ليفربول وأتلتيكو مدريد.. لحظات ما قبل الطوفان

الأدوار الإقصائية لدوري أبطال أوروبا لا تعرف المستحيل، المواجهات الكبرى لها حسابات مختلفة وتُلعب على التفاصيل الصغيرة، دائماً ما يكون لشخصية الفريق دوراً في حسم تلك التفاصيل.. أليس ذلك ما يُقال عادةً؟ حسناً.. دعك منه، ليفربول لن يهزم أتلتيكو، ليفربول سيأكل أتلتيكو حياً، على الأقل هذا ما تخبرنا به جميع الشواهد.

  

ليس لأن ليفربول أكبر من أتلتيكو، ليس لأنه حامل اللقب، ليس لأنه يملك لاعباً خارقاً بعينه سيهديه المباراة في أي لحظة، ليس لأن يورغن كلوب أفضل من دييغو سيميوني.. كل ما في الأمر أن أتلتيكو بحاجة للخروج من مستواه الحالي فجأة، متخطياً حدوده الحالية، في يوم يصادف تفككاً منقطع النظير للنسخة الحالية من ليفربول. أياكس اجتاز ريال مدريد حين قدم أفضل مواسمه وقدم الأخير أسوأ مواسمه، روما صعق برشلونة حين قدم مباراته الأفضل أمام مباراة الكتلان الأسوأ في موسم متخبط.. مهما قلبت بصرك في أرجاء هذه المواجهة، هذه لن تكون قصة طالوت وجالوت.

   

بين التاريخ والواقع
أتليتكو مدريد وليفربول 2010 (رويترز)

  

المواجهات الرسمية المباشرة بينهما لم تكن متعددة، فقط مباراتين في دور المجموعات دوري أبطال أوروبا 2008-2009، خيم التعادل بنتيجة 1-1 على كلتاهما. تجدد اللقاء في ابريل 2010 ولكن تلك المرة في نصف نهائي الدوري الأوروبي، حيث فاز الأتلتي ذهاباً بهدف دييغو فورلان، ثم تلقى هدفاً من أكويلاني في أنفيلد قاده للوقت الإضافي، الذي اقترب خلاله من التأهل بهدف يوسي بنعيون، قبل أن يعود فورلان ويطير بالروخيبلانكوس إلى نهائي المسابقة بفضل قاعدة الهدف الخارجي، والذي فاز به على حساب فولهام.

  

في النهاية لم يكن هذا أتلتيكو سيميوني، ولا ذاك ليفربول كلوب.. بل أن ليفربول كان تحت ملكية وإدارة مختلفة، إدارة الثنائي الكارثي توم هيكس وجورج جيليت. انتقال الريدز إلى ملكية مجموعة فينواي وتحت قيادة جون هنري الرئيس الحالي للنادي والذي أشرف على صعوده التدريجي إلى اليوم، قد بدأ في أكتوبر 2010. (1)

  

منذ تلك اللحظة خاض كل منهما طريقه للأمام، كافح ليفربول للتخلص من ديونه وإعادة بناء الفريق، نافس على البريميرليغ وأخفق في 2014، وصل لنهائي الدوري الأوروبي وخسره في 2016، وصل لنهائي دوري الأبطال وخسره في 2018، نافس على البريميرليغ مجدداً ولكنه خسره في 2019، ولكنه توج بدوري الأبطال في نفس العام، كما توج عملياً بالنسخة الحالية من البريميرليغ. بكلمات أخرى.. هذا وقت حصاد ليفربول.

    

سيميوني بعدما حصد أتليتكو مدريد الدوري الأوروبي في 2012 (رويترز)

  

على الناحية الأخرى انطلق أتلتيكو بلقب الدوري الأوروبي بالفعل، وأتى سيميوني وبنى فريقه، وحصد الدوري الأوروبي في 2012 ثم ضرب تشيلسي بالرباعية الشهيرة في السوبر الأوروبي، لاحقاً في 2013 توج بكأس الملك، ثم اقتنص لقب الليغا الشهير عام 2014، وهو نفس العام الذي خسر به نهائي دوري الأبطال. مرة أخرى يعود من جديد إلى نهائي الأبطال في 2016 ويخسره بركلات الترجيح، إنه ربيع ليفربول الذي يصادف خريف الأتلتي بكل معاني الكلمة.

  

على الورق والملعب

أبسط ما يمكن قوله، ليفربول يتربع على عرش البريميرليغ بـ 76 نقطة من أصل 78 كان بمقدوره جمعه حتى الآن، 25 انتصاراً وتعادل وحيد في 26 مباراة. لا نعرف له سوى خسارتين هذا الموسم، واحدة ضد نابولي في دور المجموعات، والثانية ضد أستون فيلا بالفريق الثاني في الكأس الأقل قيمة. أتلتيكو على الناحية الأخرى هو رابع الليغا بفارق 13 نقطة عن المتصدر ريال مدريد، يملك 42 نقطة بـ12 انتصار و6 تعادلات و6 هزائم في 24 مباراة.

    

فريق ليفربول (غيتي)

    

ليفربول لم يبرم أي تعاقدات بارزة في الصيف، مجرد حارس بديل، وفي الشتاء قرر زيادة عمق القائمة بضم الياباني مينامينو، هذا لا يعني أنه بلا نواقص، ولكن على صعيد العناصر الأساسية لا يملك أدنى مشكلة طالما أنهم بخير. مؤخراً لم يكن متضرراً سوى من غياب ساديو ماني والذي عاد في المباراة السابقة ضد نورويتش وسجل هدف الفوز بالفعل. على الناحية الأخرى تماماً، أتلتيكو فقد أنتوان غريزمان وغابي ورودري ولوكاس هيرنانديز ودييغو غودين وفيليبي لويس وخوانفران في سوق انتقالات الصيف فقط.. هؤلاء الذين حل في أماكنهم المراهق ذو الـ 126 مليون جواو فيليكس وماركوس يورينتي وهيكتور هيريرا وماريو هيرموسو وفيليبي ورينان لودي وكيران تريبيير. بكلمات أخرى.. فريق قد خرج وآخر قد أتى. (2) (3)

  

ليفربول قد وصل إلى قمة كماله، بينما يعيد دييغو سيميوني الكرة من جديد، يعيد بناء فريقه الذي تهدم، وبالتالي وبما أنه قد غادر كأس الملك بالفعل، الإنجاز الوحيد المنتظر من هذا الموسم جدياً هو التأهل لدوري أبطال أوروبا في الموسم المقبل، في سباق لا يفصل به الرابع عن الثامن سوى 3 نقاط، فعلى فرض أنه كان سيمر من دور الـ16، إلى أين سيذهب لاحقاً بهذا الفريق؟ وها هو قد اصطدم بتنين في دور الـ 16 بالفعل.

  

رهانات سيميوني هي تماماً كما لخصها الصحفي جو ووكر:"شعار نادي أتلتيكو هو (لا تستسلم أبداً)، وهم يثقون بقدرتهم على تحقيق مفاجأة كبيرة، لا يمكن الجزم بخروج أتلتيكو رغم تعدد الإصابات، وفي وجود جماهير الميتروبوليتانو خلفهم لديهم الفرصة في الخروج بنتيجة جيدة قبل الذهاب إلى أنفيلد". على ذكر الإصابات، فإن أتلتيكو سيخوض اللقاء بدون فيليكس وتريبيير وهيريرا، فيما لا يزال دييغو كوستا محل شك. (4)

    

فريق أتليتكو مدريد (غيتي)

     

ضوء لمع وسط المدينة..

في تحليله لما قبل هذه المباراة، روى جوناثان ويلسون عبر صحيفة "غارديان" باختصار قصة رويناها هنا قبل قرابة 3 أعوام، عن نقيضي الكرة الأرجنتينية لويس سيزار مينوتي عراب هجومها واستحواذها وكارلوس بيلاردو قائد انتفاضة الكرة المضادة، كل منهما حقق كأس العالم بطريقته، ولكن أحدهما فقط أثر في سيميوني وهو ثانيهما، الذي دربه لاحقاً في إشبيلية ويعتبره "التشولو" والده الكروي. بيلاردو بدوره استقى تعاليمه من عراب أقدم، هو أوزفالدو زوبيلديا. (5)

    

فقط لإنعاش الذاكرة، زوبيلديا هو مدرب إستوديانتس الذي حقق معه كأس الليبرتادورس 3 مرات متتالية، وهو الذي قاد النادي نفسه لتحقيق لقب الدوري الأرجنتيني، ليصبح أول من يحققه من خارج الخمسة الكبار (بوكا جونيورز – ريفر بليت – ريسينج– إنديبيندنتي – سان لورينزو). بيلاردو حين كان لاعباً لزوبيلديا كان يخفي إبرة ويوخز بها المهاجمين، وحين أصبح مدرباً لسيميوني صرخ في طبيبه لأنه اطمأن على لاعب الخصم مطالباً إياه بالدهس على الخصوم.. بالطبع يبدو سيميوني نفسه أليفاً للغاية حين ألقى كرة إضافية في الملعب لتعطيل مرتدة ملقا. (6)

      

  

بطبيعة الحال سيميوني ليس متطرفاً قدر سابقيه، ولكن القاسم الذي سيجمعه بهم للأبد هو تركيز طريقته على العمل الجماعي والجهد البدني الكبير والفوز بأي طريقة، هذا ما بنى عليه تجربته وهذا هو فريق أتلتيكو الذي نتذكره جيداً، هذا الفريق "الأندردوغ" الذي يخوض كل مباراة من منظور كونه الفريق الأقل فرصة في الفوز، لذلك يجيد إغلاق المساحات والضرب بالمرتدات، ولكن أي "أندردوغ" هذا الذي يصنف في المركز الثالث عشر ضمن أغنى الأندية من حيث العوائد؟ من منظور ويلسون لم يعُد الأمر منطقياً مع الوقت. (7)

    

ينقل ويلسون عن المستثمر الأمريكي ستيفين مانديس في كتابه "طريق ريال مدريد"، انتقاده لأتلتيكو بشأن عدم تعاقده مع النجوم بطريقة "الغالاكتيكوس" الشهيرة للميرينغي، والتي اعتبرها تكفل له المزيد من النمو الأسرع والانتشار الأوسع بين الجماهير، ورغم أنه للوهلة الأولى يبدو "تساؤلاً يتجاهل طبيعة النادي"، إلا أن خارطة انتقالات أتلتيكو مدريد بحد ذاتها تشير إلى تغير يتماشى في جوهره مع نصائح مانديس، برحيل آخر ما تبقى من الحرس البدني القديم، وحلول مواهب من طينة مغايرة مثل جواو فيليكس وتوماس ليمار. (7)

   

الأدهى والأمر أنه في نهاية المطاف لا يزال هناك صراع داخلي واضح لدى سيميوني، الرجل الذي يؤمن بطريقته ولكنه يجد نفسه مجبراً على التفريط بجزء تلو الآخر منها، مرة حين تغير وضعه ليتحول من هذا الفريق الذي سيستغل المرتدات طوال الوقت إلى الفريق الكبير الذي يكافحه باقي الفرق بنفس سلاحه القديم، ومرة حين أصبح الضغط العالي والكرة الهجومية صيحة العصر، ومرة حين بات اللاعبون الجذابون بمثابة مصدر رزق هام لإدارات الأندية، الأمر لا يتوقف على الظروف التي يضطر للتماشي معها بقدر وقوفه على ما يدور برأس الأرجنتيني نفسه أمام كل هذه التحديات المجابهة لأساليب وقناعاته، ولهذا، حتى وإن كانت روح "التشولو" قادرة على صنع مباراة للتاريخ، فإن حيرته قد تسفر عن مأساة.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

يعيش سيميوني أيامه الأخيرة بأتليتكو مدريد بعد سلسلة من النتائج المتراجعة كان آخرها الهزيمة بالديربي أمام ريال مدريد، فهل سيميوني هو المدرب الذي استغنى كليا عن الجمال وارتضى الفلسفة الدفاعية؟

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة