خلف جدار برلين.. قصص عن كرة القدم التي افتقدناها

كرة القدم باتت مُملَّة للغاية، كل شيء بات سهلا ومُمهَّدا إلى حدٍّ سخيف، وكل شيء بات مُنظَّما ومُرتَّبا بشكل زائد عن الحد، اليوم هناك فترة انتقالات محددة بمواعيد معلومة، وبإمكان أي لاعب أن يختار النادي الذي يرغب في تمثيله، ويمكن أن تستمر عملية التفاوض بينهم لشهور، يعرض النادي راتبا واللاعب إمَّا أن يقبل وإما أن يرفض، المدربون كذلك يمكنهم أن يرفضوا الذهاب إلى نادٍ ويذهبوا لغيره، هكذا بكل بساطة.

 

لقد فسد الزمان وفسدت كرة القدم، أين أيام الزمن الجميل؟ الماضي الذي لم يكن فيه عقود ومفاوضات وآراء واختيارات، وسياسة العرض والطلب ليس لها وجود إطلاقا، وعملية انتقال اللاعب من فريق إلى آخر لا تحتاج إلا إلى بضع دقائق ويكون كل شيء منتهيا، ويقبل اللاعب العرض بكل سهولة، لماذا؟ لأنه "عرض لا يمكن رفضه".

 

لم تكن تلك العروض تُقدَّم للاعبين والمدربين فقط، الحكام كذلك، ضربة الجزاء التي يمنحها لفريق دون آخر قد تودي بحياة والده، أو تمنع ابنه من استكمال دراسته. كما أخبرناك، كانت أياما مثيرة، لم يُعكِّر صفوها سوى بعض المتمردين الذي فكَّروا في رفض العرض.(1)

 

لا بد أنك تشتاق لتعرف أين كانت تلك الأيام العظيمة، لن ندعك تتشوّق كثيرا، المكان هو ألمانيا الشرقية خلف جدار برلين، وصاحب العرض كان دائما "ستاسي" جهاز أمن الدولة الأخطر في التاريخ، الذي كان مُكوِّنا رئيسيا من مكونات كرة القدم هناك، وكان طرفا في كل انتقال وحاضرا في كل مكان، سيكون جيدا أن تقرأ أكثر عن كرة القدم في تلك الفترة عبر هذا التقرير.

 

لماذا نحن هنا؟ في جعبتنا عدة قصص من خلف الجدار، قصص عن كرة القدم الحقيقية التي يُقتل فيها لاعب لأنه ترك فريقه السابق، ويتزوج رجل من ستاسي زوجة لاعب هارب ليراقبها، ويخوض فيه لاعبون 600 كم حول أوروبا للهرب من جحيم ألمانيا الشرقية.

 

عنوان ميدان

لوتس إيغندورفلوتس إيغندورف

في نهاية السبعينيات، ظهر لاعب جديد في صفوف دينامو برلين يُدعى لوتس إيغندورف، كان لاعبا مميزا للغاية، أطلقت عليه الجماهير حينها "بيكنباور الشرق"، ويقال إنه كان اللاعب المُفضَّل لإريك ميلكه رئيس ستاسي ورئيس نادي دينامو برلين في الوقت ذاته.(2)

 

لكن رغم تقدير الجميع له في الشرق ودوره الكبير في فريق دينامو، فإن فكرة الفرار إلى الغرب كانت تسيطر على عقل إيغندورف، كان يطمح في التنعُّم بالامتيازات المادية التي يتمتع بها أقرانه في الغرب، وكان يحلم بأن يلتحق بالغرب بأسرع ما يمكن ليُحقِّق طموحاته وأحلامه، وبالفعل في مارس/آذار 1979، وأثناء وجود دينامو برلين في ألمانيا الغربية للعب مباراة ودية أمام كايزرسلاوترن، وفي اليوم التالي للمباراة، نجحت خطة إيغندورف.

 

انشق إيغندورف فجأة عن البعثة، وقفز في سيارة أُجرة وفرَّ هاربا، وطلب اللجوء السياسي إلى ألمانيا الغربية، استقبله الغرب بالفعل وبدأ في بناء حياته الجديدة هناك، وتعرَّض عندها بالطبع للإيقاف لمدة عام من الاتحاد الأوروبي لإخلاله بتعاقده مع دينامو برلين، لكنه عاد لممارسة كرة القدم بشكل طبيعي بعدها، وانضم إلى كايزرسلاوترن. لم تكن تلك حادثة الهرب الأولى لرياضي من ألمانيا الشرقية، لكن هرب إيغندورف تحديدا كان صادما لستاسي، وفوق ذلك، ظلَّ اللاعب يهاجم نظام ألمانيا الشرقية خلال مقابلاته الصحفية، ويُسلِّط الضوء على أهوال الشيوعية ومآسيها.(3)

 

لذلك ظلَّ إيغندورف مُهدَّدا من ستاسي طوال الوقت، ولم يكن بإمكانه السفر مع فريقه لمواجهة أي فريق يقع في دولة حليفة لألمانيا الشرقية خوفا من أن يتعرّض للاعتقال هناك، لكنه كان شاهدا على إنجاز كايزر سلاوترن الأوروبي حين فاز على ريال مدريد بخُماسية، وصعد إلى المربع الذهبي للبطولة، وحقّق مع الفريق مسيرة جيدة في المجمل، قبل أن ينتقل إلى نادي أينتراخت براونشفايغ آخر محطاته في كرة القدم.(4)

 

تبدأ الإثارة في أمسية 5 مارس/آذار 1983، حيث قضى إيغندورف ليلته في حانته المفضلة رفقة أصدقائه، ثم ودّعهم ورحل، وقاد سيارته الألفا روميو الرياضية عائدا لمنزله، لكنه بشكل غريب اصطدم بشجرة عند أحد المنعطفات في طريق عودته ونُقل إلى المستشفى على الفور، وأثبتت التحاليل وجود نسبة عالية من الكحول في جسده ما يُرجِّح أنه فقد السيطرة على السيارة مما أدى إلى الحادث، وبعد يومين، توفي إيغندورف في المستشفى، ولم تخضع جثته للتشريح، واستبعدت الشرطة أي شبهة جنائية في الحادث.

لوتس إيغندورف

لكنّ المقربين من إيغندورف لم يقتنعوا إطلاقا بذلك، وإن لم يكن معهم دليل على ادّعائهم، قالت زوجته إنه لم يكن إطلاقا يشرب حتى يفقد تركيزه، ونقل عدد من الشهود أنه شرب في هذه الليلة زجاجة أو اثنتين على الأكثر ولم يُسرف، لكن طبقا لأولي هيس، مؤرخ الكرة الألمانية المشهور، فإن الجميع في ألمانيا الغربية لم ينظروا في احتمالية أن يكون الحادث مدبرا لأنهم لم يتخيلوا أن يصل ستاسي إلى هذا الحد ويتتبع لاعب كرة قدم بعد سنوات من هربه.

 

وقد خرجت بعض النظريات بالفعل ممن حضروا الحادث في ذلك الوقت، نقل بعضهم أن سيارة نقل كبيرة فتحت أضواءها الكاشفة الأمامية فجأة في وجه إيغندورف أثناء عبوره للمنعطف، مما أفقده الرؤية لحظيا، واصطدم بالشجرة، بينما يذهب الصحفي هاربيرت شفان إلى أن عملاء ستاسي اختطفوا إيغندورف وحقنوه بمزيج من الكحول والعقاقير المخدرة، ثم طُلب منه قيادة سيارته والابتعاد فورا، ليقود إيغندورف سيارته في ذعر شديد ويصطدم بالشجرة، لكن ظلّت هذه تكهنات وتخمينات ولم يصل أي شخص إلى تفسير مؤكد لما حدث.(5)

 

لكن بعد سقوط جدار برلين، واطلاع الجميع على الوثائق السرية لستاسي، تبيّن أنهم كانوا يراقبون اللاعب بالفعل ويخططون لاغتياله، وطبقا للملفات فإن 50 عميلا قد أرسلوا إلى ألمانيا الغربية لمتابعة اللاعب وكتابة تقارير عن تحركاته.

 

ظلّ التحقيق في هذه القضية ممتدا حتى وقت قريب، وفي عام 2010 شهدت القضية تطوُّرا جديدا عندما اعترف كارل هاينتس فيلغنر، عميل ستاسي السابق، أمام محكمة دوسلدورف أنه تلقى أوامر باغتيال إيغندورف لكن العملية لم تتم.

 

لم تصل التحقيقات إلى نتيجة قاطعة بالفعل، لكن الجميع تأكد أن الحادث لم يكن عفويا أبدا، وأن مخاوف إيغندورف التي طالما تحدّث عنها بأن ستاسي لن يتركه كانت حقيقية، وتأكد الجميع كذلك أن ستاسي كان أسوأ مما ظن الجميع، وأنهم لم يغفروا هرب لاعب كرة القدم مهما حدث.

 

عنوان ميدان

(غوتز على اليمين، شليغل على اليسار)(غوتز على اليمين، شليغل على اليسار)

وُلِد الثنائي فالكو غوتس وديرك شليغل في العام نفسه الذي بُني فيه جدار برلين تقريبا، ونشؤوا في ظل الظروف التي خلّفها الجدار، وكبروا شاهدين على الفروق الكبيرة بين الشرق والغرب، ومنذ الصغر كانوا يختلسون الفرصة لمتابعة كرة القدم في ألمانيا الغربية على التلفاز سرا في منزليهما لأن اكتشاف الأمر كان جريمة في ذلك الوقت.(6)

 

هوس الثنائي بكرة القدم تزايد مع الوقت، وانضما معا إلى ناشئي دينامو برلين، وأظهر اللاعبان نبوغا ومهارة فائقة في مراحل الناشئين والشباب، وبالفعل سجّل غوتس ظهوره مع الفريق الأول بعمر السابعة عشرة في عام 1979، أمّا شليغل فتأخر ظهوره حتى عام 1981 في عمر العشرين.

 

شارك الثنائي أيضا مع المنتخبات الوطنية في الفئات السنية المختلفة، وسافروا معها إلى عدة بلدان خارجية، آخرها كانت بطولة العالم تحت 21 سنة التي أُقيمت في السويد، وهو ما كان أمرا نادرا في ظل الحصار الذي فرضته الشيوعية على سكان الشرق، كما تكرّرت رحلات الثنائي الخارجية مع دينامو برلين الذي شارك في منافسات دوري أبطال أوروبا بوصفه بطلا لألمانيا الشرقية، وقد أثارت تلك الرحلات في ذهن الثنائي فكرة ستغير حياتهما للأبد.

 

اتفق الصديقان حينها على خوض غمار أكبر مغامرة في حياتهما، الهرب من ألمانيا الشرقية وترك كل شيء، واتفقوا أن تكون رحلاتهم في دوري أبطال أوروبا هي البوابة لذلك، لكن كان يلزمهم خطة مُحكمة حتى لا يفتضح أمرهم.

 

يحكي شليغل لـ "bbc" أنه اضطر إلى السير لساعات يوميا في الغابة رفقة غوتز لمناقشة الخطة ودراستها جيدا، لأن ذلك كان المكان الآمن الوحيد الذي لن تتمكن ستاسي من مراقبتهم فيه.

لاعبو كرة القدم الذين فروا من ألمانيا الشرقيةفالكو غوتس وديرك شليغل

مع بداية موسم 1983-1984، اتفق الثنائي أن الوقت قد حان لبدء التنفيذ، وكان أملهم أن تخدمهم القرعة وتذهب بهم إلى بلدان يمكنهم تنفيذ الخطة فيها بنجاح، وقد أوقعتهم في مواجهة بطل لوكسمبورغ في الجولة الأولى.

 

لوكسمبورغ تبدو اختيارا جيدا، تقع على الحدود مع ألمانيا الغربية، ويمتلك الثنائي صديقا يعيش في ألمانيا الغربية قريبا من الحدود، وإذا تمكّن من العبور إليهم بسيارته وأخذهم سريعا فستكون عملية الهرب يسيرة.

 

كانت مباراة الذهاب في ألمانيا الشرقية، وانتصر دينامو برلين على بطل لوكسمبورغ 4-1 سجّل منها غوتس هدفا، وكانت مباراة الإياب ستُقام في 28 سبتمبر/أيلول 1983، وبينما يتجهز الثنائي لتنفيذ الخطة، تلقّوا الصدمة حين فشل صديقهما في الحصول على تصريح عبور الحدود إلى لوكسمبورغ، وبالتالي لن يمكنه نقلهم من هناك.

 

رغم ذلك، قرّر غوتس وشليغل تنفيذ الخطة على أية حال، وتكتموا على الأمر تماما حتى لا يشي بهم أحد، وقبل السفر مع بعثة الفريق، اكتفى غوتس بإخبار والده أنه ربما لا يعود ثانية، دون أن يبلغه أي تفاصيل أخرى، بينما لم يخبر شليغل أحدا حتى والديه.

 

من اللحظة الأولى لدخول لوكسمبورغ، تحيّن الثنائي الفرصة وحاولوا خداع الجميع، لكن رجال ستاسي الذين تعودوا على مرافقة البعثات الرياضية على هيئة مشجعين لم يتيحوا لهم أي فرصة على الإطلاق.

يقول غوتس عن ذلك: "بعض مرافقينا كانوا في هيئة جماهير، لكنهم أبدا لم يكونوا كذلك، عندما تكون في الطابق الرابع بالفندق وهناك شخصان يجلسان أمام السلم طوال الليل، فعندها ستدرك أنهما ليسا مشجعين بكل تأكيد، وفي كل مكان ذهبنا إليه، الغداء، التدريب، الملعب، كنا نجدهم برفقتنا، وبالتالي كان الهرب مستحيلا".

 

عاد الصديقان إلى أرض الوطن مرة أخرى وقد خابت آمالهم هذه المرة، لكنهم أصرّوا على استكمال المغامرة وتكرار المحاولة مرة أخرى.

 

في الدور التالي، وقع الفريق في مواجهة بارتيزان بلغراد بطل يوغوسلافيا، وهي بداية مُبشِّرة قد تأتي بخير، في لوكسمبورغ كانت الحراسة مُشدَّدة على اللاعبين لأنها ليست حليفة لألمانيا الشرقية، وسيختلف ذلك بالطبع في يوغوسلافيا باعتبارها دولة شيوعية حليفة.

 

لُعبت مباراة الذهاب في ألمانيا الشرقية أيضا هذه المرة، وفي الإياب أثناء وجود البعثة في بلغراد، تحرّكت حافلة اللاعبين من الفندق نحو ملعب التدريب، ثم توقفت في الطريق، وأخبر أحد الإداريين في دينامو برلين اللاعبين: "لديكم ساعة من التجوال الحر، ثم نلتقي هنا مجددا في الواحدة ظُهرا".

 

يحكي شليغل أنه لم يكن هو وغوتز جالسين على مقعدين متجاورين، لكنهما فور سماع تلك الجملة نظرا إلى بعضهما وعلم كلٌّ منهما ما يدور في عقل الآخر؛ سنفعلها الآن.

 

هبط الجميع من الحافلة، ودخل اللاعبون إلى متجر يبيع أسطوانات غنائية مستعملة، ومعهم غوتس وشليغل، وبينما اهتم زملاؤهم باختيار أسطواناتهم المفضلة، كان الصديقان يبحثان عن المَخرج المناسب، وعندما شاهدوا بابا جانبيا غريبا غير الذي دخلوا منه علموا أن الطريق سيبدأ من هذا الباب.

 

يحكي غوتس: "بمجرد خروجنا من الباب، لم نفكر في أي شيء، كل ما فعلناه هو الركض بأقصى سرعة والابتعاد قدر الإمكان، وبعد دقائق من الجري، وجدنا سيارة أجرة، قفزنا بداخلها وطلبنا من السائق إيصالنا إلى سفارة ألمانيا الغربية، لكن السائق شعر بالذعر ورفض إيصالنا إلى هناك".

لاعبو كرة القدم الذين فروا من ألمانيا الشرقيةلاعبو كرة القدم الذين فروا من ألمانيا الشرقية

نزل الثنائي واستقلّا سيارة أجرة أخرى، وكانت 10 ماركات ألمانية كافية ليوافق السائق على حملهم إلى سفارة ألمانيا الغربية التي كانت تبعد كيلومترا فقط عن موقعهم حينها. وبعد دقائق كانا يجلسان أمام موظفي السفارة الألمانية الغربية لبحث ما سيفعلونه تاليا.

 

رغم صعوبة الموقف وتوتر الأجواء، فإن موظفي السفارة كانوا هادئين للغاية، لأنها لم تكن المرة الأولى التي يديرون فيها مغامرة كهذه، وقد قرّروا حينها أن يُنقَل غوتس وشليغل إلى مدينة زغرب على الفور، لأن سفارة ألمانيا الغربية في بلغراد هي أول مكان سيبحث فيه ستاسي عن الثنائي الهارب.

 

رغم خطورة الرحلة إلى زغرب، التي استمرت نحو 4 ساعات تقريبا، فقد وصل الثنائي إلى قنصلية ألمانيا الغربية في زغرب بأمان، وهناك حصلوا على أوراق هوية مزيفة تُثبت أنهما مواطنان من ألمانيا الغربية.

 

وكانت الخطة التالية أنهما سيستقلان القطار المتجه إلى ألمانيا الغربية، ولو أثارت جوازات سفرهم الفارغة الفضول فستكون الإجابة أنهما كانا في إجازة في يوغوسلافيا وفقدا جوازَيْ سفريهما فاستخرجا جوازين جديدين، وكانت تعليمات موظفي القنصلية لهم أن يستقلا قطار منتصف الليل ويحاولا الركوب قبل تحرُّكه مباشرة حتى يحدّان من فرصة فضح أمرهما.

 

بالعودة إلى برلين، في السابعة مساء، فتح والد ماركو غوتس التلفاز ليشاهد مباراة دينامو برلين أمام بارتيزان بلغراد، كانت المباراة ستنطلق في الثامنة، لكن ما لاحظه الوالد أن اسم نجله ليس في التشكيل الأساسي على غير المعتاد، وحين نظر الوالد إلى مقاعد البدلاء، ولم يجد اسمه ولا اسم ديرك شليغل أيضا، أيقن أنهما قد فعلاها، لكنه بقي حائرا: هل كُتب لهما النجاح، أم أمسك بهم ستاسي؟

 

عند منتصف الليل، كان الثنائي قد ركبا القطار، وكلٌّ منهما يحمل هويته المزورة، كان اسم شليغل الزائف نورمان ماير، أما غوتس فلا يتذكر الاسم الذي أنقذ حياته، وجلس الثنائي في القطار في توتر وخوف في انتظار رجل الشرطة الذي يمر للتحقق من الأوراق الثبوتية، وعندما حضر إليهما نظر في الأوراق، ثم قال: "حسنا".

 

دام الأمر برمته 20 ثانية فقط، يقول شليغل إنها كانت أطول 20 ثانية في حياته، وبعد 12 ساعة قاتلة من التوتر والقلق، غادر الصديقان الحدود اليوغوسلافية وفرّوا من الكتلة الشيوعية للأبد.

 

وصل الثنائي إلى ميونيخ بحلول السادسة صباحا، وبدا وكأن مغامرتهم الجريئة قد تكلّلت بالنجاح أخيرا، ومنذ اللحظة الأولى، كان بإمكانهم رؤية أسمائهم في صفحات الجرائد هناك: "لاعبا كرة قدم يهربان من ألمانيا الشرقية إلى ألمانيا الغربية".

 

منذ يومهما الأول في ألمانيا الغربية، اتخذ الثنائي قرارا بأنهم لن يتحدثا مطلقا عن ألمانيا الشرقية، ولن ينتقدا الشيوعية في المقابلات الصحفية، وأن تكون حياتهم مُركَّزة حول كرة القدم فقط، وساعدهم في توفيق أوضاعهم حينها يورغ بيرغر، -هارب آخر قد سبقهما إلى هناك ستعرف قصته بعد قليل- حيث انضم الثنائي معا إلى باير ليفركوزن، وانتظرا مرور العام المقرر عقوبة من الاتحاد الأوروبي، قبل أن ينتظموا في ممارسة كرة القدم وحياتهم الطبيعية بعد ذلك.

 

لم يستسلم ستاسي بسهولة لهربهم، ويحكي غوتز أنهم كانوا مراقبين حتى في ألمانيا الغربية، وتعرضت أسرهم للتضييق والمساءلات أكثر من مرة، وظلوا خائفين من ستاسي حتى لحظاته الأخيرة، لأن مصير لوتس إيغندورف كان يدور في أذهانهم في كل يوم.

 

حقّق الثنائي مسيرة جيدة في ألمانيا الغربية، لعب غوتز في ليفركوزن حتى عام 1988، وفاز معهم بكأس الاتحاد الأوروبي، ثم غادر لينضم إلى كولونيا، بينما غادر شليغل ليفركوزن عام 1985 وقضى موسما مع شتوتغارت قبل أن ينضم إلى فريق بلاو-فيس برلين عام 1986، وانتقل إلى عدة أندية حتى اعتزل في عام 1998.

 

في نهاية حواره مع "bbc" يقول شليغل: "لقد سُئلت في مناسبات عديدة: هل سأفعل ذلك مرة أخرى؟ وإجابتي في كل مرة ستكون نعم بالطبع، فعلت ذلك من أجل حياتي، ومستقبلي، وأنا فخور بما فعلته".

 

عنوان ميدان

يورغ بيرغريورغ بيرغر

لم يكن قد مر على هرب إيغندورف سوى 5 أيام فقط، حتى كان يورغ بيرغر يتجهز ليكرر المغامرة مرة أخرى، كانت الفكرة تحوم في رأسه منذ زمن لكنه لم يجد اللحظة المناسبة، ولم يستطع مراوغة ستاسي من قبل، وربما قد شجعه هرب إيغندورف فقرّر أن يلحق به.

 

يورغ بيرغر هو لاعب ألماني شرقي سابق كان يلعب في نادي لوكوموتيف لايبزيغ، ثم تولّى بعد اعتزاله تدريب المنتخب الوطني تحت 23 سنة، لكنه لسبب غريب كان ممنوعا من السفر مع الفريق خارج البلاد، حيث إنه منفصل عن زوجته، وفي عُرف ستاسي فإن رجلا بدون زوجة احتمالية هربه تظل مرجحة في أي وقت.(7)

 

كانت رحلة المنتخب إلى يوغوسلافيا هي رحلته الأولى خارج البلاد، وربما سمح له ستاسي بها لأن يوغوسلافيا بلد حليف لم يكن يثير القلق، لكن بيرغر رأى أنها فرصته الوحيدة وقرّر المجازفة والهرب في يوغوسلافيا مهما كلّفه الأمر.

 

ترك بيرغر فندق الفريق في الخامسة صباحا، واستقل القطار المتجه إلى بلغراد، وهناك توجه إلى سفارة ألمانيا الغربية، وبطريقة غوتز وشليغل نفسها، منحوه أوراق هوية مزيفة، وواصل طريقه نحو ميونخ، في الوقت الذي كان ستاسي يبحث عنه في كل مكان ونشر أوصافه لتسهيل العثور عليه.

 

بالفعل، وعلى حدود النمسا تمكّن أحد الضباط الحدوديين من التعرُّف على بيرغر، وعلم بيرغر أنه سيُسلَّم إلى ستاسي في الحال، وبينما كان يتجهز لما ينتظره هناك، ويجول بذهنه كل ما سمعه عن أهوال التعذيب لديهم، طلب منه الضابط العبور وكأن شيئا لم يكن، ولم ينسَ بيرغر معروف هذا الرجل أبدا.

 

بعد دقائق من وصوله ميونخ، كان ستاسي يقتحمون منزل زوجته السابقة وابنه في ألمانيا الشرقية، واقتادوا زوجته للتحقيق المُطوَّل، وعلى حد تعبير الابن رون بيرغر في حديثه مع "ذا أثليتيك" فإنهم في هذه اللحظة أدركوا أن كل شيء سيتغير، وأن هرب أبيه سيلاحقهم في كل مكان، وأنه قد كُتِب عليه أن يعيش دائما بوصفه ابنا لخائن مع ما يترتب على ذلك من مصاعب لا يجهلها مَن يعرف ستاسي.

 

رون شقّ طريقه بعد ذلك وصار لاعب كرة قدم، لكنه ظل أسيرا لذكرى أبيه، مُنع من ارتداء شارة القيادة، ولم يتمكّن من المشاركة مع المنتخب رغم استدعائه، واستمر التضييق عليه في كرة القدم حتى علم أنه لن يتمكّن من ممارسة اللعبة محترفا أبدا، فقرر الاعتزال نهائيا في بداية العشرينيات، ولم تسلم رحلته التعليمية من التعنُّت أيضا، وعانى كثيرا حتى استكمل تعليمه رغم تفوقه الظاهر.

 

أما بيرغر الأب فخاض مسيرة تدريبية لا بأس بها في ألمانيا الغربية، لم يقد بايرن ميونخ للفوز بدوري الأبطال، لكنه حقق نجاحات مقبولة مع فِرَق الدرجة الثانية، حيث تولى تدريب أندية دارمشتات ودوسلدورف، وهانوفر، وفرايبورغ، وشالكه، واكتسب شهرة مع هذه الأندية بقدرته على إنقاذ الفِرَق من الهبوط، فعلها عدة مرات حتى صار مشهورا بذلك، ذات مرة قال عنه أحد لاعبي فرانكفورت: "يورغ بيرغر مدرب جيد، كان سينقذ تيتانيك أيضا".

 

لكن على الجانب الآخر لم ينسَ ستاسي هربه أبدا، وهو لم ينسَ أيضا أنهم يلاحقونه، وصرّح لاحقا أنه ظل ينام والمسدس تحت وسادته لعدة أعوام، وقد تعرّض بالفعل لعدة محاولات لإعادته إلى الشرق، أحيانا عبر تهديده بإيذاء أسرته، وأحيانا حاولوا خداعه عبر زملائه القدامى لكنهم لم يفلحوا، وذات مرة، تحرّر إطار عجلة سيارته بينما كان يقود بسرعة عالية، وتكرّر ذلك مرتين.

 

كذلك في عام 1986 أُصيب بيرغر بمرض لم يكن قادرا معه على المشي أو التقاط الأشياء، وقام الأطباء حينها بتشخيصه بأنه اعتلال للأعصاب، وقد ظل بضعة أشهر حتى تعافى منه، وبمراجعة حالته بعد فترة، كان تشخيص أحد الأطباء أنه قد تسمم بالرصاص أو الزرنيخ، لكن الجرعة لم تكن مُميتة، يبدو أنه قد تناولها بالخطأ، ولا علاقة لستاسي بذلك، ألا ترى ذلك أيضا؟

——————————————————————————————————–

المصادر

  1. The secret police with its own football team
  2. Eleven pigs and the secret police: the story of BFC dynamo.
  3. Lutz Eigendorf: The day a player ‘sentenced to death’ played at the Bernabeu
  4. Bundesliga murder mystery, the death of Lutz Eigendorf.
  5. when a soccer star from the stasi’s favorite team defected.
  6. Dirk Schlegel and Falko Götz: The East Berlin footballers who fled from the Stasi.
  7. Father, traitor, hero, coach: Jorg Berger fled to West Germany, left his son behind and was hunted by the Stasi.
المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة