تراجع بعد انطلاقة رائعة.. هل حان الوقت للحكم على لامبارد بالفشل؟

كانت كل عوامل صناعة قصة مستهلكة تسير بشكل صحيح مع تشيلسي في الأعوام الأخيرة، فقط انظر إلى كل التخبطات التي عانى منها الفريق بعد آخر لقب بريميرليغ حقّقه رفقة الإيطالي أنتونيو كونتي في منتصف عام 2017، أنت تعرف كل تفاصيل تلك القصة المبتذلة، لذلك لن ننهك أنفسنا معك لسرد ما لا فائدة من سرده، فقط سنكتفي بإخبارك أن النهاية الحتمية لتلك القصة هي أمر من اثنين؛ إما سنرى تجربة أخرى تعيسة مثل تلك التي يعيشها مانشستر يونايتد، وإما سنرى فصلا جديدا من فصول بيع المستثمرين لأنديتهم بعد أن تمكّن منها الفشل والسقوط المريع. (1)

   

واستكمالا للقصة المستهلكة المبتذلة التي كان يتحرك بها الفريق، قام البلوز بالتعاقد مع فرانك لامبارد مديرا فنيا للنادي خلفا للإيطالي ماوريسيو ساري، قصة النجم الأسطوري السابق الذي يتولى زمام الأمور لأسباب قد يكون آخرها على الإطلاق هو قدراته الفنية كمدرب. أنت تعرف ونحن نعرف الأمثلة الكثيرة في ذلك الصدد في الأعوام السابقة، فقط اسألوا ميلان عن تلك المسألة ولن يتأخر عليكم في الإجابة، هذا بغض النظر عن أن ميلان معاناته فاقت ما هو داخل الملعب وانتقلت إلى الأمور الإدارية أيضا، لكن دعنا لا نشغل بالنا بتلك الأمور الآن. (2)

     

فرانك لامبارد (وكالة الأنباء الأوروبية)

    

عصر ما بعد الاستهلاك

المهم، بينما كانت تسير الأمور وفق ذلك السياق المحفوظ سابقا الذي حدّثناك عنه، حدث شيئان من خارج النص المتعارف عليه قلبا الأمور رأسا على عقب؛ الأول كان منع تشيلسي من موسم الانتقالات الصيفية الماضي لانتهاكه 150 بندا من قوانين الفيفا، وهو ما وضع لامبارد في وضع حرج فور وصوله إلى النادي، وهو كالتالي، نجم النادي قد رحل ليُحقِّق حلمه الذي لطالما سعى وراءه وتركك تعاني بدون حرية إنفاق مثل التي تُكفل لأي مدرب جديد يصل لأي نادٍ يحاول انتشال نفسه من وضعه السيئ، وهي الكارثة التي أشعرتنا كما لو أن الكون بأكمله يتآمر على تشيلسي لإسقاطه، لكن ما حدث بالفعل أن تلك الكوارث كانت مقدمات لحدوث الأمر الثاني الذي قلب اتجاه القصة تماما، وهو استعانة لامبارد بلاعبي الأكاديمية. (3)(4)

    

ماسون ماونت، تامي أبراهام، فيكايو توموري، ريس جيمس، كل هؤلاء بجانب كالوم هودسون أودوي وبعض اللاعبين صغار السن أمثال حارس المرمى كيبا أريزابلاغا، بالطبع مع قيادة فنية من مدرب يخوض تجربته التدريبية الأولى على الإطلاق بالبريميرليغ، جعلوا الأمر يتحول بمنزلة 180 درجة عن سياقه الطبيعي الذي كان يؤول إليه. وهو ما جعل الأعين كلها مترقّبة لما يحدث مع هؤلاء الفتية محرومي الإمدادات المالية ومتواضعي الخبرات وهم ينافسون مَن يفوقهم في كل شيء تقريبا، وبالفعل سقطوا في مباراتهم الافتتاحية بالبريميرليغ برباعية نظيفة أمام خصم كان وقتها -وما زال- يفوقهم سوءا ألا وهو مانشستر يونايتد، لكن رغم ذلك استطاع الفريق تحقيق الفوز في ثماني من أصل أول 12 مباراة لعبها في الموسم الحالي. (5)

   

كانت بداية خارقة للفريق رغم كل التخبطات التي أخبرناك عنها، حتى إنهم وفقا لـ "Stats Bomb" امتلكوا معدلا للأهداف المتوقع تسجيلها (xG) في فترة الـ 12 مباراة تلك أكثر من ليفربول متصدر البريميرليغ آنذاك، وكانوا محتلين للمركز الثالث بالتساوي مع ليستر سيتي بـ 26 نقطة. الأمور كانت على ما يُرام، وفجأة انهارت في الـ 12 مباراة التالية، أربعة انتصارات وست هزائم وتراجع غير مبرر، ولحسن حظهم في تلك اللحظة أن فِرَقا كبرى مثل توتنهام واليونايتد وأرسنال يتجرعون آلام معاناة أشد من تلك التي يعاني منها البلوز، وهو الأمر الذي ساعد الفريق اللندني في الحفاظ على المركز الرابع حتى الآن. (6)

     

   

سقوط مريع؟

ولكن ما تُبرزه معطيات "Stats Bomb" حول الأمر، وخاصة الأرقام الدفاعية منها، فإن الفريق بالفعل لاقى تطورا ما في الحالة الدفاعية، فانخفض معدل الأهداف المتوقع تسجيلها بعيدا عن ركلات الجزاء في المباراة الواحدة من 0.92 في الـ 12 مباراة الأولى، إلى 0.86 في المباريات الـ 12 التالية، ويُفسِّر محللو "Stats Bomb" تلك المسألة بأن الفريق أصبح يلعب بدفاع متقدم أكثر مما كان يلعب به في بداية الموسم، وهو الأمر الذي جعلهم أكثر سيطرة على قدرة الخصوم للاحتفاظ بالكرة والضغط عليهم قبل أن يشرعوا في بناء هجمات أكبر خطورة وأكثر عددا، ببساطة أصبح الفريق يعتمد على الضغط على الخصم بشكل أكثر تكاملا مما سبق.

   

لكن على الرغم من ذلك فإن الفريق استمر في استقبال أهداف أكثر من المتوقع هذا الموسم، البعض رجّح أن السبب وراء ذلك هو تردي مستوى كيبا حارس مرمى الفريق هذا العام، وهو الرأي الذي يحمل في طياته جزءا من الحقيقة، لكن لا يمكن أن يحمل كيبا وحده الأزمة كاملة، لأن معدل الأهداف المتوقع استقبالها بالنسبة لتشيلسي بناء على نسبة التسديدات على مرمى الفريق حسب "Stats Bomb" كان 21.54، لكن ما حدث بالفعل أن الفريق استقبل بعيدا عن ركلات الجزاء 28 هدفا في الـ 24 مباراة محل الحديث.

    

   

وهو الأمر الذي يؤكد وجود خلل ما في الطريقة التي يدافع بها تشيلسي، وهو ما قد يكون بسبب ذلك الضغط العالي الذي أصبح يلعب به الفريق، وبالتالي أصبح أكثر عُرضة لمزيد من الانفرادات والكرات الخطيرة على مرمى كيبا، مما يرفع من جودة الفرصة السانحة أمام الخصوم لدرجة تفوق قدرة النموذج الذي تتبعه شركة "Stats Bomb" للإحصائيات على استيعابه، وبالتبعية يضعف من موقف كيبا في التصدي لهم، وبالتالي يستقبل الفريق تلك الأهداف التي من الصعب تحميل مسؤوليتها لكيبا وحده، بغض النظر عن مدى السوء الذي وصل إليه مستواه بالفعل منذ انطلاق الموسم.

   

أما على الصعيد الهجومي فهناك انخفاض واضح يعاني منه تشيلسي في فترة الـ 12 مباراة الثانية من الموسم، فبعيدا عن انخفاض معدل تسجيل الفريق من 26 هدفا في بداية الموسم إلى 11 هدفا في الفترة الثانية، فإن معدل صناعة فرص الفريق نفسه قد انخفض بشكل واضح، فبعد أن كان بمقدور الفريق أن يصنع معدل أهداف متوقعة (xG) وصل إلى 1.76 هدف بالمباراة الواحدة في بداية الموسم، وصل ذلك المعدل إلى 1.13 في الفترة الثانية، وهو ما لا يبرر ذلك الانخفاض الحاد في التسجيل الذي يُعاني منه الفريق بالطبع، لأنه في التوقيت نفسه هناك إيجابية وحيدة فقط في الأداء الهجومي للفريق وهي أن الكرات الثابتة أصبحت أكثر استغلالا من ذي قبل، بعد أن ارتفعت نسبة الأهداف المتوقعة منها (SPxG) من 0.20 هدف في المباراة الواحدة في الـ 12 مباراة الأولى من الموسم، إلى 0.45 هدف في الـ 12 مباراة الأخرى، ومع انخفاض باقي معدلات صناعة الفرص الأخرى، أصبح من الواضح أن تشيلسي يواجه مشكلات كبيرة على مستوى التسجيل من اللعب المفتوح. (7)

 

هل علينا أن نهلع الآن؟

  

لكن رغم كل ذلك فإنه لا يجب البدء بالذعر أيًّا كانت الطريقة التي سينتهي بها موسم تشيلسي، والأسباب واضحة وضوح الشمس للجميع، مدرب بخبرة متواضعة للغاية مع مجموعة من اللاعبين صغار السن يحاولون انتشال الفريق من فترة حرجة كان يمر بها، لكن لسوء طالع هذا الجيل من النادي فإن المتطلبات الموضوعة على كاهلهم ربما أكبر مما هو مستطاع.

   

والسبب وراء ذلك هو عدم استقرار الوضع المادي للفريق، خاصة بعد الإنفاق الضخم الذي حدث بالموسم المنصرم للتوقيع مع حارس مرمى الفريق كيبا أريثاباياغا ومتوسط الميدان الإيطالي جورجينيو والجناح الأميركي كريستيان بوليسيتش، والذي وصل إلى ما يقارب الـ 247 مليون إسترليني، وتُشير بعض التقارير إلى أن تلك الأموال قد دفعها رامون أبراموفيتش مالك النادي من ثروته الخاصة هو وشركته "Fordstam Limited"، بالتزامن مع الإشاعات التي أفادت أن أبراموفيتش فقد شغفه بكرة القدم والاستثمار بها، وأنه يفكر ببيع النادي مستقبلا، كل ذلك بجانب انخفاض عوائد البث عام 2019 من 204 مليون إسترليني إلى 200 مليون إسترليني، وانخفاض معدل دخل النادي يوم المباراة من 74 مليون إسترليني في المدة نفسها إلى 67 مليون إسترليني. (8)

    

   

كل تلك المصاعب المادية التي يواجهها الفريق، بجانب عدم الوصول لدوري أبطال أوروبا الموسم الماضي، ساهمت في ضغط من نوع خاص على لامبارد ولاعبيه، غايته الأولى هو ضمان مركز بالمقاعد الأربعة الأوائل، بأقل تكلفة ممكنة لتغطية كل تلك الاضطرابات المادية التي استمرت في الحدوث طوال العامين الماضيين مع الفريق، وهو الأمر الذي أصبح من الممكن حدوثه، خصوصا مع ذلك الاضطراب الذي يعيشه بقية المنافسين مثل توتنهام واليونايتد.

   

لذلك، وجود لامبارد بالوقت الحالي، حتى ولو لم يكن هو الرجل المنشود لإعادة تشيلسي إلى مسار المنافسة على البريميرليغ كما عهد أنصار الفريق أن يروا ناديهم، وجوده جعل الفريق أكثر اعتمادا على عناصر لم تُكلِّف خزينة النادي شيئا تقريبا، وهو الأمر الذي يُجنِّب أبراموفيتش والنادي عبء إنفاق أكبر من الذي يستطيعون تحمله في الفترة القادمة بالنظر للمعطيات التي يعاني منها الفريق.

   

وفي النهاية، نحن أمام تجربة فريدة من نوعها هذا الموسم، مجموعة من الفتية المتأثرين بقائدهم يناطحون الجميع، حتى إذا تعثرت النتائج بعض الشيء، فهناك ضوء في نهاية النفق، بالطبع حديثنا لا ينفي أن النادي يحتاج إلى خطة واضحة وأكثر تنظيما مما هو عليه الآن، لكن إذا كان وجودك هنا بغرض معرفة ما إذا كان الفريق يسير في الاتجاه الصحيح أم لا، وعما إذا كان لامبارد مدربا فذا أم لا، فنحن لا نستطيع أن نجيبك عن ذلك، كل ما نستطيع إخبارك به أن ذلك الضوء في نهاية النفق الذي نراه هو شيء يستحق التطلع إليه.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

يعيش سيميوني أيامه الأخيرة بأتليتكو مدريد بعد سلسلة من النتائج المتراجعة كان آخرها الهزيمة بالديربي أمام ريال مدريد، فهل سيميوني هو المدرب الذي استغنى كليا عن الجمال وارتضى الفلسفة الدفاعية؟

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة