دقائق من قتل المشاعر.. التأثير النفسي لتطبيق تقنية الـ "VAR"

تخيَّل معي للحظة أنك تعرَّضت للفصل من العمل، وذلك بسبب خطأ ظُنّ أنك مَن تسبَّبت به، في حين أنك تعلم جيدا أنه ليس خطأك ولكنه خطأ زميل لك في العمل، وعلى هذا الأساس توجهتما معا إلى أروقة المحاكم من أجل الفصل بينكما في تلك الأزمة، التي ستؤدي حتما إلى فصل أحدكما من العمل بشكل فوري.

  

ولكنك فوجئت أن الأمر سيستغرق وقتا كبيرا قد يصل إلى أكثر من عام مثلا، وفي الوقت ذاته هناك ضمانة أن الحكم سيكون في صالحك، وستتحقَّق العدالة، وتعود لعملك بشكل طبيعي، السؤال هنا إذن: هل ستسأم طول مدة الإجراءات وترفض تحقيق العدالة أم ستحاول تجاوز طول الوقت في سبيل العودة للعمل بشكل طبيعي؟ فكِّر في الإجابة الآن، ودَعْ حسم الأمر في نهاية السطور التالية.

     

    

لماذا نحن هنا؟

رحلتنا نحو هذا التقرير بدأت منذ الموسم الماضي، حين رفعت جماهير الأندية في البوندسليغا لافتات تحمل عبارات صريحة ضد تقنية الفار مثل: "إلغاء حكام الفيديو!" و"استعيدوا اللعبة! ألقوا الفار!". الأمر مفهوم بالطبع لو كانت تلك الاعتراضات نتيجة بعض القرارات الخاطئة لتقنية حكام الفيديو "VAR"، والتي استُحدثت مؤخرا في كأس العالم الأخيرة. ولكن العجيب أن تلك الاعتراضات جاءت من جماهير الفِرَق التي استفادت من قرارات التقنية الصحيحة في معظم المباريات، فعلى سبيل المثال: لجأ حكم مباراة بوروسيا دورتموند وكولن إلى تقنية الفيديو مرتين، وفي القرارين كانت النتيجة لصالح الفريق الأسود والأصفر، وقتها رفعت جماهير دورتموند لافتة تقول: "الفار.. أنت تدمر رياضتنا"!(1)

  

"60% من جمهور كرة القدم في البريميرليغ يعتقدون أن تقنية الفار جعلت المباريات أقل متعة، وبلغ تقييمه للتكنولوجيا الجديدة 4\10 فقط"

(دراسة من مركز(5) YouGov))

  

ومن ألمانيا إلى بلاد الضباب في البريمرليغ، حيث نشر موقع ساتس بومب تقريرا يوضح تأثير تطبيق تقنية الـ "VAR"، ومقارنتها بالموسم السابق في ظل عدم تطبيق التقنية، والمفاجأة أن التقرير أفاد أنه بشكل عام لم يُغيِّر تطبيق الفار من الطبيعة الكلية لكرة القدم في الدوري المحلي، وبالرغم من ذلك يشعر الكثيرون بضرورة إلغاء التقنية.(2)

     

  

وبعيدا عن أرقام الإحصائيات الكثيرة المشروحة تفصيلا في التقرير، ولا داعي لشرحها مجددا هنا، سنُركِّز فقط على المقارنة بين عدد الأخطاء التي احتُسبت نتيجة التسلل لفِرَق الدوري حتى منتصف الموسمين الحالي والماضي، والتي تُوضِّح تغيُّرا كبيرا نسبيا مقارنة بباقي الإحصائيات محل الدراسة، حيث قلّل الفار من عدد تلك الأخطاء على مدار شهور النصف الأول باستثناء شهر أكتوبر/تشرين الأول، والذي شهد زيادة طفيفة عن الموسم الماضي.

  

وهنا نريد أن نوضح شيئا؛ قرار التسلل بالأساس هو قرار الحكم المساعد، الذي بدوره يقوم برؤية اللعبة من أحد جانبَيْ الملعب ويُشير إلى حكم المباراة الذي يتخذ القرار، وهذه هي العملية التقليدية والتي كانت مُتَّبعة الموسم الماضي، أما الموسم الحالي فما زالت تلك العملية هي المُتَّبعة، ولكن ما زاد عليها فقط هو التأكُّد من ذلك القرار عن طريق الرجوع إلى الفيديو ومشاهدة اللعبة بشكل أوضح، وبالتالي أصبح قرار حكم المباراة مدعوما بقرار المساعد، وأيضا تقنية الفيديو، مما يعني زيادة دقة القرارات الخاصة بالتسلل وليس العكس.

        

      

دقائق من قتل المشاعر

يُرجِع مات فورد، الصحفي الألماني في مؤسسة دويتشه فيله، حالة العداء ضد التقنية إلى أن التأثير النفسي لعملية انتظار قرار الفار نفسها هي سبب تلك الحالة، حيث إنها تقتل مشاعر الجماهير المتحفزة في مدرجات الملعب، وذلك بغض النظر عن طبيعة تلك المشاعر سواء كانت النشوة أو الإحباط، لأنها في الحالتين تجعل كرة القدم لعبة حية. وعلى العكس تماما، في حالة مشاهدة المباريات من المنازل عبر شاشات التلفاز، لأن تقنية الفار في هذه الحالة تشبع الجزء الدرامي للمشاهد، الأمر يشبه انتظار معرفة هل اختار المتسابق في إحدى المسابقات الإجابة الصحيحة أم لا، وهذا ما يُفسِّر اعتراض الجماهير على التقنية رغم أن القرارات التي اتُّخِذت في صالح فريقها.(1)

      

 

وفقا لتقرير نشرته جريدة الماركا الإسبانية حول التأثيرات النفسية للفار، فإن عددا من اللاعبين اتفقوا مع الرأي السابق حول فترة الانتظار التي وصفوها بالقاتلة، وقال جافي مويانو، لاعب فياريال: "عاطفيا، إنه يؤثر عليك لا شك في ذلك، لأنه يستغرق خمس دقائق عندما لا تعرف ما الذي سيحدث، وبعد ذلك إذا كان القرار مخالفا لك فإن المشاعر التي تُترك لك سلبية، فهناك قرارات لا يدركها اللاعبون أحيانا"، وأضاف زميله السابق في الفريق، ألفارو غونزاليس: "بعيدا عن فهم القرارات حتى، ينتهي بك الأمر بأن تفقد تركيزك بشكل كامل وتخرج من جو المباراة، وهذا يحدث عندما تتوقف المباراة لأي سبب وليس الفار فقط".(3)

  

على صعيد المدربين لم يختلف الأمر كثيرا، حيث يرى البرتغالي جوزيه مورينيو أن فكرة الفار ليست جيدة بالنسبة للمشاعر، وأن مشاهدة كل شيء في الشاشة التي أمامه في الملعب يخلق الكثير من العواطف، ولكن في الوقت نفسه أقرّ بأن هناك العديد من الأشياء التي يصعب على الحكام رؤيتها في الملعب، فهم لا يرون الأشياء نفسها التي يراها الأفراد على شاشة الملعب، وهذا هو الدور الذي يقوم به الفار في الوقت الحالي.(4)

    

  

ماذا يقول العلم؟

حسب "باتريشيا راميريز"، عالمة علم النفس الرياضي الشهيرة، فإن الوقت الذي يتوقف فيه اللاعبون عن اللعب انتظارا لقرار الفار، ثم العودة لمواصلة اللعب مرة أخرى، يشبه تماما ما نقوم به عندما يكون لدينا عدد من المهمات التي نقوم بها في الوقت نفسه مثل: الرد على المكالمات الهاتفية، وقراءة عدد كبير من رسائل البريد الإلكتروني ثم العودة إلى هواتفنا مرة أخرى، ففي كل مرة نترك فيها مهمة ونذهب إلى أخرى يكون من الصعب الحفاظ على التركيز نفسه الذي كنا عليه في المرة الأولى للمهمة.

  

"الأمر ليس سهلا، ولكن يمكن التدرّب العقلي للحفاظ على التركيز حتى لا يخرج اللاعبون عن اللعب عندما يكون هناك توقفات من أجل تقنية الفيديو"

(باتريشيا راميريز)

    

لا شك أن استحداث تقنية الفار ساهم وسيُساهم بشكل كبير في زيادة دقة قرارات الحكام، ولكن بالوقت نفسه طريقة تطبيق التقنية نفسها ما زال باب التطوير فيها مفتوحا
   

ولا يكون العائق في كيفية الحفاظ على التركيز فقط؛ إذ يبدأ اللاعب يفكر هل سيأتي قرار الفار في صالحه أم لا؟ تلك الحالة من الغموض تُولِّد القلق بشكل تدريجي ويصل الأمر إلى حد الانفعال، هنا يفقد اللاعب مستوى التنافسية التي كان عليها قبل التوقف، وفقا لنظرية يُطلق عليها الشلل نتيجة التحليل (Paralysis By Analysis)، وهي ببساطة تعني أن الإنسان يعطي الأمر الكثير من التحليل والاهتمام لدرجة تصل به إلى حد الشلل في التفكير فلا يستطيع أن يمارس نشاطه بشكل طبيعي بعد ذلك.(3)

  

لا شك أن استحداث تقنية الفار ساهم وسيُساهم بشكل كبير في زيادة دقة قرارات الحكام في لعبة كرة القدم، ولكن في الوقت نفسه طريقة تطبيق التقنية نفسها ما زال باب التطوير فيها مفتوحا، وحتى يُقرِّر القائمون على تطوير اللعبة العمل على ذلك، من المفترض أن نكون قد حسمنا أمرنا في التساؤل الذي طرحناه في مقدمة التقرير: هل سنسأم طول الوقت في تطبيق العدالة أم سنحاول التغلب على هذه الفترة في مقابل العودة إلى العمل مرة أخرى؟

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة