النهاية، ولكن نُكرِّر، بعد فوات الأوان. (10)

   

في بداية انتشار الفيروس في إيطاليا أوصت اللجنة الأولمبية بإيقاف النشاط، فلم يستجب أحد. رابطة الأندية الإيطالية اقترحت اللجوء إلى الخيار الأكثر أمنا بتعليق منافسات الدوري، ولم يستجب أحد كذلك. حتى اضطررنا لأن يأتي القرار من جهة حكومية بعد أن خرجت الأمور تماما عن السيطرة. وبالنظر إلى تطور الأحداث، لا نتوقع أن القرار كان سيأتي من تلك الجهات إن لم يكن سياديا، حتى في حالة تفشي الوباء بتلك الصورة المرعبة. (11)(12)

   

في إنجلترا، ووفقا للخطة العلاجية -التي ستُفصَّل في الفقرة المقبلة- كان من المقرر أن تُقام المنافسات بشكل عادي، ولكن ما يُثير الدهشة هو قرار التعليق المفاجئ بمجرد ظهور حالات بين اللاعبين والمدربين، تلك التي كان أولها هودسون أودوي لاعب تشيلسي ومايكل أرتيتا المدير الفني لأرسنال. الأمر يبدو مفهوما بإلغاء المسابقات بمجرد ظهور حالة بين اللاعبين لأن الفيروس سيمنعهم من ممارسة اللعبة بشكل طبيعي. ولكن بالنظر إلى الخطة العلاجية التي فضَّلت سير الحياة بشكل طبيعي، ألم يكن ذلك متوقعا؟ إذن لماذا تفاجأت رابطة الدوري الإنجليزي بإصابة أرتيتا وعلى إثره قرّرت تعليق المسابقة إلى الثالث من إبريل/نيسان رغم إعلانها قبل القرار بـ 24 ساعة فقط أن المنافسات ستستمر بشكل طبيعي؟ (13)(14)(15)

    

  

حالات الفوضى التي شهدها أكثر من بلد أوروبي تُبرز سوء التخطيط، ذلك في حال لم تكن النية الخبيثة مبيّتة، وأن الجميع وصل إلى حالة الندم بعد أن خرجت الأمور عن السيطرة، نظرا لأنهم لم يتوقّعوا أن يكونوا سببا في كل ما حدث. الخلاصة أنه حتى وإن اختلفت الخطط العلاجية بين الدول، فإن القرارات التي اتخذها المسؤولون عن اللعبة لم تتوافق مع ذلك. وبالحديث عن تلك الأمور الصحية، وجب الاستعانة بأصحاب التخصص.

    

يقول شادي عبد الحافظ

خلال حوار أُجري مع المحرر بقسم العلوم في "ميدان" شادي عبد الحافط، أردنا أن ننسج خيوط وصل ما بين الرؤية الرياضية للموقف وبعض الأسئلة الطبية التي قد لا يمتلك متابع كرة القدم الإجابة عنها، إذ إنه من المحتمل أن يكون القائمون على اللعبة قد قاموا بالإجراءات الصحيحة على المستوى الصحي، ولكننا لم ندرك ذلك لأننا لسنا أهل تخصص، وهكذا تحدّث:

     

   

"مبدئيا نحن نتحدث عن أكثر من دولة، لذا وجب التوضيح أولا أن هناك فارقا بينهم، بريطانيا مثلا تعتمد على آلية مناعة القطيع، والدول الأخرى تعتمد على آلية العزل الاجتماعي الصارم. لفهم الفكرة دعنا نبدأ من نقطة مهمة، أول شيء هو أن الوقت لم يَعُد مناسبا للاحتواء، انتهى الأمر تقريبا ولا يمكن بسهولة أن توقف المرض عن الانتشار.

  

لهذا السبب فإن ما نتحدث عنه الآن، عالميا، ليس إنهاء الانتشار وإنما تسطيح المنحنى (flattening the curve)، يعني هذا الاصطلاح أن تقوم المنظومة الصحية باتخاذ كل الإجراءات التي يمكن لها أن تُخفّض عدد المصابين اليومي قدر الإمكان، بحيث يتناسب مع قدراتها وعدد أسرّة الطوارئ في مستشفياتها. كمثال، إذا كان عدد الحالات 100 ألف، سنصل له لا محالة، فيُفضَّل أن يحدث ذلك في شهرين بدلا من شهر واحد، حتى تستطيع الأنظمة الصحية استيعاب عدد الحالات وتقديم الرعاية الكافية. (16)

  

إيطاليا تريد أن تصل إلى هذا الهدف عبر العزل الاجتماعي الصارم، قطع شبكة الفيروس، بريطانيا تريد الوصول إليه بشكل جزئي من خلال إجراءات أقل حِدة، أي إنها تقول إنه يجب تخفيف عدد الحالات اليومية، لكن ليس بالضرورة أن نصنع تخفيفا كاملا، لأن لنا هدفا جانبيا وهو مناعة القطيع. (17)(18)

  

لفهم فكرة مناعة القطيع دعنا نفترض أن مدينة ما بها 1000 مواطن فقط، وهناك مرض مُعْدٍ ينتشر في المدينة، يعني ذلك فرصة هائلة لتنقل المرض خلال النطاق الجغرافي لها، لكن ماذا لو كان هناك 600 شخص في المدينة آمنين من المرض لأنهم أُصيبوا به من قبل ولا يمكن لهم الإصابة به أو نقله؟ يُقلِّل ذلك بشكل جذري من معدل انتقال المرض في المدينة. حينما تُصاب مجموعة من الأشخاص بكورونا الجديد فإن نسبة صغيرة منهم فقط هي التي يمكن لها أن تُصاب مرة أخرى بالمرض نفسه، نحو 14% فقط حسب الإحصائيات. (19)

    

   

وهنا في حال افترضنا أن السياسة العلاجية لبريطانيا هي مَن أقرّت استمرار منافسات البريميرليغ بشكل طبيعي، فإن استمرار منافسات الدوري الإيطالي يتعارض مع فكرة العزل الاجتماعي الصارم الذي طبقته إيطاليا. هنا إما تسيد الجهل وإما ذهبت الأولوية للأرباح على الأرواح كما أسلفنا، وليس هناك احتمال آخر بأن يكون أيٌّ من القرارات التي سبقت تعليق النشاط مدروسا".

  

إذن نلعب بدون جمهور، وبذلك نقضي على التجمعات الكبرى، فتجمعات اللاعبين والمدربين ليست إلا 22 رجلا في الملعب ومثلهم تقريبا في الخارج، بإجمالي الصحفيين والإداريين يصل العدد إلى 100 شخص، وهذا ليس خطرا، فهل ذلك صحيح؟

  

"ليس صحيحا، بداية، كورونا الجديد ينتشر بالعدوى المباشرة، أي إنه لا يجري في هواء المدينة، بالتالي يجب أن تكون في محيط مترين من الشخص المصاب، ولعدة دقائق، حتى تلتقط الإصابة، يعني ذلك أن التجمعات الكبيرة -في خطرها- كالتجمعات الصغيرة، لأن المرض لا ينتشر في كل التجمُّع. لا فارق بين تجمُّع يضم 22 فردا أو 5000.

  

ثانيا، إجراء المباريات يعني السفر المتكرر للاعبين، والمطارات تُعَدُّ نقاطا خطيرة جدا ويُتوقَّع نقل العدوى من خلالها، لأنه قد يكون هناك مصاب قريب وهو احتمال وارد بسبب تفشي المرض في الكثير من الدول، وجودك في المطار أو مرورك عبره أمر أكثر خطورة من الوجود في الشارع كمثال، وتكراره بين عدة دول تُعاني بشكل متفاوت من انتشار المرض يُعدُّ أمرا بالغ الخطورة، وهو ما ظل يحدث بالفعل من أجل استكمال منافسات البطولات الأوروبية".

   

المرض بدأ في التفشي في أوروبا قبل إيقاف المنافسات بنحو شهر، ومع مرور وقت على تفشي المرض دون ظهور حالات بين اللاعبين، فهل ربط قرار الإلغاء بمجرد ظهور حالة يُعَدُّ صائبا؟ بما أن إجراء المباريات دون جمهور قد سار بشكل ناجح ولم ينتج عنه إصابات بين الحاضرين داخل الملاعب؟

    

   

"جميع المتخصصين يعلمون أن هذا المرض ينتقل خلال فترة الحضانة، أي الفترة بين التقاط العدوى وظهور الأعراض. كورونا الجديد ينتقل بدون أعراض، يعني ذلك أن انتظار ظهور حالة أمر خاطئ، لأنها يمكن أن تكون قد نقلت العدوى لآخرين قبل ظهور الأعراض وأولها الحمّى والسعال، كون اللاعبين يأكلون معا ويستخدمون حمام سباحة مشتركا وغرفا واحدة وما إلى ذلك، هذا يُعزِّز من إمكانية انتقال الفيروس فيما بينهم، دون أن تظهر أي أعراض على أحدهم، خاصة إن لم يُفحَصوا يوميا، وهذا من الصعب أن يحدث في جميع الأندية".

    

ولكن وفقا للإحصائيات قد يكون الخيار صائبا، طالما المرض لا يبدو خطيرا على الشباب بقدر خطورته على كبار السن، فهل اعتُمد في قرار سير المنافسات بشكل طبيعي على عُمر اللاعبين الصغير؟

  

"نعرف الآن أن 81% من الحالات لا تحتاج إلى متابعة طبية، 14% تحتاج إلى متابعة طبية لكنها ليست خطيرة، و5% فقط حالات حرجة. (20)

    

الفئات الأكثر تعرُّضا للمخاطر الشديدة للمرض تلك التي تتجاوز الـ 40 عاما، من هم دون الأربعين احتمالات وفاتهم لا تتجاوز 0.2%، يعني ذلك أنه يمكن أن يلتقطوا المرض لكن دون أعراض متقدمة جدا، ولكن يظل الاحتمال واردا، وبما أن اللاعبين سيتعاملون حتما مع فئة كبار السن، فمن الممكن أن ينشروا المرض بين تلك الفئة التي تُشكِّل الحالات الحرجة، مما يزيد من خطورة الأمر، وإن لم يحدث ذلك فإن الخطر على صحتهم هم يظل قائما، خاصة أنك تتحدث عن فيروس يؤثر على عمل الرئتين، والتي هي رأس مال هؤلاء الرياضيين.

     

  

لاعبون أم مجرد خنازير؟

"بعد الاجتماع الطارئ اتُّخِذ القرار الصحيح بالتأجيل، ولكن حتى ذلك الحين بدا لاعبو كرة القدم وكأنهم خنازير تجارب بالنسبة للحكومة والاتحاد الإنجليزي"

(واين روني، الهداف التاريخي لمانشستر يونايتد)

   

في الآونة الأخيرة، أبدى العديد من اللاعبين غضبهم من مسألة التعامل معهم كآلات لا كأرواح، أو كخنازير تجارب كما تجرأ واين روني ليستخدم ذلك المصطلح. سنلعب المباريات بدون جمهور خوفا من انتقال العدوى بين المشجعين، وماذا عن اللاعبين؟ ما المشكلة أن يواجهوا المرض؟ ألا يحصلون على ملايين اليوروهات مقابل ذلك؟ (21)

    

بالفعل كان هذا هو المنطق في التعامل مع اللاعبين، حتى وإن لم يكن من أصحاب القرار فهو من الجماهير، الكثير من الأصوات كانت تطالب باستمرار المنافسات حتى في ظل حالة الخطر حتى لا تنتهي المتعة، كون هؤلاء اللاعبين يحصلون على رواتبهم الباهظة في مقابل تقديم المتعة لجماهيرهم.

  

كارلو أنشيلوتي كذلك تحدث عن عدم إدراك الإنجليز لخطورة الفيروس، حيث أبدى استغرابه من تعاملهم مع الكارثة، بينما صب نونو سانتو غضبه على الاتحاد الأوروبي بسبب إجراء مباراة ولفرهامبتون أمام أولمبياكوس في اليوروبا ليغ بشكل طبيعي، على الرغم من كون ذلك تهديدا لصحة اللاعبين والمدربين والبعثة التي ستضطر إلى السفر لليونان. (22)(23)

    

"لماذا انتظرنا حتى يوم الجمعة لإيقاف الكرة؟ لماذا كان على أرتيتا أن يُصاب بالمرض حتى تفعل إنجلترا الشيء الصحيح؟".

    

اللاعب روني (رويترز)

    

من خلال هذا التصريح تحدث روني عن زاوية أخرى في تلك المسألة، حيث تبدو إصابة أحد اللاعبين بالفيروس نتيجة حتمية لاستمرار النشاط في ذروة الخطر، فإذا سلّمنا بذلك، فلماذا يجب أن يصاب أحد اللاعبين أو المدربين أمام أعيننا لنتأكد أن هؤلاء بشر مثلنا ويواجهون احتمالية الإصابة بالمرض؟ هذه الصورة تُفسِّر بالفعل أن التعامل معهم كان من منطلق كونهم فئة أخرى غير البشر، وكأن القائمين على اللعبة أرادوا استخدامهم للتجربة ليكتشفوا قوة مناعتهم!

    

ماريو بالوتيلي أثار هذا التساؤل في حديث إنساني راقٍ، قبل حتى أن تُوقَف المنافسات في أوروبا، حيث وجّه الأمر إلى زاوية أخرى وهي خوف اللاعبين على أُسرهم، فإذا وضعت أم اللاعب وزوجته وأخيه ووالده في حالة عزل في مدنهم، فإنك هنا ستواجه احتمالا من اثنين، إما حرمان اللاعب من رؤية أهله كونه مُعرّضا للإصابة بالفيروس حتى لا ينقل العدوى إليهم، وإما تركه يقابلهم بشكل طبيعي مما يعرّضهم جميعا لاحتمالية الإصابة، وهنا يصبح وضعهم في حالة عزل بلا فائدة من الأساس. بالوتيلي اختصر الأمر في جملتين؛ لا أستطيع مشاهدة أطفالي، ولا أود أن ينتقل الفيروس إلى أمي بسببي. بالتأكيد لا أحد يقبل أن يصل إلى هذه المرحلة فقط لأنه أداة للربح في يد البعض وللمتعة في يد الآخرين، حتى وإن كان يتقاضى أموالا ضخمة مقابل هذا. (24)

    

بالعودة إلى الفرضية الأولى، تلك التي تُشير إلى أن القائمين على اللعبة قد قرّروا أن الأرباح هي الأهم، فإنك في هذه الحالة ستفقد أداة الربح الخاصة بك وهي اللاعبون. هل تتوقع أن هؤلاء الذين عُرِّضت حياتهم للخطر وأخبرتهم أن صحتهم لا تساوي شيئا بالنسبة لك سيتمتعون بالرغبة نفسها والشغف نفسه في ممارسة اللعبة؟ حتى وإن استمروا فهناك حاجز لن تتمكّن من هدمه بسهولة، ذلك الذي سيجعلهم يرتدون قمصانهم في كل مرة وهم يعلمون أنهم مجرد أدوات ليس إلا، وأن أرواحهم، رغم كل ثرواتهم تلك، لا تساوي شيئا عند المسؤولين، بل وعند جزء من مشجعيهم أيضا.

       

  

اسألوا الصين

ما يُثبت الفشل الأوروبي في التعامل مع كورونا هي الصين، نعم بؤرة الفيروس نفسها. البلد الذي يسكنه خُمس سكان الكوكب والذي ظهر فيه الوباء نجح في السيطرة عليه بشكل جزئي، وسط توقعات بأن ينتهي انتشاره في إبريل/نيسان المقبل، بعد أن وصل الانتشار إلى ذروته في فبراير/شباط الماضي. هنا الحديث ليس عن السرعة في بناء المستشفيات والإجراءات المتطورة، بل فقط في أبسط الأشياء وأكثرها بديهية وهي سرعة عزل المدن التي ينتشر بها مهما كلّف الأمر. (25)

  

الإجراءات التي اتخذتها الصين للوصول إلى ما سُمّي بـ "محاصرة الفيروس" كانت صعبة ومُكلِّفة وأثّرت بشكل كبير على الاقتصاد، ولكنها كانت الأنسب من أجل السيطرة على التهديد قبل أن يزداد ويخرج عن السيطرة. البعض يقول إن الانتصار الصيني على كورونا وهمي وليس حقيقيا، والأرقام التي تروّجها البلاد من أجل إثبات ذلك غير صحيحة، ولكن على الأقل الإجراءات الصارمة التي اتخذتها الصين في محاربة الفيروس نعلمها جميعا، وهي التي جعلت البلاد المُصدِّرة للفيروس تبدأ في تصدير فِرَق علاجية إلى إيطاليا والدول الأكثر تضرُّرا الآن. (26)(27)

     

   

فيما يخص الرياضة فقد عطّلت الصين مسابقات كرة القدم المحلية كافة في الثلاثين من يناير/كانون الثاني، علما بأن الدوري يبدأ هناك في هذه الحدود، أي إنه في حال كانت هناك منافسات للدوري الصيني قبلها كان من الممكن أن يُوقَف في وقت أسبق، أي بمجرد تطبيق الحجر الصحي الإجباري على مقاطعة ووهان وبعض المدن الأخرى التي تفشى فيها الوباء. (28)

  

النموذج الصيني الصارم يبدو فعّالا وفق ما وصلنا وحتى الآن، وإن لم يكن كذلك، وإذا ذهبنا إلى تصديق النظرية التي ترى كذب ادعاءات الصين في السيطرة على الفيروس وأنهم يخفون الأرقام الحقيقية، فإنه منطقيا لا بديل عن تلك الإجراءات الصارمة التي اتخذوها على الأقل مع نشاط ثانوي ككرة القدم، حتى وإن كان يجلب الكثير من الأرباح، طالما ليس من أولويات المعيشة ويسهل الاستغناء عنه، فليذهب إلى الجحيم طالما سيُوضع في كفة ميزان أمام صحة البشر في الكفة الأخرى.

  

الأرباح أم الأرواح؟ هو سؤال أجاب عنه أصحاب الأموال والمسؤولون عن كرة القدم بشكل خاطئ، ليس فقط لأنهم اختاروا الأموال، ولكن لأنهم لم ينجحوا في الحفاظ على ما اختاروه، فبعد أن كانت الأمور ستتوقف لفترة وهي تحت السيطرة، الآن لا يعلم أحد إلى متى سيمتد الإيقاف بعدما تفشى المرض، ولا يستطيع أحد تحديد الفترة التي سينتهي فيها تأثير ذلك حتى بعد عودة النشاط، الأمر الذي بات يُهدِّد بفترة كساد تشبه تلك التي تلت الحرب العالمية الثانية، حيث إن هناك مليارات بل تريليونات من المتوقع أن تخسرها ميزانيات الأندية والشركات والمعلنين والمستثمرين في اللعبة، وليس من المتوقع أن يُعوَّض ذلك سريعا في ظل اقتصاد سيتأثر بالكارثة التي يمر بها الكوكب. نصيحة، إذا وُضِعت في اختبار مستقبلي أجبرك على الاختيار ما بين الأرباح أو الأرواح، فلا تختر الأولى، لأنك إن فعلت ذلك فإنك حتما ستخسر كليهما كما أخبرتنا تجربة كورونا.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة