خسائر تقدر بالمليارات.. كيف وقعت أولمبياد طوكيو تحت رحمة فيروس كورونا؟

"حياة البشر أهم بكثير من أي مباراة لكرة القدم"

(جياني إنفانتينو)

  

هكذا أعلنها رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا"، جياني إنفانتينو، بشكل قاطع عند سؤاله عن موقف الفيفا من انتشار فيروس كورونا، وتأثير ذلك على إقامة المباريات خلال التوقف الدولي، والمسابقات الدولية التي تُديرها المؤسسة الأكبر لكرة القدم، مما يوحي بمدى خطورة الموقف الذي يشهده العالم حاليا في مواجهة الفيروس المستجد. (1)

  

وبالفعل شرعت بعض الدول في تأجيل عدد من دوريات الدوري المحلي مثل إيطاليا، فيما قامت إنجلترا بوضع عدد من القواعد أثناء المباريات مثل منع اللاعبين من مصافحة بعضهم بعضا قبيل المباريات، بل ووضعت بعض الأندية الإنجليزية هذا البند للاعبيها أيضا أثناء التدريبات، وبين ذلك وذاك تترقب دولا أخرى الموقف من أجل اتخاذ قرار مناسب، ويبقى خيار اللعب بدون جمهور مطروحا أمام الجميع.(2)(3)

     

    

تلك الحالة غير المُنظّمة من الإجراءات الاحترازية والتي تُشبه إلى حدٍّ كبير محاولات التغلب على تفشي الفيروس مؤخرا تبدو مناسبة للتعامل مع الموقف في الوقت الحالي، ولكن ماذا لو انتشر بشكل أكبر في اليابان، ونحن على أعتاب دورة الألعاب الأولمبية، الحدث الضخم الذي يضم عشرات الآلاف من الرياضيين، وملايين المشاهدين حول العالم، هل سيكون الأمر بهذه السهولة؟

     

   

ماذا يجري في اليابان؟

نظرا لقرب اليابان جغرافيا من الصين -منشأ فيروس كورونا- فهي تُعَدُّ من أكثر المناطق المُهدَّدة بخطره حول العالم، حيث وصل عدد الحالات حتى الآن إلى 420 حالة، توفي منهم 6 حالات، وشُفي 46 حالة، وما زال الباقي قيد الحجر الصحي، الأمر الذي انعكس بالطبع على العديد من الأحداث الرياضية هناك، حيث أُغلقت المدارس والعديد من المنشآت الخدمية، وتوقَّف الدوري الياباني لكرة القدم لأجل غير مُسمّى.

 

وفي الإطار نفسه، أُقيم ماراثون طوكيو للعَدْو بدون جماهير، ولم يُسمح سوى للاعبين المشاركين في الماراثون فقط بالحضور، وأُلغيت بطولة آسيا للرغبي، والتي كان من المُقرَّر أن تكون إحدى البطولات التحضيرية لاستضافة الأولمبياد، بل وتأجل التدريب الخاص بالمتطوّعين المُنظِّمين لدورة الألعاب الأولمبية.

  

نتيجة لما سبق، عقدت اللجنة الأولمبية الدولية اجتماعات مكثفة لمدة يومين، ليخرج بعدها رئيس اللجنة الأولمبية، توماس باخ، ليؤكّد لوسائل الإعلام أن اللجنة ملتزمة التزاما تاما بإقامة دورة الألعاب الأولمبية في موعدها، في الوقت الذي خرج فيه وزير الرياضة الياباني ليقول إن عقد دولته مع اللجنة الأولمبية يسمح بتأجيل الدورة لوقت لاحق هذا العام!(4)(5)

    

  

خسائر تُقدَّر بالمليارات

على مدار تاريخ دورات الألعاب الأولمبية منذ بدايتها في 1896، لم تُلغَ أي نسخة باستثناء 3 نسخ أثناء فترة الحرب العالمية الأولى والثانية، فالحديث عن إلغاء تلك النسخة أمر مستبعد للغاية، وهذا ما أكّده رئيس اللجنة الأولمبية مؤخرا أن أمر الإلغاء أو التأجيل لم يُطرح من الأساس على طاولة اجتماعات اللجنة حتى الآن.

  

الأمر لا يتوقّف عند هذا الحد، إذ أنفقت اليابان ما يقرب من 13.4 مليار دولار من أجل استضافة النسخة المقبلة من دورة الألعاب الأولمبية، 227 مليون دولار منها من أجل بناء الملعب الأولمبي الجديد في طوكيو، في الوقت نفسه يتوقّع الخبراء تعرُّض قطاع السياحة في اليابان لخسارة تُقدَّر بأكثر من 1.5 مليار دولار إذا لم يحضر العدد المتوقع من الجماهير التي ستأتي لدعم بعثات الدول المشاركة في الدورة.

       

     

"في حالة إلغاء النسخة الحالية من دورة الألعاب الأولمبية، فإن الخسائر المتوقعة للشركة تُقدَّر بـ 250 مليون دولار، وهي أرباح الشركة من الإعلانات في نسخة ريو دي جانيرو 2016"

(برايان روبرتس، رئيس مجلس إدارة الشركة المسؤولة عن حقوق بث الأولمبياد)

      

بجانب تلك الخسائر الهائلة لليابان، فهناك خسائر أخرى أيضا على أصحاب حقوق البث التليفزيوني، حيث يتوقّع كونراد واسيك، رئيس قسم التحليل والاستشارات في شركة "جلوبال داتا"، أن يتعرض هؤلاء لصدمات مالية في حالة أُلغيت النسخة المقبلة من الدورة الأولمبية، في الوقت نفسه تصل نسبة أرباح اللجنة الأولمبية من البث التليفزيوني فقط إلى 73%، والتي تُقدَّر بنحو 5.7 مليار دولار في النسخة الواحدة من دورات الألعاب الأولمبية.

  

وفقا لـ "سبورتكال داتا"، فإن اللجنة المنظمة لدورة الألعاب الأولمبية في اليابان استقطبت بالفعل نحو 70 شريكا محليا، وعقدت معهم شراكات بقيمة 900 مليون دولار. على الجانب الآخر، فإن شبكة قنوات "NBC Sports" المستحوذة على نصف حقوق البث التلفزيوني للبطولة قد باعت أكثر من 90% من عقود رعايتها هي الأخرى، بقيمة وصلت إلى 1.25 مليار دولار، مُسجِّلة رقما قياسيا جديدا لدورات الألعاب الأولمبية.(6)(7)

    

  

خطط بديلة؟

ظاهريا تبدو الأمور مستقرة لدى اللجنة الأولمبية الدولية فيما يخص موقفها من دورة طوكيو الصيف المقبل، فكل التصريحات الرسمية التي خرجت من اللجنة لم تتطرق حتى إلى احتمالية اتخاذ قرارات خلاف إقامة الدورة في موعدها المحدد سابقا، ولكن مع زيادة انتشار فيروس كورونا سيجب عليها بلا شك إيجاد خطة بديلة لتلك التي تُصِرُّ على تصديرها للصحافة العالمية.

  

"مَن يستطيع الاستعداد لاستضافة حدث بحجم ونطاق دورة الألعاب الأولمبية من اليوم وحتى خمسة أشهر قادمة؟ لا أحد، واقعيا"

(ديك باوند، عضو اللجنة الأولمبية الدولية)

  

ومع اعتبار فكرة الإلغاء أمرا مستبعدا، فقد تلجأ اللجنة إلى نقل الدورة من اليابان، كما حدث في بطولة كأس العالم لكرة السيدات في 2003، حيث نُقلت البطولة من الصين إلى الولايات المتحدة الأميركية بسبب تفشي عدوى السارس في ذلك الوقت، مع الأخذ في الاعتبار الفارق الشاسع بين إمكانية استضافة بطولة لكرة القدم واستضافة بطولة تضم أكثر من 30 لعبة كلٌّ منها يحتاج إلى ملاعب ومنشآت وخدمات، بالإضافة إلى استعداد تلك المدينة لاستضافة الملايين من الجماهير التي تبحث بدورها عن خدمات فندقية وسياحية وغيرها.

    

قد يلجأ المنظمون إلى اللعب بدون جمهور وإقامة الدورة بحضور الرياضيين المشاركين فقط؛ حفاظا على سلامة الجماهير
    

خيار آخر سيكون متاحا أمام اللجنة وهو تأجيل الدورة بضعة أشهر قد تصل إلى عام كامل لتُقام في صيف 2021، وبالرغم من جودة هذا الحل فإن ذلك سيجعلها تتعارض مع العديد من الأحداث الرياضية التي قد حُدِّدت سابقا، وبالتالي ستقل نسبة الاهتمام والمشاهدة الجماهيرية، مما يعني تقليل فرص الحصول على العديد من عقود الرعاية والإعلانات.

  

"دورة الألعاب الأولمبية يمكن أن تكون بؤرة من أجل نشر الفيروس في بلدان أخرى"

(أشار ياسويوكي كاتو، أستاذ متخصص في الأمراض المُعدية)

   

الخيار الثالث هو اللعب بدون جمهور وإقامة الدورة بحضور الرياضيين المشاركين فقط؛ حفاظا على سلامة الملايين التي ستزحف نحو طوكيو من أجل تشجيع بلدانهم، وكذلك أيضا منعا لنقل العدوى عقب العودة إلى موطنهم مرة أخرى، الحل يبدو منطقيا من أجل الحفاظ على صحة الجماهير التي ستحضر لطوكيو، ولكن ماذا عن اللاعبين أنفسهم؟ كيف ستضمن اللجنة حماية اللاعبين من انتقال الفيروس؟ وكيف ستتحكّم في قواعد أكثر من 30 لعبة في الدورة ؟(8)

  

هذه الأسئلة وغيرها لا بد أن تجد لها اللجنة الأولمبية الدولية إجابات صريحة بعيدا عن رسائل الاطمئنان التي تُرسلها لوسائل الإعلام في الآونة الأخيرة، وعليها أن تخرج لنا بخطط واضحة لما يمكن أن تكون عليه دورة الألعاب الأولمبية القادمة، لأن الأمر لا يتعلق فقط بخسائر تُقدَّر بالمليارات، ولكن بأحلام أبطال رياضيين ربما لن تأتيهم فرصة المشاركة في الدورة الأولمبية مرة أخرى، وقبل ذلك وذاك حياة الملايين من البشر، والتي تُعَدُّ أغلى من كل شيء، وبالطبع لا تُقدَّر بمال.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة