شيفيلد يونايتد.. إبداعات الغلابة في البريمرليغ

في البداية دعنا نتفق: ليفربول استطاع حسم لقب الدوري الإنجليزي الممتاز مبكرا، والتساؤل أصبح الآن هل يستطيع الريدز الحصول على النسخة الذهبية لكأس البريمرليغ، أم سيأبى أحد أندية إنجلترا حدوث ذلك، وتلحق بقطار أبناء كلوب أول هزيمة له هذا الموسم، وإن بات الأمر واقعيا صعب المنال؟

  

ما ذكرناه سلفا ليس مثيرا لدهشتنا بالطبع، لأن الفريق الأحمر أصبح يأكل الأخضر واليابس، وأصبح معادلة صعبة في أي بطولة يلعب بها، ولكن إذا حوّلنا النظر لأسفل قليلا، وتحديدا في منطقة التأهل للدوري الأوروبي، فسنجد فريقا حديث العهد بالبريمرليغ، يحتل المركز السادس برصيد 36 نقطة، وبفارق نقطة وحيدة عن صاحب المركز الخامس المؤهل مباشرة للدوري الأوروبي الموسم المقبل.

  

هذا الفريق هو شيفيلد يونايتد صاحب التجربة الفريدة، إذ استطاع في أول موسم له بعد الصعود من التشامبيونشيب منافسة كبار الدوري مثل: مانشستر يونايتد وتوتنام هوتسبر، وتخطّى أرسنال في جدول الترتيب، علاوة أنه على بُعد 7 نقاط فقط من تشيلسي صاحب المركز الرابع، والذي يُعاني من حالة تذبذب وإهدار نقاط قد تُكلِّف أبناء فرانك لمبارد الخروج من المربع الذهبي نهاية الموسم.

    

  

داخل أروقة المحاكم

في الصيف الماضي، وفي الوقت الذي يستعد فيه البليدز للوجود في البريمرليغ، لأول مرة منذ 12 عاما، كانت هناك معركة أخرى طاحنة داخل أروقة المحاكم في إنجلترا حول ملكية النادي بين المالك السعودي الحالي الأمير عبد الله بن مسعود بن عبد العزيز آل سعود وشريكه السابق رجل الأعمال الإنجليزي كيفين ماكابي.(1)

  

فوفقا لمصادر قريبة من عبد الله، فإن الخلاف بين المالكين نشب في بداية عام 2017، حين تجاهل المالك الإنجليزي نصائح شريكه السعودي في عدة أمور متنوعة منها: إلغاء مخطط التوسع في شبكة كشافي النادي في أوروبا، وكذلك رفض نصيحة المستشارين الذين جلبهم آل سعود لمراجعة إداريات النادي، ورؤيتهم لتحسين الأمور به، بشكل جعله يشعر بأنه ليس شريكا في القرارات، وأن ماكابي كان بحاجة إلى أمواله فقط.

  

في فبراير/شباط من عام 2018، حاول المالك الإنجليزي استغلال البند المبرم بالتعاقد، وقدّم إخطارا لشركة "SUL" المملوكة للمالك السعودي، والمستحوذة على نصف أسهم النادي، يفيد بأنه يريد شراء باقي الأسهم مقابل 5 ملايين جنيه إسترليني، الرد كان قويا من عبد الله، والذي قدّم إخطارا معارضا هو الآخر من أجل شراء باقي الأسهم مقابل المبلغ نفسه، وقام ببيع أكثر من 80% من الأسهم المملوكة له في النادي سلفا لشركة شقيقه، وهو ما رأته الشركة الإنجليزية تحرُّكا غير شرعي أبطل الصفقة الأصلية، ليتجه الجانبان إلى أروقة المحاكم.

    

رجل الأعمال الإنجليزي: كيفين ماكابي والأمير السعودي: عبد الله بن مساعد  (رويترز)

     

في سبتمبر/أيلول الماضي، أصدرت المحكمة قرارها بشأن القضية، والذي أفاد بوجوب بيع حصة الشركة الإنجليزية لصالح الشركة السعودية بشكل نهائي، وتلا هذا الحكمَ حكمٌ آخر في يناير/كانون الثاني من العام الحالي برفض الاستئناف المقدم من رجل الأعمال الإنجليزي، ليصبح ملزما ببيع حصته كاملة، ولينتهي صراع دام أكثر من عامين في المحاكم الإنجليزية.(1)(2)(3)

  

معجزة؟

آخر وجود لنادي شيفيلد يونايتد في البريمرليغ كان في موسم 2006-2007 حين احتل المركز الـ 17 وقبل الأخير، ليهبط لمسابقة التشامبيونشيب ثاني أقوى المسابقات الإنجليزية، والذي استمر فيها 4 مواسم قبل أن يهبط إلى دوري الدرجة الأولى (League One) في موسم 2013-2014.

  

الوضع ازداد سوءا بالنسبة للبليدز الذين فشلوا في الصعود إلى التشامبيونشيب مرة أخرى لمدة ثلاثة مواسم متتالية، الأمر الذي انعكس على جماهير الفريق، الذين فقدوا ثقتهم في فريقهم، انخفضت نسبة الحضور في ملعب الفريق إلى 60%، بعدما كانت جماهير الفريق تتصارع من أجل إيجاد مقعد شاغر في المباريات.

    

المدرب الإنجليزي كريس وايلدر (رويترز)

    

نحن الآن في مايو/أيار من 2016، الفريق أنهى للتو الموسم في المركز الحادي عشر من منافسات دوري الدرجة الأولى، وهو أسوأ مركز في تاريخ الفريق منذ 1983، وقتها قرّرت الإدارة التعاقد مع أحد أبرز المدربين الإنجليز في الدوريات السفلى، والذي نجح في ثاني مواسمه مع فريق نورثهامبتون تاون في الصعود إلى دوري الدرجة الأولى، بعدما كان يقبع في قاع دوري الدرجة الثانية، وهو الإنجليزي كريس وايلدر.(4)(5)

  

"الأمر كله يعود للاعبين الذين يضعون كل شيء في أرضية الملعب، إنهم ملتزمون للغاية، وبالتالي يجدون الدعم اللازم من الجماهير، الذين يرونهم يتنافسون، ويبذلون الجهد والعرق، بعد ذلك هم أحرار في إظهار ما يريدونه في المستطيل الأخضر"

  

لم يدعم وايلدر الفريق بأي لاعبين جدد، بل أصرّ على الإبقاء على جميع لاعبيه الذين تذوّقوا مرارة الدرجات الأدنى من الدوريات الإنجليزية على مدار السنوات الماضية التي عاشوها مع الفريق، وفي أول موسم له، احتل الفريق المركز الأول برصيد 100 نقطة كاملة، واستطاع الصعود من دوري الدرجة الأولى إلى التشامبيونشيب في أول خطوة له نحو الصعود إلى البريمرليغ.

  

في الموسم الثاني له، نجح في البقاء في التشامبيونشيب حيث احتل مركزا في منتصف الجدول وهو العاشر، لينجح في موسمه الثالث في الصعود بالفريق إلى الدوري الإنجليزي الممتاز، بعدما احتل المركز الثاني المؤهل مباشرة، برصيد 69 نقطة، ليخسر وايلدر 23% فقط من مبارياته منذ أغسطس/آب 2015، علما بأن نسبة الخسارة في تاريخ مدرب مثل يورغن كلوب هي 24%.

   

  

ميركاتو الغلابة

عادة تبحث الفِرَق الصاعدة حديثا للدوريات الكبرى عن الكثير من التدعيمات، وبالتالي تُكلِّف خزينة النادي أموالا طائلة، وذلك لضمان بقائها في هذا المستوى لأطول فترة ممكنة، أو على الأقل البقاء في هذا المستوى في الموسم الأول، ومن ثم ترتفع الطموحات تدريجيا حول التطلُّع إلى مشاركة أوروبية أو الفوز ببطولات أو غيره، ولكن هذا لم يحدث في شيفيلد يونايتد.

   

بالرغم من أن النادي أبرم خلال الصيف الماضي 10 صفقات جديدة، فإنها في مجملها لم تُكلِّف خزائن النادي أكثر من 40 مليون يورو فقط، من بينها تجديد الإعارة لعدد من اللاعبين بالفريق مثل: دين هيندرسون، حارس فريق الشباب لنادي مانشستر يونايتد والمعار للبليدز، بالإضافة إلى شراء أوليفر ماكبرني، مهاجم سوانزي سيتي الشاب، وأيضا ليز موسيت مهاجم بورنموث. أسماء لم نسمع عنها من قبل بالطبع، وربما لم نكن لنسمع عنها لولا انتقالها لشيفيلد هذا الموسم.(6)(7)

    

  

سياسة وايلدر في التعاقدات تعتمد على نوعية معينة من اللاعبين، فالعامل الأهم في أهداف البليدز في الانتقالات الصيفية لم يكن اللاعب الأبرز، ولكن اللاعب الذي لديه استعداد نفسي وذهني لتنفيذ خطة الفريق، والتعليمات الخاصة بها، وبالتالي سهولة الاندماج في كيمياء الفريق بالتبعية.(11)

  

تلك السياسة تغيّرت قليلا في الانتقالات الشتوية، عندما حطّم النادي الرقم القياسي للصفقات في تاريخه وتعاقد مع لاعب الوسط النرويجي الشاب ساندر بيرج قادما من جينك البلجيكي لمدة عامين ونصف مقابل 21.5 مليون يورو، ما يعكس قدرة وايلدر على تطويع أي لاعب في خطته ووفقا لرؤيته الفنية، حيث أصبح أكثر شجاعة وثقة في نفسه على عكس بداية الموسم، الأمر الذي فسّر أيضا تعاقده مع المهاجم الهولندي زيفكوفيتش قادما من الدوري الصيني، والذي خطف الأنظار لسنوات ماضية مع أياكس، فهو يؤمن بقدرته على إعادة بريقه مرة أخرى، بالإضافة إلى تعاقده مع المدافع الإنجليزي جاك روبنسون من نوتنغهام فورست، والمدافع اليوناني باناجيوتيس ريتسوس حتى نهاية الموسم على سبيل الإعارة من بايرن ليفركووزن.(8)(9)

      

  

في الوقت نفسه ما زال سقف أسعار التعاقدات في الفريق محدودا، فبالنظر إلى فريق مثل أستون فيلا مثلا أنفق ملايين الجنيهات في الصيف، على أمل احتلال مركز مُتقدِّم في جدول الترتيب، حيث يقع في المرتبة الـ 17 ويفصله مركز واحد عن منطقة الهبوط، ويبعد عن شيفيلد يونايتد بأكثر من 10 مراكز، ورغم ذلك تبلغ القيمة السوقية للاعبيه أكثر من 260 مليون يورو، وهي ضعف القيمة السوقية للبليدز تقريبا.(10)

  

داخل المستطيل الأخضر

الآن، وبعد كل ما ذكرناه سابقا، يتبقّى لدينا محاولة فهم كيف يُدير كريس وايلدر لاعبيه من خارج الخطوط؟ وما السر في نتائج الفريق الرائعة حتى الآن؟ أسئلة قبل الإجابة عنها، نحيطكم علما أن غوارديولا نفسه أثنى على طريقة لعب الفريق، وبالطبع لم يكن الأول ولن يكون الأخير.

 

"لقد رأيت بعض المباريات التي لعبوها هذا الموسم وهذا هو السبب في وضعهم الحالي بالجدول. أنا معجب بهم وبكيفية لعبهم باللاعبين أنفسهم القادمين إلى الدوري الممتاز. كمدير فني تستطيع أن ترى كيف تحسنوا كثيرا، هم من الفِرَق التي يجب مشاهدتها" 

(بيب غوارديولا)

    

يلعب وايلدر بطريقة 3-5-2، ولكن ليس في شكلها التقليدي، في الحالة الهجومية يسمح وايلدر لقلبَيْ الدفاع بالزيادة للأمام، وذلك لزيادة عدد الخيارات أمام حامل الكرة على الأطراف، وأيضا زيادة الكثافة الهجومية في الوسط، عن طريقة عملية التداخل أو الـ (Overlaping) بين الظهير الأيمن وقلب الدفاع، وبالمثل مع الظهير الأيسر وقلب الدفاع الآخر، كما هو موضح بالصورة، حيث يتسلل في المساحات الخالية بين دفاعات الخصم، مع وجود المهاجمين في الأمام، من خلفهم لاعبا الارتكاز اللذان قد يضطر أحدهما للزيادة على أحد الأطراف، مع وجود الآخر من أجل اصطياد الكرة الثانية، وقتها تتحول الطريقة إلى أشبه بـ 2-2-6 الكلاسيكية والتي انتشرت بين فِرَق إنجلترا في أواخر القرن التاسع عشر.

       

      

حرية الحركة في الحالة الهجومية لا تختلف كثيرا عن مثيلتها في الحالة الدفاعية، حيث يضطر المدافع الثالث أو الليبرو إيجان إلى البقاء في الخلف رفقة لاعب الارتكاز نوروود، ومن الممكن أن ينضم لهما فليك لاعب الوسط، ليخلقوا حالة من التوازن بين الحالة الهجومية والتحول الدفاعي، دون النظر لمراكز اللاعبين الأصلية، فقلبا الدفاع يهاجمان، ولاعبا الوسط يدافعان، وهذا ما يُميّز هذه الطريقة.(13)(14)

  

تلك الطريقة انعكست على أداء الفريق في المباريات بشكل كبير، إذ يحتل الفريق المركز الثاني في نسبة دقة التسديد على مرمى الخصم، أو بمعنى آخر نسبة الأهداف المحتملة من هذه التسديدات، ولا يسبقه في تلك الإحصائية سوى مانشستر سيتي، الغريب أن شيفيلد يونايتد ثاني أقل فِرَق الدوري تسديدا على المرمى بشكل عام، وهذا يعكس دور طريقة اللعب في التحكم في دقة التسديد بالرغم من قلة عدد التسديدات بالأساس.

    

  

تبقى نقطة الضعف التي يبحث وايلدر عن حل لها الآن وهي فكرة تحويل الفرص المحققة أو الأهداف المحتملة إلى أهداف، حيث خلال 44 تسديدة استطاع هجوم البليدز تسجيل 9 أهداف فقط، وهذا يُفسِّر تعاقد الفريق مع ريكايرو زيفكوفيتش قادما من الصين.(15)

  

مؤخرا، أعلن النادي الإنجليزي عن تجديد تعاقده مع المدرب الإنجليزي كريس وايلدر حتى عام 2024، بعدما زادت الشكوك حول استمراره مع الفريق، خاصة بعد صدور حكم بإلزام المالك الإنجليزي ببيع حصته لنظيره السعودي، فهل يواصل وايلدر قصة نجاحه الاستثنائية مع البليدز، أم سيكتفي بما قدَّمه خلال الفترة الماضية، وسيتوقف طموح النادي عند هذا الحد؟(16)

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

الرجل الذي صنّفه مورينيو بأنه أصعب مدرب واجهه في مسيرته تكتيكيا وأشاد به غوارديولا في مرات عدة.. يأخذك "ميدان" برحلة مع صاحب الشعر الأبيض والابتسامة الخجولة جيان بييرو غاسبريني.

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة