مراكز اختفت وخطط وجدت.. كيف تغيرت كرة القدم في الـ20 عاما الأخيرة؟

أهلا بك، في الحقيقة نحن نعلم أنك كرجل محب لكرة القدم فبالتأكيد قد وقعت ذات مرة في فخ الحديث مع أصدقائك عما إذا كانت اللعبة قديما أفضل من الآن أم العكس هو الصحيح، وهو سؤال يُسبِّب الصداع ولا فائدة من طرحه أصلا لأنه يشبه أن تسأل رفيقك: "أيهما أروع المشمش أم الكبدة؟"، ثم يأتي شخص ثالث لا تعلمه ويقول: "لا هذا ولا ذاك، إنما جورجيا هي أفضل مكان زرته في حياتي"، ويبدو أن اليوم يوم حظك لأننا لن نطرح هذا السؤال.

    

اللعبة تغيرت كثيرا عن الماضي، وإذا ألقينا نظرة على مباريات الثمانينيات والتسعينيات مثلا ثم تابعنا رؤية كرة القدم التي تُقدَّم في عصرنا الحالي، فسنشعر كما لو أننا نرى لعبتين منفصلتين تماما، أجواء مختلفة، أساليب لعب تغيرت وتطورت بمرور الزمن، وإذا عدت للوراء أكثر فستجد نفسك تشاهد شيئا آخر لا يمت لكل ما سبق بصلة.

  

إلى أين نحن ذاهبون؟

من فضلك وقبل كل شيء، لا تنكر أن العنوان قد أثار فضولك لمعرفة الأشياء التي تغيرت في اللعبة في السنوات الأخيرة، وهي كثيرة بالمناسبة، وفي عصر الانفتاح المعلوماتي الذي نعيش فيه الآن، فإن التغيرات عندما تحدث أصبحت تصاحبها تغيرات أخرى، وهكذا دون توقف، كأنها بكتيريا آخذة في التكاثر دون توقف.

   

ساعد على ذلك الاهتمام المبالغ به أحيانا ببعض التفاصيل الدقيقة التي أخذت في تعقيد اللعبة شيئا فشيئا، ألقِ نظرة مثلا على الـ 30 والـ 40 عاما الماضية وشاهد كيف كانت تُدافِع الفِرَق، وذلك الرجل الأنيق هناك خلف خط الدفاع، المسؤول عن منع الكرات البينية المرسلة لمهاجمي الخصوم، أو التعامل مع مهاجمي الخصوم، أو التقاط الكرات الطائشة منهم، مثله مثل أي مدافع آخر موجود معه، لكن فوق كل ذلك كان يستحوذ على الكرة وينطلق بها إلى منتصف ملعب المنافس ويبدأ في توزيع الكرات على زملائه؛ إرسال طولية إلى هذا، أو توجيه ذاك في تحرُّك ما نحو مرمى الخصم، كما لو أنه صانع الألعاب المتأخر أو "Deep Lying-Playmaker" العصر الحالي. نعم، يبدو أنك عرفت ذلك الرجل الأنيق الذي نتحدث عنه، إنه لاعب مركز الليبرو، واحد من أروع ما كان يشاهده أجدادنا قديما، أو اختصارا لكل ذلك الكلام السابق فقط شاهد ماذا كان يفعل فرانتس بيكنباور هنا.

     

   

لكن لأن السعادة لا تدوم طويلا، فالليبرو تعرّض لعدة ضربات ثقيلة قبل أن يندثر دوره تماما، في البدء كان قانون التسلل، الذي ظهر لأول مرة في منتصف السبعينيات، هو العقبة الوحيدة التي يواجهها لاعبو الليبرو لكونهم متأخرين قليلا عن باقي لاعبي خط الظهر، لكن التعامل مع الأمر كان سهلا نسبيا، إلا أن الضربة القاضية كلها كانت على يد أريغو ساكي وجيل الميلان السحري الذي أحضره معه.

 

والمفارقة الكبرى في مسألة انحسار مركز الليبرو عن الساحة أنه بدأ من المكان الذي تبلور فيه من الأساس، الكالشيو، جنة الكرة الدفاعية في أوروبا، ثم يظهر ساكي بتكتيك الـ4-4-2 المعتمد في أساسه على ثنائية من قلوب الدفاع في الخلف، حيث يتبلور طراز المدافعين من أمثال فرانكو باريزي الماضي وفيرجيل فان دايك وسيرجيو راموس الحاضر، وحينها اختفى الليبرو من الساحة إلى الأبد، أو بمعنى أدق، لم يَعُد له مكان على الساحة أصلا.

 

لكنها قصة مستهلكة نسبيا، فلا يُعقل أن تختفي من الساحة نوعية من اللاعبين مرة واحدة فقط لأن أحدهم قرّر فجأة أن يلعب بتشكيل جديد لم يكن له أثر من قبل على الساحة، بل يُرجعها البعض إلى أنه مع زيادة وتيرة اللعبة في عصرنا الحالي، وزيادة عمليات الضغط التي تُحدِثها الفِرَق في صفوف دفاعات بعضهم، أصبح من الخطير أن يلعب أحد اللاعبين في هذا العمق المتأخر من خطوط الدفاع، لأن ذلك لن يسمح بتلك المساحات التي كانت تُتاح لفرانتس بيكنباور أو ميودراغ بيلوديديتشي في أزمنتهم. (1)

   

لذلك، يتكهّن البعض أن الليبرو لم ينقرض أبدا، بل ببساطة أصبحت إمكانياته وقدرته العالية في الاستحواذ على الكرة وفي افتكاكها تُستغل لكن في مركز مُتقدِّم قليلا في الملعب، لذلك أصبح الليبرو هو أحد لاعبي منتصف الميدان في نظام الـ4-4-2 الذي استحدثه ساكي قديما.

  

المدرب أريغو ساكي (رويترز)

      

سحقا.. ها نحن ننطلق مرة أخرى

لكن يبدو أن ذلك النظام الجديد الذي استحدثه ساكي أخذ في التحوُّل هو الآخر، ففي البدء كان ثنائي المحور الموجودان في ذلك الشكل الخططي يُطلق عليهما "Central Midfielder" هكذا دون أي تعقيدات، كل دورهم هو توزيع وبناء اللعب مع الفريق في هدوء واستقرار، لكن لأن اللعنة على الاستقرار، ظهر هناك بعض المدربين الذين طلبوا من أحد ثنائي المُقدِّمة أن يعود إلى الخلف قليلا لكي يكون تحت الآخر، وأن يكون له كامل الحرية في التحرُّك في كامل أرجاء الملعب ليبدأ في صناعة الفرص لذلك المهاجم الآخر ولباقي زملائه، نعم، من هنا كانت انطلاقة صانع الألعاب الكلاسيكي، الرجل الذي جعل كل أطفال تسعينيات القرن الماضي يتعلّقون باللعبة.

   

وبالطبع نحن لا نحتاج إلى أن نخبرك عن لاعبي الرقم 10 وما يستطيعون فعله بالكرة، فقط انظر إلى ما يجمع ريكيلمي ببابلو إيمار وفرانشيسكو توتي مثلا، لا شيء إلا أنهم جميعهم كانوا فنانين بالمعنى الحرفي للكلمة، وبإمكانهم فعل أي شيء بالكرة طالما كانت في حوزتهم، ومن هنا انطلقت الـ 4-2-3-1 التي اجتاحت العالم منذ تلك اللحظة وحتى فترة قريبة من عصرنا. (2)

   

المهم، لِنَعُد إلى موضوعنا، بدأ صانع الألعاب ذلك يُسبِّب المشكلات لثنائي المحور. السبب؟ لأنه ببساطة كان يتحرك في المساحة المتروكة خلفهما، وبناء عليه كان يتطلّب من أحد اللاعبين أن يعود لمراقبة ذلك التريكواريستا كما يُطلق عليه، ولكي يُغطي تلك المساحات المتروكة خلفه. (3) وعند تلك اللحظة، أصبحت الفِرَق في الحالة الدفاعية تُدافع كما لو أنها تلعب بخمسة مدافعين، بعودة أحد ثنائي المحور إلى الخلف كما أخبرناك، وكان ذلك الرجل لا يُطلب منه الكثير عندما تكون الكرة بحوزته على عكس المتطلبات الدفاعية التي أصبح مطالبا بها.

     

فرانتس بيكنباور (رويترز)

  

ولا تنسَ أنه كما أسلفنا القول، فإن نوعية اللاعب الذي كان يلعب بمركز الليبرو قديما انطلق ليلعب كأحد أفراد ثنائية المحور تلك، ببساطة أصبح "Deep Lying Playmaker" العصر الحالي، وأصبح مطالبا بكل المسؤوليات المتعلقة بالخروج بالكرة وتوزيعها وبناء اللعب مع باقي اللاعبين، مع مسؤولية دفاعية أقل من تلك الموكلة لزميله المجاور له، أي إنهما اقتسما الأدوار. ولكي تكون معنا في الصورة بشكل كامل فإن الموضوع أصبح كالآتي، لاعب في الأساس كان مدافعا أصبح يلعب في خط الوسط، ولاعب أصبح يتظاهر بأنه مدافع مع أنه في الأساس لاعب خط وسط، ولاعب أصبح يلعب بخط الوسط مع أنه في الأساس كان يلعب مهاجما، صَدِّقْنا نحن نكتب لك تلك الكلمات ونحن منتظرون منك كلمات مثل "اللعنة على تلك اللعبة"، وصَدِّقْنا مرة أخرى نحن لا نختلف معك كثيرا.

   

لأن العالم لا يكفّ عن الدوران

لا تقلق، لأن ما ستسمعه الآن قد سمعته من قبل، أتذكر ما أخبرناك به عما يظنه الناس حول أسباب انحسار مركز الليبرو عن الساحة؟ نعم، تلك الأمور التي تتعلق بزيادة سرعة وتيرة اللعب ومسائل الضغط العالي وما إلى آخره، يسعدنا أن نقول لك إن هذه الظاهرة تكررت مجددا، ولكن هذه المرة مع صانع الألعاب الكلاسيكي نفسه، نعم الرجل الذي تسبَّب لك في كل الصداع الذي عرّضناك له منذ قليل.

   

ذلك الصداع بالتبعية هو الذي نحّى جانبا اللاعب رقم 10 من الصورة الرئيسية للعبة في السنوات الأخيرة، لأنه عندما كان يعود لاعب وسط الميدان الذي يدافع لمساندة الخط الخلفي، كان يترك لاعب المحور الآخر وحيدا بمساحات شاسعة لتغطيتها، وهو الأمر الذي كان يُطلب من التريكواريستا الكلاسيكي أن يعود للخلف قليلا لتأدية بعض المهام الدفاعية لمساندة الفريق، وهو بالطبع ما لم يكن يحدث. والسبب يرجع إلى أن هؤلاء اللاعبين كانوا مطالبين دائما بالتفرُّغ للمهام الهجومية فقط، سواء بالتهديف أو صناعة اللعب، ولكن عندما يكون الفريق في الوضعية الدفاعية، كان اللاعبون يدافعون بثمانية أفراد فقط أمام عشرة منافسين، وهو ما يخلق أزمة في غاية الصعوبة حلّها كان تنحية هؤلاء السحرة الكُسالى جانبا.

   

ويعتقد البعض أن تلك التنحية أتت مع اعتماد بيب غوارديولا على خطة الـ4-3-3 مع برشلونة، التي أعدمت وجود صانع الألعاب الكلاسيكي بالشكل المألوف لنا سابقا، والاعتماد على مجموعة من التمريرات القصيرة والتحركات بدون كرة والضغط العالي من المجموعة ككل، أما البعض الآخر فيعتقد أن ذلك الضغط العالي هو الذي منع اللاعب رقم 10 من الوجود، لأنه ببساطة تعرّض لما تعرّض له الليبرو، ضاق عليه الوقت والمساحة اللازمان للقيام بما كان يستطيع القيام به، لكنه وُضِع أمام اختيارين ليس لهما ثالث، إما أن يخضع ويقوم بتلك الواجبات على أكمل وجه، وإما أنه ببساطة سيغادر اللعبة إلى الأبد. (4)

     

المدرب "بيب غوارديولا" ولاعب برشلونة رقم 10 "ميسي" (رويترز)

    

لكن في حقيقة الأمر فإن كل تلك العوامل أدّت إلى ظهور نوع مختلف من لاعبي الرقم 10، يرى عمر سالم محرر "These Football Times" أن وجود لاعب مثل مروان فيلايني مع التوفيز قبل سبعة أعوام من الآن تقريبا كان بداية ظهور موجة مختلفة من صُنّاع اللعب، أكثر شراسة وأكثر قوة بدنية وأكثر ضغطا على المنافسين، وهو بالظبط ما يحتاج إليه مدرّبو اليوم من ذلك المركز. بالطبع نحن لا نقول إن ذلك الفيلايني هو التطور الطبيعي لديل بيرو وريكيلمي وغيرهم، لا، لم نتجاوز حدودنا إلى تلك الدرجة بالطبع، لكن ما حدث أن البلجيكي كان بمنزلة جرس إنذار لظاهرة جديدة ستضرب كرة القدم، ربما ما قدّمه مع إيفرتون حينها كان دافعا رئيسيا لانتقاله إلى مانشستر يونايتد، وبالطبع أنت تعرف القصة كلها من هنا، الرجل لعب في مراكز الملعب كلها تقريبا ما عدا مركزه الأصلي.

   

ببساطة، تغيّرت أولويات اللاعب رقم 10 في الملعب، أصبح مدى جودته يُقاس عن طريق ما يُقدِّمه من مساهمات بدنية على مستوى الضغط على الخصم ومجاراته لسرعة اللعبة وما تحتاج إليه من بدنيات، أما ذلك الذي يتعلّق بالجودة في صناعة اللعب ومدى روعة لمساته على الكرة فأصبح تراثا من الماضي السحيق.

   

تفاصيل التفاصيل

البكتيريا تتحكم بكرة القدم كما رأيت، أو بمعنى أدق اللعبة زاد تعقيدها إلى حدٍّ جعلها تشبه لعبة الشطرنج، كل حركة تُلعب تُبنى عليها حركة معاكسة في اتجاه معاكس، ومع ذلك الهوس بالتفاصيل التكتيكية الذي غرق فيه البعض، والذي ساعدهم عليه الوصول إلى المعلومات بشكل يسير كما يحدث تلك الأيام، وهو شيء صحي للعبة من ناحية كونها لن تتوقف أبدا عن التجدُّد وتغيير جلدها والابتكار.

     

أصبحت الفِرَق التي تعتمد على البناء الخلفي معها أفضلية على الفريق الضاغط، لأن المنافسين سيضطرون للضغط والانتشار في مناطق أوسع من الملعب
   

إلا أن ذلك الأمر يقتل اللعبة من ناحية أخرى، لأن كل تكتيك سيخلق أمامه تكتيكا معاكسا لإيقاف مفعوله، وهكذا في متواليات لا حصر لها، وهو ما يترتب عليه قتل الهدف الأسمى من اللعبة ككل، وهو ببساطة إحراز الأهداف، فقط تخيَّل بشاعة كرة القدم بمباريات تنتهي كلها بلا أهداف؟ وذلك ما دفع المدربين لإعادة النظر في تفاصيل لم تكن تحصل على القدر نفسه من التركيز سابقا، على سبيل المثال، انظر إلى حال ضربات المرمى قديما مثلا، مجرد كرة يرسلها الحارس بعشوائية بمنتهى القوة إلى الأمام أملا في أن يستحوذ عليها أحد أعضاء فريقه، الآن كل شيء تغيَّر إلى الأبد.

   

النظرة إلى ضربة المرمى الآن أصبحت على أساس أنها اللحظة التي يُعيد فيها اللاعبون تذكّرهم لتعليمات مدربهم، وبالتالي يبدأ اللاعبون في اللعب بالكرة من النقطة صفر، وهي النقطة حيث تكون الكرة ساكنة ولهم المتسع من الوقت لبناء اللعب بالطريقة التي تدربوا عليها مع أجهزتهم الفنية، وهو ما يعتمد في الكثير من الأحيان على بعض من التمريرات القصيرة الدقيقة والسريعة في خط ظهر الفريق الهدف منها سحب عناصر المنافس إلى أقصى درجة ممكنة، لتكتشف فجأة أن اللعب انحسر في مساحة ضيقة للغاية.

    

وهو ما يجعل المنافس بالتبعية يقوم بترك مساحات أكبر في عمق دفاعاته، ليُعرِّض نفسه لخطر تمريرة طولية من حارس المرمى الذي أصبح يُطلب منه هذه الأيام أن يلعب بقدميه جيدا إلى لاعبي فريقه بالخط الأمامي، أو مع تلك المساحات المتروكة فيُعرِّض نفسه لخطر آخر من جمل يتدرب عليها الفريق تهدف إلى اللعب في تلك المساحات الفارغة، ومع التعديلات الجديدة على قوانين الفيفا حول ضربة المرمى، والتي أصبحت تُتيح تمرير واستلام ضربة المرمى داخل منطقة الجزاء، أصبحت الفِرَق التي تعتمد على البناء الخلفي معها أفضلية على الفريق الضاغط، لأن المنافسين سيضطرون للضغط والانتشار في مناطق أوسع من الملعب، وسيتاح للفريق المستحوذ وقت ومساحة أكبر للعب الكرة. (5)

     

   

عندما يقع الإنسان في مستنقع أفكاره فينتهي به الأمر إلى مهزلة

لا تجعل العنوان يصدمك، فذلك ما حدث بالفعل عندما أعلن ليفربول تعاقده مع الألماني توماس غرونيمارك، وإذا كنت لا تعرف مَن هو ذلك الغرونيمارك، فهو ببساطة مدرب متخصّص في رميات التماس، هل سبق لك ورأيت وظيفة أتفه من تلك في العالم؟

   

في الحقيقة كان ذلك تساؤل العالم بأكمله عندما تم التعاقد مع الألماني، الذي أصبح محط سخرية الكوكب بأسره، آخر ومضات تلك السخرية بالطبع كانت تلك التي أرسلها أسطورة ليفربول ستيف نيكول منذ بضعة أيام. (6)

  

"إذن مَن كان خلف قرار ألكسندر أرنولد بتنفيذ الركلة الركنية نحو أوريغي أمام برشلونة؟ هل كان مدرب الركلات الركنية؟ ما المؤهلات التي يحتاج إليها المرء حتى يصبح مدرب رميات تماس؟"

(ستيف نيكول، محلل شبكة "ESPN" الأميركية) (7)

    

توماس غرونيمارك (مواقع التواصل)

    

وفي الحقيقة، إذا جرّدنا موقف تعاقد ليفربول مع مدرب ليتولّى مسؤولية رميات التماس فقط من هزليته، فإننا سنرى بيت القصيد مما تحدثنا عنه طوال الأسطر الماضية، لا داعي لأن ألفت نظرك بالطبع إلى أي مدى كانت رميات التماس مهمشة في اللعبة حتى سنوات قريبة مضت، والآن كما تغيّر حال كل شيء، تغيّرت هي الأخرى.

   

أصبحت رميات التماس تكتسب قدرا من القدسية عند المدربين مساويا لتلك التي تكتسبه ضربات المرمى، وربما أكثر قليلا، وعند البحث عن أسباب تعاقد ليفربول مع ذلك المدرب غرونيمارك، فستجد أنه جاء بسبب توصُّل الألماني إلى إحصائية تشير إلى أن الفِرَق تحصل على متوسط يتراوح بين 40:50 رمية تماس في المباراة الواحدة، يخسر الفريق نصفهم غالبا، وهو ما يؤدي بالتبعية إلى خسارة الاستحواذ. وبناء عليه، مع تدريبات على تحسين لعب رميات التماس، ستأخذ الفِرَق إمكانية أكبر للاستحواذ على الكرة، وربما خلق مرتدات أسرع باستغلال قاعدة إلغاء التسلل إذا ما كانت اللعبة بدايتها من رمية تماس. (8)

     

لذلك، إذا تابعت مباريات ليفربول بقدر من الدقة، فستجد أن اللاعبين بالفعل أصبحوا يحبون رميات التماس، ويُفضِّلون أن يحصلوا عليها في بعض المواقف في الملعب بدلا من الاستمرار في الركض بالكرة، لأنه بعيدا عن أنها مثلها مثل ضربات المرمى، يبدأ اللاعبون في تذكّر التكتيكات التي درّبهم عليها مدربهم، إلا أنهم بالفعل حتى منتصف مايو/أيار الماضي كانوا يُتقنون 18 طريقة لتنفيذ رميات التماس! بالطبع من الصعب تخيُّل كمّ الطرق من الرميات التي أصبح الفريق يتقنها الآن، فقط شاهد هدف روبيرتو فيرمينو في شباك وولفرهامبتون الذي سجله منذ عدة أيام، البداية كانت من رمية تماس، تمثيل عملي رائع لمدى الإتقان الذي قام به غرونيمارك وهو يؤدي عمله. (9)

     

  

وفي النهاية، يُحزننا أن نخبرك أننا لا نستطيع معرفة السبب الرئيسي وراء كل ذلك الصداع الذي أصبناك به، هل هو أريغو ساكي وما فعله بالكالشيو؟ أم بيب غوارديولا ولعنة الهوس التكتيكي التي أصاب بها قطاعا كبيرا من متابعي اللعبة؟ هل يتحمّل يورغن كلوب نصيبا من اللوم هو أيضا؟ لا نعلم، كل ما نستطيع إخبارك إياه أن اللعبة ستستمر في التغيُّر طوال الوقت، وطوال ذلك الوقت يجب عليك أن تجد علاجا فعّالا لذلك الصداع، لأنك على الأغلب ستُصاب به مجددا.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة