ما وراء "شخصية البطل".. كيف تؤثر التدريبات الذهنية على لاعبي كرة القدم؟

عندما يتعرض أحدنا لسؤال حول كيفية النجاح في أي جانب من جوانب الحياة، فإنه دائما ما يُردِّد عبارات مثل العمل الجاد والمثابرة وتكريس الوقت وتوجيه الاهتمام لما يُراد النجاح فيه، كل هذه العبارات صحيحة وفعالة بالفعل، لكن ما أُثبِت علميا وعمليا أنها تأتي بالتبعية كنتيجة وليس كمقدمات، ومثل الحياة تكون الرياضة، المنافسة التي تتضاءل بها هوامش الفوز والخسارة إلى الحد الأدنى، لتصبح لعبة "البوصة الواحدة" كما وصفها ألباتشينو في خطابه التاريخي بفيلم "فرص أيام الأحد" (Any Given Sunday).

      

    
يقول المثل القديم إن المنافسات تُربح قبل بدايتها، وبالنظر يمكننا رؤية صحة ذلك في معظم الحالات، كرة القدم خير مثال على ذلك، فبعد الطفرة التكتيكية والبدنية أصبح المستوى متقاربا إلى حدٍّ كبير بين معظم الفِرَق الكبرى، وفِرَق كل مستوى بشكل عام، إذن أين يُصنع الفارق؟ يُصنع الفارق داخل العقول، والحديث هنا عن الجانب الذهني، الجانب الآخر من اللعبة الذي لا يحظى بالكثير من الاهتمام، وللمفارقة هو الجانب الذي يتفنّن في معاقبة أولئك الذين لا يعطونه ما يستحق من التقدير والاهتمام.

    
يترعرع لاعبو كرة القدم على فكرة الاهتمام بالجانبين الفني والبدني إذا أرادوا النجاح والوصول لأعلى مستوى، وهو ما ينعكس على سلوكياتهم وطريقة تعبيرهم التي تطول منشوراتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، لكن ذلك لم يَعُدْ كافيا، إذ تكمن خطورة إهمال الجانب الذهني في حدوث فجوة من شأنها زيادة نسبة احتمالات الاعتزال المبكر للاعبين، لأن كرة القدم تتكون من منحنيات صعود وهبوط، لحظات نجاح وفشل، ووظيفة كل لاعب تكمن في تكرار وإطالة لحظات النجاح، بجانب الحد من لحظات الفشل والتعامل معها بقدر من الحرفية يصنع منها منحنيات صعود جديدة، وإذا كان الاهتمام بالجانب الذهني مفقودا في تلك العملية، فإن المهمة قد تكون مستحيلة، لذلك لا عجب في رؤية ميسي ورونالدو فقط يمكثان على القمة منذ سنوات، لأنهما من الأقلية التي لم تكتفِ بإلمامها بالجوانب الفنية والبدنية للعبة، بل راهنا بشدة على الجانب الذهني.

  
لسوء الحظ، يشوب التكتيكات الذهنية في كرة القدم شيء من الغموض بالنسبة للكثيرين، ويتطلّب الأمر مساعدة الخبراء لتوجيه أولئك الذين يرغبون في التعلم، لذلك سنُلقي النظر على كيفية استخدام التكتيكات الذهنية لتحسين معدل نجاح اللاعبين في لعبة "بلاك جاك" المعروفة باسم "21" إحدى ألعاب ورق اللعب (الكوتشينة).
     

المهارة الأهم على الإطلاق

  

عندما يلعب الصغار كرة القدم لأول مرة فإنهم لا يدركون ما الذي ينجح وما الذي لا ينجح، وهذا يُشبعهم بقدر معين من الثقة البلهاء. وعلى الرغم من عدم ثقتهم بمستويات البالغين نفسها، فإن انعدام الوعي الذاتي الذي يشعر به الأطفال عندما يلعبون هو أحد الأسباب التي تجعلهم يستمتعون باللعبة كثيرا وبالتالي يزدهرون. بالطبع عندما يكبر اللاعبون ويبدؤون بمقابلة خصوم أكبر وأسرع وأقوى فإن هذا الازدهار يمكن أن يتوقف وبالتالي يفقدون الثقة. كرة القدم لعبة تسودها التنافسية، معقدة وخشنة في حد ذاتها، وإذا لم تكن قادرا على المنافسة بثقة، فسوف ينهار أداؤك بانهيار حجر الأساس.

  
يرى إيفان جوزيف، مدرب كرة القدم الأميركي وطبيب علم النفس، أن الثقة بالنفس هي أكبر مهارة قد يمتلكها الناشئ الصغير، يُكِنّ جوزيف كل الاحترام للقدرات الفنية كالتسديد والتمرير والمراوغة، لكنه يعتقد أن الثقة هي الأساس الذي بُني جميع اللاعبين العظماء عليه، فيؤمن أن اللاعبين الموهوبين سوف يتعثّرون في كثير من الأحيان إذا لم يؤمنوا بقدراتهم الخاصة.

  

  
يُمثِّل محمد صلاح نموذجا جيدا على ما نتحدث عنه، أحسن لاعب في سويسرا مرتين على التوالي، بدا مهزوزا وشاحبا عندما وصل تشيلسي، حتى فترته في إيطاليا لم ترتقِ لما هو عليه الآن في ليفربول، وبسؤال جوزيه مورينيو عن ذلك التحول أجاب:

    

"عندما وصل صلاح إلى تشيلسي كان شابا صغيرا، لم يكن مهيأ من الناحية البدنية للدوري الإنجليزي، كان هشا على المستوى الذهني، وكان وحيدا تائها على المستوى الاجتماعي، كان يريد اللعب كل أسبوع وهو ما لم نستطع توفيره، فأرسلناه إلى إيطاليا لكي يلعب ويكمل عملية تطوره، ولحسن الحظ جرت الأمور على ما يُرام وهو الآن لاعب كبير، وأحد أفضل لاعبي العالم.. عندما كنا في تشيلسي، أشركته في وايت هارت لين وملعب الاتحاد وبدا أنه غير مستعد لذلك، لكنه الآن قادر على اللعب في أي مكان ضد أي خصم، لم يَعُد يخشى أحدا، لقد تطور بشكل خارق على المستوى الذهني والبدني، يملك ليفربول العديد من نقاط القوة، لكن صلاح يُمثِّل لهم قوة نووية". (1)

  
بالنظر إلى حالة محمد صلاح، يمكننا استنتاج ما استنتجه دكتور جوزيف، وهو أن الثقة بالنفس يمكن أن تُنمّى، بعكس ما يعتقده البعض بأن الثقة بالنفس طفرة جينية إما أن تولد بها وإما لا. يعتبر دكتور جوزيف الثقة مهارة يمكن تطويرها من خلال مجموعة من التقنيات، بما في ذلك التكرار، معتمدا على قاعدة الـ "10.000 ساعة"، إذ يعتقد أن تكرار المعتقد وتأكيده في عقل اللاعب يُولِّد الثقة ويزرع الإيمان بالذات، كما كان محمد علي كلاي وتأكيده الذاتي الشهير "أنا الأفضل على الإطلاق" (I am The Greatest)، وهذا ما يحتاج جميع اللاعبين الطموحين إلى تعلُّمه.

      

  
يمكن تسليط الضوء على المفهوم ذاته في لعبة "بلاك جاك" حيث الثقة أمر حاسم لدى اللاعبين، فعملية الرهان والمخاطرة بالأموال تتلاعب بمستويات الثقة بالنفس، ومع ذلك يعرف اللاعب القوي أنه بصرف النظر عن حجم الأموال المعرضة للخطر فإنه يتعيّن عليه اتخاذ الخطوة الصحيحة رياضيا من خلال قراءة اللعب والتدريب مرارا وتكرار على اتخاذ القرارات الصحيحة، بعدها يصبح اللاعب واثقا بدرجة كافية في اتخاذ جميع الخطوات الصحيحة بغض النظر عن المخاطر، وهو الأمر الذي يصيب الحضور بالإبهار، لأنهم يشاهدون فقط لقطة النهاية، التي كان وراءها مئات أو آلاف الساعات من التدريب الذهني المتواصل. (2)

   

إذا كان ذلك ممكنا حينما يكون المال هو موضوع المخاطرة، فإنه ممكن في ملعب كرة القدم، لمجرد أن خطوة أو لعبة معينة لم تحقق نتيجة إيجابية في المرة الأولى فهذا لا يعني أنها فاشلة، تماما مثل لاعبي بلاك جاك الذين يتطلعون دائما إلى ما وراء تقلبات الحظ على المدى القصير ويتبعون المسار الصحيح بصرف النظر عن النتائج الأولية، وهو ما طبقه يورغن كلوب تماما في تجربته مع ليفربول، الفريق الذي لم يفز في البدايات، لكن الإصرار على المفاهيم المزروعة والثقة في العملية الكلية جعل منهم أبطالا لأوروبا وعلى أعتاب الفوز بدوري لا هزيمة بعدد تاريخي من النقاط، لقد نجح في تحويلهم من حالة الشك إلى اليقين.

  

أفراد أم مجموعة؟

  

كثيرا ما نسمع عبارة "لا يوجد أنا في الفريق" التي تتردد في جميع المناسبات بداعٍ وبدون، بداية من الملعب للمدرج وصولا للأستوديو التحليلي، للدرجة التي تُشعرك أن الكلمة قد فقدت معناها، وعلى الرغم من استخدامها من قِبل بعض المدربين البائسين الذي لا يملكون الكثير من التكتيكات الذهنية اللازمة، فإن العبارة تحمل قيمة كبيرة عندما يتعلق الأمر بإستراتيجية كرة القدم.

  
البشر في الأصل أفراد، لكننا نشعر بالراحة أكثر عندما نكون جزءا من مجموعة، وهذا ما يُفسِّر الحنين الدائم للعائلة والأصدقاء، حيث نرغب في القرب والمشاركة، وهو ما يُفسِّر أيضا انتشار وتصدُّر أحدث صيحات الموضة بين بعضنا بعضا، يميل البشر نحو التسكع معا، وفي البيئة التنافسية يمكننا استخدام هذا الميل لصالحنا، فإما أن نبرُز متحدين كفريق أو نُمحى كأفراد في طي النسيان.

  

وفقا لعالم النفس الرياضي بيل بيسواك (مانشستر يونايتد ومنتخب إنجلترا سابقا) فإن هناك دافعين للأداء الرياضي؛ دافع أداء المهمة، ودافع تحقيق الذات، أي إن هناك لاعبين يكون كل غرضهم هو تنفيذ المهام المكلفين بها بنجاح مثل سولشاير كما يرى بيل، بينما آخرون لديهم شيء من "الأنا" أو التمركز حول الذات، فكل ما يدفعهم هو إثبات أنفسهم وتحقيق شيء لذواتهم، اجتماع الدافعين معا بشكل متوازن يعطي اللاعب والفريق أفضلية عظيمة، وهو المزيج الذي امتلكه كل العظماء، لكن ماذا لو امتلك اللاعب دافع الأنا فقط؟ (3)

  

  
يؤكد بيسواك أن دافع الأنا ليس مذموما لذاته، على العكس، إذ يرى أنه دافع مفيد ومحفز قوي للأداء لكنه ضعيف إذا كان وحيدا، فيجب أن يقترن دائما بالتركيز على أداء المهام المطلوبة بأفضل شكل ممكن، لذلك يجب توجيه اللاعبين الذين يتمركزون حول أنفسهم نحو فكرة التركيز على أداء المهام المطلوبة، وتذكيرهم دائما أن النجاح حقا يكون بتنفيذ المهام والفوز كفريق وليس باللعب لأجل أنفسهم.
  
بالانتقال إلى مستوى آخر من المنافسة، وتحديدا نحو نادي ويمبلدون الإنجليزي، عانى مدرب الفريق بموسم 15/16 نيل أردلي من انخفاض مستوى نجومه وعلى رأسهم لايل تايلور الوافد الجديد. فشلت كل مساعي نيل في النهوض بمستوى اللاعبين، مما دفعه للجوء لعالم النفس الرياضي ستيفن سيلفستر المتخصص في الجانب الذهني وتحديدا منطقة "الأنا". يهدف نيل في التعامل مع اللاعبين إلى إخراجهم من ذواتهم وتوجيه تركيزهم لخدمة هدف أوسع، مثل مساعدة زملائهم والعمل على تحقيق أهداف الفريق بدلا من التركيز على تحقيق النجاح الشخصي فقط. (4)
  
أثناء العمل مع لايل تايلور لاحظ سيلفستر أنه يمتلك إمكانيات كبيرة لا يستفيد منها الفريق بالشكل اللازم، بدأ سيلفستر بتشكيل عقلية تايلور ببطء عن طريق عدة محادثات ملهمة جرت بينهما كان هدفها استبدال أفكار من شأنها أن تساعده في رؤية الأمور بشكل مغاير ببعض الأفكار والمعتقدات الخاطئة، الأمر الذي أثمر في النهاية، حيث لعب تايلور عدة مرات على الأطراف وأظهر رغبة كبيرة في مساعدة زملائه، فكان يضغط بشراسة على الخصوم ويرتد للمساندة الدفاعية، وهو ما لم يفعله أبدا من قبل، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تمكّن تايلور في ذلك الموسم من تسجيل 23 هدفا في جميع المسابقات ساهموا في صعود ويمبلدون إلى "ليغ وان". (5)

   

  
"خطوتي الأولى كانت في التعرف على تايلور كشخص، وهذا ما جعله يثق بي ويفتح قلبه بأريحية متطرقا إلى العديد من جوانب حياته التي لا يشاركها أحدا في العادة، كنا نتحدث في ملعب التدريب أو عبر الهاتف بعد التدريب ونعمل على حل المشكلات التي شعرنا أنها تعوقه، تحدثت معه عن أهمية كونه لاعبا في الفريق بدلا من كونه مجرد لاعب يسجل أهدافا ويعطي تمريرات حاسمة، عملت على جعله يرى الأمور بمنظور أوسع وأكدت له أن ذلك من شأنه أن يجعله لاعبا أفضل" 

ستيفن سيلفستر.
     

ومن جانبه أوضح تيلور أن ستيف ساعده في الحفاظ على استقراره واستمراريته، كما ساعده في فهم دوره في النادي ومساهماته العريضة في الفريق، وذلك هو الشيء الأهم على حد وصفه: "أنا أُحرز أهدافا، قدّمت موسما جيدا وأملك تأثيرا إيجابيا على الفريق، لكن الشيء الأكبر بالنسبة لي هو تطوري كشخص وقائد في الملعب، بغض النظر عن الجانب الكروي".
  
ذلك ما يصنعه تطويع الإمكانيات الفردية في خدمة المجموعة، كلما امتلك الفريق قدرات أكبر على مستوى اللعب كمجموعة، كان من الصعب إيقافهم حتى لو واجه الفريق فِرَقا أكبر منه، ولقد رأينا ذلك السيناريو كثيرا الذي يخسر فيه المُفضَّل ضد المُستضعف، روما لم يكن مُفضَّلا عندما أخرج برشلونة من دوري الأبطال بعد خسارته بنتيجة كبيرة ذهابا، وبالمثل ليفربول الذي ظن الجميع استحالة تأهله، بعد الخسارة الثقيلة ذهابا من برشلونة وغياب أبرز نجومه في لقاء الإياب، لكن ذلك ما تصنعه القدرة على العمل كمجموعة.
  

بأي نسبة؟

  

استكمالا للحديث عن ليفربول، بعد العودة التاريخية أمام برشلونة، إحدى أهم الملاحظات التي لا يجب أن تمر مرور الكرام هي عدم تطرُّق لاعبي الفريق بعد المباراة للحديث عن الجانب التكتيكي، ولا عن نجاحهم في استغلال نقاط ضعف برشلونة، ولا عن الضغط الوحشي الذي فرضوه على لاعبي البارسا، لم يتحدثوا عن كل ذلك، بل تحدثوا عن الشيء الأهم الذي صنع الفارق من وجهة نظرهم، وكان ذلك الشيء هو خطاب يورغن كلوب للاعبين قبل بداية المباراة، والذي وصفه ديان لوفرين بأنه شيء لم يسمع مثله قط.

    
"لقد كان خطابا رائعا، شجَّعَنا ورفع معنوياتنا بحق، جعلنا كلوب نؤمن بإمكانية العودة مرة أخرى، قال لنا؛ "يا رفاق، عليكم أن تؤمنوا، هدف واحد أو هدفان والأمور ستسير لصالحنا، حتى لو لم نحرز في الدقائق العشرين الأولى يجب أن نظل مؤمنين، الهدف قد يأتي في الدقيقة 50 أو 65، ثم مع مؤازرة الأنفيلد، ثقوا بي يا شباب، يمكننا أن نفعلها، لقد فعلناها ضد دورتموند، ويمكننا أن نفعلها الليلة أيضا، فقط أظهروا الشجاعة هذه الليلة". ولحسن الحظ سجلنا مبكرا وفعلناها"

(ديان لوفرين) (6)

  
من إنجلترا إلى إيطاليا، وتحديدا في دوري الدرجة الثانية الإيطالي، في منتصف 2018 لم يكن فريق كاتانيا يستطيع الفوز على أرضه رغم أنه كان يفعل ذلك بسهولة خارج ملعبه، بدت مهمة اكتشاف الدوافع وراء هذا التناقض العميق أشبه باللغز، فقرّر النادي الاستعانة بالمدرب الذهني ستيفانو تافوليتي، فور وصوله فهم الرجل بأن صراع الأولتراس مع لاعبي الفريق قد يكون سبب تلك المعضلة، بمعنى أن اللاعبين بمجرد استماعهم لأهازيج جماهيرهم يشعرون بالشك والخوف، لذلك قرّر تافوليتي تسجيل جميع تلك الأهازيج والهتافات، وعزم على تشغيلها في مكبرات الصوت أثناء تدريبات الفريق، بهدف اعتياد اللاعبين عليها حتى تصبح ضمن الروتين اليومي للفريق، كان يطلب منهم أن يستمعوا لها بكل إنصات لكي يتجاوزوا تلك التصورات الذهنية التي تراودهم بمجرد سماع تلك الأهازيج، بعد أسبوع من التدريبات الذهنية تجاوز الفريق هذه الأزمة وبدؤوا في تحقيق الانتصارات على أرضهم. (7)
  
وكما استعان كاتانيا بتافوليتي، استعان لويس إنريكي بأحدهم أيضا بعد ليلة بارك دي برانس العصيبة حيث خسر فريق لوتشو بنتيجة 0-4 من باريس سان جيرمان، الهزيمة التي قلبها البارسا مؤخرا لصالحه عندما فاز إيابا بستة أهداف مقابل هدف، في عودة يُصنِّفها البعض بأنها الأعظم على الإطلاق، فاز البارسا لعدة أسباب تكتيكية وفنية، لكن ما لا يعرفه البعض أن أحد أهم تلك الأسباب هي مساهمات المدعو ستيفن فرايني الشهير بـ "الساحر دينامو"، الذي رصدته الكاميرات في تدريبات برشلونة قبل أسبوعين من الليلة الشهيرة ضد باريس سان جيرمان. (8)
  
قضى فرايني أيامه الأولى في رصد وتحليل لاعبي البارسا أثناء التدريبات، دوّن العديد من الملاحظات، ثم عمل على عقد جلسات فردية وجماعية معهم، مستخدما العديد من التقنيات بهدف تعميق تواصلهم مع أنفسهم وتعزيز تواصل عقولهم مع أجسادهم، وهو ما أتى بثماره في النهاية.
       

    
"سمحت لي هذه المهنة بالعمل مع هؤلاء اللاعبين، في البداية عملت على تدوين ملاحظاتي الخاصة، ثم شرعت بالعمل مع اللاعبين، حيث استخدمت معهم بعض تقنيات التخيُّل التي بدت غريبة عليهم في البداية، لكن بمجرد أن انفتحوا عليها، كنت قادرا على إطلاق عدة إمكانيات في أنفسهم لم يكونوا مدركين لوجودها"

(ستيفن فرايني)

    
ذلك ما يستطيع اللاعبون الوصول إليه عن طريق التدريبات الذهنية، البعض يرى أن الجانب الذهني ليس مهما بما يكفي، والبعض الآخر مؤمن بأهميته حتى الموت، معتبرا أن العقل دائما له سلطة على الجسد. بيب غوارديولا من أنصار ذلك التيار الفكري، الرجل الذي لا يعترف بفكرة الإجهاد البدني وخلافه وقت الخسارة، ويرى أن المسألة دائما في العقل، حيث يؤمن أن التعب لا يتملك من اللاعبين أثناء المباريات إلا إذا تسلل اليأس إلى نفوسهم، فكيف سيتعب اللاعب إذا كان مؤمنا بجدوى ما يبذله؟ وهو سؤال يحمل الكثير من المنطق، لكن في النهاية لا يهم رأي غوارديولا إذا كنت مقتنعا برأي مغاير، فالقناعة الشخصية هي ما يعيش معنا، لذلك أي الفريقين أنت؟ وبأي نسبة ترى أهمية الجانب الذهني في الأداء الرياضي والحياة بشكل عام؟
     
نتحدث كثيرا عما يُعرف بـ "شخصية البطل" أثناء مناقشاتنا الساخنة، الجملة التي تُترجم إلى "روح خوانيتو" لدى جماهير ريال مدريد، و"روح الفانلة الحمراء" عند جماهير الأهلي المصري، لا نملك تعريفا محددا عن كينونة هذه المصطلحات، لكننا نفهم بشكل متفاوت ما تعنيه، إذ تشير إلى القوة العقلية والصلابة الذهنية، واللعب كمجموعة حتى الرمق الأخير، وهذا ما تعمل لأجله التكتيكات الذهنية بالمقام الأول، حيث تصوغ وتُشكِّل تلك الشخصية وذلك البطل وتؤهّله لعيش أشد المواقف تعقيدا.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة