أزمة رايولا الجديدة.. هل يستحق بوغبا كل هذا العناء؟

لا، بالطبع لا. لو كانت هذه الإجابة هي ما تبحث عنه حقا فقد قلناها. الأمر ليس متعلقا ببوغبا بشكل شخصي، ولكننا لا نعتقد أن أي لاعب في التاريخ يستحق هذا العناء. أصلا حقيقة أننا بحاجة إلى طرح سؤال كهذا بعد 4 سنوات من دفع رقم قياسي للتعاقد معه لهو كفيل بالإجابة. هل يحق لأي لاعب أن يُسبِّب كل هذه الحيرة بعد 4 سنوات من جعله أغلى لاعب في التاريخ؟ لا، بالطبع لا. (1)

 

عنوان ميدان

منذ عدة سنوات، وبعد تعرُّض رحيم ستيرلنغ لسباب عنصري على لسان مجموعة من جماهير تشيلسي في ستامفورد بريدج، لجأ الإنجليزي الدولي إلى حسابه على إنستغرام ليقول ما أراده، عارضا عنوانَيْن مختلفَيْن من الصحيفة نفسها، الديلي ميل الإنجليزية، من المفترض أنهما يعرضان الخبر نفسه ولكن للاعبين مختلفين في مانشستر سيتي؛ الأول هو توسين أديرابيويو، والثاني هو فيل فودين. (2)

 

كلا اللاعبين قد ابتاع منزلا جديدا بعد تجديد عقده مع النادي، ولكن الصحيفة أظهرت فودين بوصفه شابا مهذبا بارًّا بأهله، بينما أظهرت أديرابيويو بوصفه ولدا سفيها غير ناضج للدرجة التي تجعله يجرؤ على ابتياع منزل فخم رغم أنه "لم يبدأ مباراة واحدة في البريميرليغ" على حد تعبير الصحيفة. (3)

 

كتب بارني روني في غارديان وقتها داعيا الجميع، بمَن فيهم نفسه، للتثقُّف حول العنصرية، مؤكدا أن الأمر يتجاوز بضعة ألفاظ علينا تجنُّبها، وأن المشكلة الحقيقية كانت في الأفكار التي تحويها رؤوسنا، في القوالب النمطية التي دفعت الديلي ميل إلى تقديم خبرين بطريقة مُغرقة في العنصرية والتمييز، ورغم أنها لم تستخدم أي "ألفاظ" توحي بذلك، فقد عالجت الحدث نفسه من زاويتين مختلفتين بناء على عِرق كل لاعب. (4)

 

لماذا نقص عليك هذه القصة؟ لأن بارني روني وقتها كتب التالي: 

"في هذه القصة، تُشير أصابع الاتهام إلى الداخل كذلك، إلى صفحات مثل هذه (صفحة مقالاته). هذا هو ثاني الأمور جدارة بالملاحظة حول الحكاية؛ رد الفعل العام حول بيان ستيرلنغ بشأن تصوير اللاعبين السود، هذه الفكرة، هذه اللغة، السردية الخيالية التي تحرمهم من الفرص، وتُعبِّر عن ضيق الأفق والأفكار الجامدة التي لا تتغير".

 

"الموضوع صعب (يقصد العنصرية)، موضوع يجب أن تكون لدينا الإرادة لنتثقّف فيه ونتعلّمه؛ يجب أن نفهم أن وصف بوغبا بالكسل أو التفاهة تكرارا هو أمر من المُرجَّح أن يقوّي السردية التاريخية السلبية التي وضعت الحواجز في طريق اللاعبين السود، القوالب المهينة نفسها التي تراها عادة في قوانين جيم كرو أو قصص تان تان في الكونغو".

epa08682322 Paul Pogba of Manchester United reacts during the English Premier League match between Manchester United and Crystal Palace in Manchester, Britain, 19 September 2020. EPA-EFE/Martin Rickett / POOL EDITORIAL USE ONLY. No use with unauthorized audio, video, data, fixture lists, club/league logos or 'live' services. Online in-match use limited to 120 images, no video emulation. No use in betting, games or single club/league/player publications.بول بوغبا

 

عنوان ميدان

هذه فقرة مؤلمة للغاية وشديدة القسوة لسببين؛ الأول هو أنها حقيقية 100%. أي مجموعة من البشر قد تملك خلفية اجتماعية أو اقتصادية تدفعها للتصرف بشكل معين، لتُكرِّر نمطا معينا، هذه حقيقة لا يمكن التملُّص منها، ولكن ما يقوله روني هو إن هذه الأنماط لا يجب أن تمنعنا من التعامل بعدالة مع كل شخص منفردا، كل شخص لشخصه. هذا صعب جدا لأن عقولنا تميل للبحث عن أسهل الإجابات وأسرعها دائما، ولكن من قال إنه من السهل التحلي بالعدالة والتجرد؟ بالعكس، الأسهل هو أن تُصنِّف الجميع في قوالب عنصرية جاهزة.

 

السبب الثاني هو سبب لا بد أنك قد خمّنته؛ بوغبا تصرّف بالضبط مثلما قال العنصريون إنه سيتصرّف؛ اهتم بقصات شعره وألوانه وحملاته الإعلانية أكثر مما اهتم بوظيفته الفعلية التي تجعل كل ذلك مهما، الوظيفة التي لم يكن ليحصل على أيٍّ من ذلك لولاها. رقص في حفل زفاف أخيه، ولعب كرة السلة في ميامي، ونشر كل ذلك على وسائل التواصل الاجتماعي في الوقت الذي يفترض فيه أن يكون مصابا في كاحله لدرجة تبعده حتى عن التدريبات. اختبأ خلف وكيل أعمال يملك العقلية ذاتها؛ لا يهتم إن لعب بوغبا كرة القدم بقدر ما يهتم أن يحتفظ بقيمة إعلامية قشرية تجعله قابلا للتسويق. (5)

 

كل هذه المشكلات والإعلانات عن الرغبة في الرحيل، رغم وفرتها بشكل لم نره مع أي لاعب سابق في هذا المستوى، لا تُعبِّر عن رغبات بوغبا ورايولا الفعلية. في الواقع الحقيقي حاول رايولا إعادة بوغبا إلى مانشستر يونايتد بعد موسم واحد فقط من رحيله إلى يوفنتوس، أي تحديدا، في 2013، بعد رحيل فيرغسون، الرجل الذي لم يحب رايولا ولم يرغب في التعامل معه. (6)

MOSCOW, RUSSIA - JUNE 17: Carmine Raiola looks on prior to the 2018 FIFA World Cup Russia group F match between Germany and Mexico at Luzhniki Stadium on June 17, 2018 in Moscow, Russia. (Photo by Alexander Hassenstein/Getty Images)رايولا

وفي 2018 صرّح غوارديولا أن رايولا أبلغ سيتي بأن بوغبا متاح للانتقال إن أرادوه، الأمر الذي أكّده رايولا. ثم في 2019 صرّح بوغبا نفسه، للمرة الأولى والأخيرة، أنه يرغب في الرحيل عن يونايتد. أي إنه لو كان لبوغبا ورايولا ما أرادوا خلال مسيرته الكروية القصيرة، للعب الفرنسي لأربعة أندية أو خمسة قبل أن يبلغ عامه الخامس والعشرين؛ مانشستر يونايتد ثم يوفنتوس ثم يونايتد مجددا ثم سيتي وأخيرا ريال مدريد. (7)

 

لو كان لنا أن نجمع مزايا مارادونا وبيليه وميسي ورونالدو وكرويف ودي ستيفانو في لاعب واحد، ثم نقلناه بين 4-5 أندية في الفترة القصيرة ذاتها، لما تمكّن من إفادة أيٍّ منهم فعليا، لا في الملعب ولا خارجه. الشخص الوحيد الذي كان ليستفيد من كل ذلك هو رايولا، إن كان وكيله، وهذا هو المطلوب بالضبط، وفي هذه المناسبة، يجدر الإشارة إلى أن بوغبا ورايولا كانا واضحين من البداية عندما فتحا خطوط الاتصال مع الجميع، وكانا يغازلان برشلونة اليوم ثم ريال مدريد غدا، يونايتد بعد يومين وسيتي بعد ثلاثة. كل هذا كان واضحا جليا ولكن الجميع تخيل أنها مرحلة مؤقتة لا أسلوب حياة.

 

عنوان ميدان

النتيجة الآن وبعد أكثر من 7 مواسم من تحوُّل بوغبا إلى لاعب محترف هي التالي؛ موسم أول مُبشِّر مع يوفنتوس، ثم ثلاثة مواسم رائعة، ثم فترة مضطربة للغاية مع مانشستر يونايتد تذبذبت بين عروض رائعة قليلة وغيابات طويلة والكثير من المباريات السيئة.

 

رقميا، قد يُعَدُّ بوغبا من النخبة على مستوى معدلات التسجيل والصناعة بالنسبة لمركزه، ولكن الحقيقة أن الجميع يعلم أنه كان بالإمكان أفضل بكثير مما كان، وأن الروح السلبية التي صاحبته في غرفة ملابس يونايتد كان لها أثر ضخم على أداء الفريق وهدوئه واستقراره طيلة السنوات الأربع، لذا يبدو الأمر كله عملية نصب؛ لقد حصل بوغبا على كل مزايا القائد، كل المزايا التي قد يحصل عليها أفضل لاعب في الفريق، سواء كانت مادية أو إعلامية أو جماهيرية، ولكنه لم يكن أبدا قدوة لزملائه، بل العكس في الواقع، كان مثالا على الطريقة المُثلى لتدمير مسيرتك الكروية، وكان هناك مَن هم أكثر جدية وتفانيا واحترافية منه بسنين ضوئية، رغم فارق الإمكانيات الضخم لصالحه.

epa08820825 Portugal’s Bernardo Silva (L) in action against France's Paul Pogba (R) during their UEFA Nations League group 3 soccer match held at Luz Stadium, in Lisbon, Portugal, 14 November 2020. EPA-EFE/ANTONIO COTRIM

الأهم من كل ذلك هو أن بوغبا لم يتطور قيد أنملة منذ رحيله عن يوفنتوس. هذا قد يبدو مُربِكا للبعض لأن صورة بوغبا الذهنية التي يُروِّج لها الإعلام والمحللون عادة تتحدث عن "التكامل في الإمكانيات بين الفني والبدني"، وهي عبارة صحيحة تماما، لكنها تنسى أمرين مهمين؛ الأول هو أنها مجرد "إمكانيات"، والثاني إنها لا تعتبر الجانب الذهني من هذه "الإمكانيات". (8)

 

رغم فوزه بالمونديال وعدد لا بأس به من البطولات، ومراكمته لقدر كبير من الخبرة مقارنة بعمره، فإن بوغبا ما زال يلعب كما كان يلعب في أكاديمية يونايتد؛ بشكل فطري تماما، غير قابل للترويض أو التحسين، يُفضِّل الحلول الفردية على الجماعية دائما، ولا ينصاع لتعليمات مدربه أغلب الوقت، مُهدِّدا نظام الفريق ووحدته كلما شارك حتى لو تمكّن من تسجيل هدف أو صناعة آخر. لا عجب أن ألليغري حرص على التأكيد أن بوغبا يجب أن ينال حريته طيلة الوقت، ولا عجب أنه كان يحمي ظهره بأكثر من لاعب طيلة الوقت، ببساطة لأن بوغبا كان يُقدِّم أفضل ما عنده عندما لا يكون مسؤولا عن أي شيء سوى نفسه. (9)

 

مسيرة بوغبا لم تكن تستحق كل هذا الاحتفاء من الأصل، ولم تكن تستحق أن يستمر في يونايتد كل هذه الفترة. لاعبون مثل ماني وفيرناندينيو وفينالدوم قدّموا لأنديتهم أضعاف ما قدّمه بوغبا في الفترة ذاتها ولم ينالوا نصف الحفاوة والتقدير والصبر، والمصيبة أن الأمور الآن وصلت إلى طريق مسدود بعد تصريح رايولا الأخير، إذ لا يملك يونايتد الآن سوى الانصياع لنصيحته والبيع في يناير/كانون الثاني إن لم يرغبوا في تقليل خسائرهم، ولو حدث ذلك فسيكون مفهوما، أما ما لن نفهمه أبدا فهو استعداد أندية أخرى لتكرار التجربة.

——————————————————————

المصادر

  1.  بول بوغبا: نجم عالمي أم صفقة فاشلة مكلفة؟ – سكاي
  2. مشجع تشيلسي يُحرَم من دخول الملعب للأبد بعد إثبات التحقيقات عنصريته ضد رحيم ستيرلنغ – غارديان
  3. منشور رحيم ستيرلنغ على إنستغرام
  4. مقال بارني روني – غارديان
  5. هل بدأ مانشستر يونايتد في تخطي بول بوغبا؟ – ذا أثلتيك
  6. بول بوغبا ووكيله مينو رايولا؛ الحرب الكلامية الطويلة مع مانشستر يونايتد – بي بي سي
  7. بيب غوارديولا: عُرِض بول بوغبا على مانشستر سيتي – بي بي سي
  8. ماذا لو كان بوغبا أقصر ببضع بوصات؟ – ذا أثلتيك
  9. ألليغري: أريد لبوغبا أن يلعب بحرية – جول