دييغو سيميوني.. أهلا بكم في "جنة" الكرة القبيحة

ميدان – دييغو سيميوني.. أهلا بكم في "جنة" الكرة القبيحة

يرى الكاتب الأورغوياني الشهير "إدواردو غاليانو" في كتابه "كرة القدم بين الشمس والظل" أن الحاجة دعت إلى وجود وظيفة المدير الفني في كرة القدم عندما احتاجت اللعبة إلى تكنوقراطية النظام، أي إلى شخص يمنع الارتجالية ويحدّ من الحرية، وتزامنت حتمية وجود هذه الوظيفة مع التحول التدريجي للعبة من مرحلة الجرأة إلى الخوف، تلك التي يصوغ فيها كل مدرب أشكالا تكتيكية بعضها يكون عصيا على الفهم. (1)

  

غاليانو يصف المدير الفني بأنه منتج يمكن التخلص منه بسهولة في مجتمع الكرة الاستهلاكية، ومهما ظن هذا المدرب أن الكرة علم وأن الملعب مختبر لنشر أفكاره، فلا يمكنه أن يُقنِع المسؤولين والمشجعين بذلك، حيث لا يطالبه أحد أن يملك عبقرية أينشتاين ولا بُعد نظر فرويد، فالضمان الوحيد للبقاء على عرش كرة القدم هو ما تجنيه من مكاسب، بعيدا عن فلسفة المدربين ونظريات التدريب وخطط اللعب المعقدة.

  

اعتقاد غاليانو فيما يخص مدربي الكرة الاستهلاكية يقودنا إلى الحديث عن المدرب الأرجنتيني دييغو سيميوني، ويطرح سؤالا مثيرا؛ هل سيميوني هو المدرب الذي استغنى كليا عن الجمال وارتضى الفلسفة الدفاعية التي تؤمّن له البقاء على عرش أتلتيكو للموسم الثامن على التوالي، حتى ولو كانت ضريبة ذلك أن يُصنَّف على أنه صاحب مدرسة الكرة سيئة السمعة؟ أم كان يمكن لهذا التكنوقراطي الأرجنتيني التحلي بجرعة من الشجاعة والجمال؟ وهل يمكن أصلا المزج بين الكرة الجميلة والكرة البراغماتية؟!

    

دييغو سيميوني (رويترز)

     

يعتقد ذلك الكاتب البريطاني جوناثان ويلسون في كتابه "الهرم المقلوب.. تاريخ تكتيكات كرة القدم"، حينما شدَّد على أن الطريقة التي تهتم بسحر الكرة لا يمكن لها أن تتخلى كليا عن الحاجة إلى التنظيم والتكتيك واللياقة البدنية، فقال: "كل دولة حدّدت مواطن قوتها الكروية، لكن لم تستطع دولة واحدة منها أن تثق بهذه القدرات على نحو مطلق، فكُرة القدم البرازيلية الثرية بالارتجال والذوق الفني تبدو مشتاقة إلى التنظيم الدفاعي الذى يميز الطليان، والكرة الإيطالية التي تتسم بالذكاء التكتيكي والتجرد مفتونة بالشجاعة البدنية للإنجليز، في حين تميل الكرة الإنجليزية الزاخرة بالطاقة إلى تقليد المدرسة البرازيلية". (2)

   

الغاية تبرر الوسيلة

سيميوني لم تعجبه هذه الازدواجية والتداخل منذ البداية، فوضع لنفسه معتقدات خاصة، لم يكن مفتونا بالكرة الجميلة ولا مغرما بالمهارة الفردية التي يعوّل عليها كثير من المدربين، تبنى فلسفته القائمة على الجماعية والاندفاع البدني، وما زال ثائرا متمردا على كرة "التيكي تاكا" الجميلة، دون أن يكترث لانتقادات الجماهير بطريقته التي صنّفتها صحافة العالم لفترات طويلة بالكرة القبيحة.

  

نسخة أتليتكو مدريد مع سيميوني مثيرة للشفقة حتى لنجوم الفريق السابقين، فقال عنها اللاعب البرازيلي ليفينيا مهاجم أتليتكو في حقبة السبعينيات من القرن الماضي، وتحديدا عقب خسارة أتلتيكو لنهائي أوروبا 2016، إن الكرة التي يلعبها سيميوني "قبيحة" وأسلوب المدرب الأرجنتيني مع فريقه الإسباني "بشع"، موضحا أن سيميوني يطبق في فلسفته التدريبية ما تعوّد عليه حينما كان لاعبا. (3)

  

لكن كرة سيميوني منزوعة الجمال تلك لم تكن محل انتقاد فقط، دون أن تُمنح حقها من الواقعية، وجاء الثناء من الخصوم والمنافسين، فقال نجم الكرة العالمية كريستيانو رونالدو قبل 4 سنوات حينما كان في أوج تألقه مع الريال: "سيميوني ليس المدرب الذي يلعب كرة ممتعة، لكنه المدرب الذي يجب احترامه".

    

سيميوني ورونالدو (رويترز)

  

كما اعترف تشافي قائد برشلونة السابق بأنه كلاعب لا يمكن أن يصمد أمام أتلتيكو، قائلا: "أنا لا أستمتع بمشاهدة الفِرِق عن قُرب، لكني أحب هذه الطريقة الواقعية، فقوة سيميوني العظيمة هي أنه يتصدى لنقاط قوة خصومه".

  

فيما قال ارتورو فيدال إن الأفضل لا يفوز دائما في كرة القدم، موضحا أن سيميوني بالكرة القبيحة التي يلعبها وصل إلى نهائي أوروبا وكان خصما لأقوى فريق في العالم ريال مدريد، بينما اعترف ريو فرديناند بأنه حصل على تشويق حقيقي من مشاهدة أتلتيكو يحبط خصومه، وأنه يحب الطريقة التي يُفضِّلها سيميوني. (4)

   

منقذ أم منبوذ؟

عاش سيميوني حياته الكروية سواء لاعبا أو مدربا منبوذا من قطاع عظيم من الجماهير، فلم يكن "التشولو" من أكثر 10 لاعبين شهرة في الكرة الأرجنتينية. نعم، لم يكن أبدا بعظمة دييغو مارادونا، ولا بمهارة أورتيغا، ولا بشعبية باتيستوتا، وبينما كان يلعب في المركز الأكثر تعرضا للظلم في جميع ملاعب العالم وهو محور الوسط، كان أقل شهرة من رفقائه في هذا المركز أمثال زانيتي وفيرون والميدا.

   

"حين يجتمع العقل مع القلب مع الموهبة في 10 لاعبين فإن هذا الفريق لا يمكن تدميره".

  

تصريح خصّ به المدرب الأرجنتيني منهجه في التدريب، والقلب بالذات يعني لسيميوني الكثير، فحينما أراد إسناد الفوز الدراماتيكي على برشلونة في كأس السوبر الإسباني الأخير قال إنه امتلك مجموعة لعبت بقلب من أجل الفوز، ويمكن أن يكون هذا الاعتقاد هو سبب تشبيه سيميوني بـ "جيفارا"، ولكلٍّ منهما السبب الذي ثار من أجله. (5)

     

   

مسيرة تدريبية تصاعدية

في عمر الـ 17 عاما، لعب سيميوني في تجربته الأولى مع فيليس سارسفيلد الأرجنتيني، ولعب 76 مباراة خلال ثلاثة أعوام وسجّل 14 هدفا، وبعدها انتقل إلى إيطاليا وبالتحديد إلى نادي بيزا، ثم إلى نادي إشبيلية الإسباني، وبعدها انتقل إلى نادي أتلتيكو مدريد الإسباني ولعب لهم لمدة ثلاثة مواسم، ثم نادي إنتر ميلان ولاتسيو الإيطاليين على الترتيب، وعاد إلى نادي أتلتيكو مدريد، ولعب معه 35 مباراة، بعدها قرر العودة إلى وطنه الأرجنتين.

  

علّق سيميوني حذاءه واعتزل كرة القدم في العام 2006، وفي اليوم الثاني لاعتزاله تلقى مكالمة هاتفية من رئيس نادي إستوديانتيس الأرجنتيني "إدواردو أبادي"، وسأله وقتها إن كان مهتما بالقدوم إلى النادي لمناقشة تولي منصب المدير الفني الجديد للفريق، كان رد سيميوني حاسما وسريعا: "لماذا لا نذهب الآن"؟، كانت وجهة "التشولو" محددة سابقا، كانت عيناه على عالم التدريب وبورصته المتغيرة في كل لحظة، لكنه كان يعلم أن هذا العالم هو الذي يليق بشخصيته.

  

بدأ المدرب الأرجنتيني رحلته في عالم التدريب من بوابة راسينغ كلوب الأرجنتيني، لم تكن محطته الأولى مُرصعة بالأرقام الناجحة، فلم تتعدَّ نسبة الفوز 35%، لكنه انتهج من وقتها فلسفة معلمه ومثله الأعلى الأرجنتيني مارسيلو بيلسا، لكن مع إضفاء سيميوني لفكره الخاص على اللعبة. (6)

  

سيميوني لم يكن نسخة من بييلسا، فالأول يلعب بطريقة 4 – 4 – 2، والثاني كان يلعب بطريقة هجومية تعتمد على ثلاثة خطوط، كل خط منها يتكون من ثلاثة لاعبين وأمامهم مهاجم صريح، ربما تكون الطريقة غير منتشرة في أيامنا هذه، لكنها بالتأكيد الطريقة التي انطلق منها "التشولو" لبناء فلسفته الكروية الخاصة، يقول بييلسا عن تلميذه إنه المدرب الأنجح في التحول الهجومي بالكرة، لكن المدرب الأرجنتيني لا يتحول للهجوم إلا حينما يقف على أرض صلبة أولا في الدفاع.

   

مشروع ناجح

  

كان أتلتيكو مدريد يعاني الأَمَرَّين قبل استقدام سيميوني، ولم تكن الجلسة التي جمعت المدرب الأرجنتيني مع "أنجيل مارين" المدير التنفيذي لأتلتيكو مدريد في خريف 2011 تطمح لأكثر من بناء فريق مزعج للخصوم وصارم مع المنافسين، لكن سيميوني حقق أكثر من المطلوب فتحول معه "الروخي بلانكوس" إلى عاصفة تقتلع المنافسين من جذورهم، وحول "التشولو" كتيبة الأتليتي إلى صقور جامحة لا يقدر على اصطيادها أحد.

 

اعتمد سيميوني على طريقة 4 – 2 – 3 – 1 في أول 10 مواجهات خاضها مع أتلتيكو مدريد في الليجا، ولم يتلقَّ الهزيمة إلا في المباراة العاشرة وكانت في فبراير/شباط 2012 أمام برشلونة، انتهت بالهزيمة بهدفين مقابل هدف، لكن سيميوني كانت له نظرة أخرى، والتعادل في 4 لقاءات والسقوط في مباراة من أصل المباريات العشر الأولى له دفعت المدرب الأرجنتيني إلى تغيير الفلسفة الكروية سريعا، ومنذ هذه اللحظة بدأ سيميوني في الاعتماد على طريقته التقليدية (4 – 4 – 2).

   

   

مؤشر اقتصادي مُتصاعد

طريقة سيميوني الكلاسيكية يتشابه فيها لاعبو الوسط في المهام الدفاعية ويختلفون في كمية الدعم الهجومي حال امتلاك الفريق للكرة، لكن ما ميّز هذه الطريقة مع سيميوني بالذات هو ذكاء التمركز واختيار الوقت المناسب للتحرر من هذه المركزية، بما لا يضر أهدافه ولا يفسح المجال للمنافس في الاختراق، هكذا تتحرك خطوط فريق أتلتيكو مدريد ككتلة واحدة متماسكة داخل المستطيل الأخضر.

   

بالأرقام، يعتبر سيميوني المدرب الأنجح في تاريخ أتلتيكو مدريد -وربما في العالم- على الصعيد الاقتصادي، حيث أدخل هذا الفيلسوف الأرجنتيني قرابة 500 مليون يورو لخزائن أتلتيكو من بيع المواهب، بجانب مبلغ 370 مليون يورو من عوائد التأهل المستمر لدوري أبطال أوروبا والوصول مرتين إلى النهائي وحصد لقب الدوري الأوروبي، مما ساهم في وصول الأتليتي إلى مكانة مرموقة كرابع أفضل نادٍ في العالم خلال الفترة من 2010 وحتى 2020. (7)

          

ومنذ قدوم سيميوني في صيف 2011، تأهل أتلتيكو مدريد إلى دوري الأبطال ثماني مرات على التوالي، وحصل النادي من وراء هذا التأهل على مداخيل مالية بلغت قيمتها 375 مليون يورو، في توزيع عوائد البطولة الأعرق ينص على منح كل فريق يتأهل للمجموعات مبلغ قيمته 13 مليون يورو، بجانب مليون ونصف يورو عن كل فوز في دور المجموعات، ونصف مليون عن كل تعادل، والحصول على 6 ملايين يورو نظير التأهل لدور الـ 16 ومثلهم لدور الثمانية، وسبعة ملايين للوصول إلى نصف النهائي و11 مليون يورو مكافأة التأهل للمباراة النهائية، و15 مليونا ونصف للبطل.

    

     

     

نهاية تقترب

قد يكون سيميوني يعيش حاليا أيامه الأخيرة في أتليتكو مدريد بعد سلسلة من النتائج المتراجعة كان آخرها الهزيمة في الديربي أمام ريال مدريد، وهبوط مستوى الفريق وتراجع نتائجه بشكل عام، وعدم تحقيق أي فوز في آخر 4 مواجهات خاضها تحت قيادته في جميع المسابقات (ثلاث هزائم وتعادل وحيد)، أو ربما كانت الصدمة بالخروج المبكر من كأس إسبانيا من دور الـ 32 أمام الفريق المغمور كولتورال ديبورتيفا ليونيسا كانت كفيلة لإنزال الستارة على مسرحية "التشولو" مع الأتليتي بعد سنوات من العطاء والمجد، ومع ذلك تبقى إقالة سيميوني مؤجلة إلى الصيف المقبل، لتنتهي قبل موسمين من انتهاء العقد الرسمي بين المدرب الأرجنتيني والنادي. (8)

    

ورغم اقتراب النهاية، يقف سيميوني صامدا أمام النقد والهجوم وأحيانا السخرية، متطلعا لنهاية جميلة يتوج بها مسيرته، ويخرج على إثرها من الباب الكبير مرفوع الرأس، غير مكترث بما حملته له جماهير الريال من إهانة عقب الهزيمة في الديربي الأخير، مطالبين ببقائه باعتباره صيدا سهلا وفريسة أَلِفَت السقوط أمام الملكي وخسارة الألقاب الواحد تلو الآخر، وكان آخرها السوبر الإسباني الذي أُقيم بالسعودية، ملتمسا الإنصاف من بعض المتابعين والخبراء والصحفيين الذين رهنوا هذا التراجع لأتلتيكو بظروف وغيابات يؤمن بها سيميوني جيدا، لكنه يترفّع عن الاستجداء بها لتبرير حالة فريقه. (9)(10)

    

في النهاية، قد لا يكون سيميوني مدربا يستحق الحب، لأن الكرة مهما طغى عليها التكتيك والتنظيم تنتصر في النهاية للجماليات، لكنه حتما مدرب يستحق الاحترام، بانفعالاته وجنونه وتمرّده وثورته على خط التماس، حتى بتصريحاته المثيرة وتعبيراته الحادة واحتفالاته البهلوانية، فما فعله هذا المدرب الأرجنتيني مع أتلتيكو لم يكن ليفعله فرانكو إمبراطور إسبانيا في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، حينما صعد هذا الفريق الذي كان يعتبره معشوقه الأول، وغيّر اسمه من القوات الجوية إلى أتلتيكو مدريد، حتى يخنق برشلونة ويحصر ألقاب المملكة بين قطبَيْ العاصمة. (11)

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة