سعيد بن رحمة.. هازارد الذي وُلِد في الجزائر

تعرف عينك هذا النمط منذ النظرة الأولى، القصة ذاتها تقريبا، عربي الأصل يمتلك مهارات ساحرة وقدرات رائعة، يبدأ في ممارسة كرة القدم في أحد أندية فرنسا ثم يخرج منها فيصبح من نجوم العالم.

 

كتب عدة لاعبين فصولا في هذه الرواية من قبل، من رابح ماجر إلى عادل تاعرابت وياسين براهيمي ونبيل فقير وحاتم بن عرفة وصولا إلى رياض محرز، ونحن اليوم هنا لأجل فصل آخر من فصول هذه الرواية، رواية الموهوبين الذين خرجوا من البلاد العربية إلى ملاعب أوروبا لإبهار الجميع وإمتاع الجمهور في كل مكان.

على عكس أغلب فصول الرواية، وُلِدَ سعيد بن رحمة في الجزائر، في ولاية عين تموشنت تحديدا، إحدى مدن الغرب الجزائري المُطِلَّة على البحر الأبيض المتوسط، لكنه نشأ في الداخل في ولاية "سيدي بلعباس" المعروفة، وهناك مارس الفتى كرة القدم لأول مرة، في الشوارع والأحياء الضيقة، وهناك تشكَّلت مهارته النقية التي تُلازمه حتى الآن.(1)

 

في سن الحادية عشرة، تُقرِّر الأسرة الانتقال نحو فرنسا، والاستقرار في ضواحي تولوز، حيث بدأت رحلته الحقيقة مع كرة القدم، انضم لأحد أندية الهواة يُدعى نادي بالما في عام 2010 تقريبا، ومنه إلى نادي كولومبييه، الذي شارك معه في عدة بطولات ودية تألّق فيها بشدة، والتقطته حينها أعين كشافي أندية الدوري الفرنسي، وحاولت أندية مثل موناكو وبوردو ونيس ضمه.

 

انضم بن رحمة بالفعل إلى نادي نيس في عام 2013، ولم يستمر في فريق الشباب كثيرا حتى اقتنع به كلود بويل مدرب الفريق آنذاك، وقام بتصعيده للفريق الأول، وفي عمر الـ 18 حظي بمشاركته الأولى في الدوري الفرنسي أمام تولوز في المباراة التي خسرها فريقه بهدف نظيف.

 

رغم بدايته المبكرة، لم ينجح بن رحمة في إثبات نفسه مع نيس، تعرّض لعدة إصابات في الكاحل أبعدته عن المشاركة، وكذلك لم يحظَ بثقة المدربين الذين خلفوا بويل في إدارة الفريق، واكتفى مع نيس بالمشاركة في 18 مباراة ساهم فيها بـ 6 أهداف فقط ما بين تسجيل وصناعة.

بدأت بعدها رحلة بن رحمة مع الإعارات، خرج نحو أنجيه وأجاكسيو في إعارات قصيرة لم يظهر فيها بالشكل المطلوب، ثم خرج إلى نادي شاتورو في دوري الدرجة الثانية الفرنسي، وهناك تألَّق مع الفريق وساهم في 15 هدفا خلال موسم 2017-2018، وعندها التقطته عين بريندن ماكفارلان، المسؤول عن خلية مراقبة اللاعبين في فرنسا لنادي برينتفورد الإنجليزي.(2)

 

برينتفورد هو أحد أندية التشامبيونشيب في إنجلترا، تنتهج إدارته نهجا مختلفا عن باقي الأندية في هذا المستوى، حيث تُولي إدارة النادي اهتماما فائقا بالبيانات، وتؤمن بقدرته على التغلُّب على الإنفاق الكثيف بهذه الطريقة، يهتم النادي بتفاصيل كل شيء، وباختيارات المدربين، إذ يمتلك النادي مدربا خاصا بالضربات الثابتة، ومدربا متخصصا في التسديد، ويستعين النادي بـ "أنّا ويست" المتخصصة بالنوم للاستفادة منه لتحسين الأداء، ويعيش النادي في عالم آخر من التركيز والاهتمام لم يعتده الكثيرون من قبل، ورغم ذلك فإنهم يُحقِّقون نتائج ممتازة، وكانوا قاب قوسين أو أدنى من الصعود في العام الماضي رغم أن ميزانيتهم كانت رابع أقل ميزانية في الدوري (يمكنك قراءة تفاصيل أكبر عن تجربة نادي برينتفورد ورحلة صعوده عبر هذا التقرير).(3)

عن طريق البيانات وبواسطة شبكة كشافيهم المنتشرة، قرّر برينتفورد التعاقد مع بن رحمة في بداية موسم 2018 مقابل 2.7 مليون جنيه إسترليني، وكان ذلك هو الانتقال الأهم في مسيرة بن رحمة حتى الآن.

 

لم تكن بدايته مع برينتفورد أفضل ما يمكن، فقد عانى في البداية من مشكلة اللغة لأنه لم يكن يُتقن الإنجليزية، حتى ساعده صديقه موباي لاعب برايتون الحالي الذي زامله في نيس وسبقه إلى برينتفورد بعامين، كذلك لم يكد بن رحمة يشارك مع الفريق حتى أُصيب بإصابة عضلية بعد مباراتين فقط.

"لقد استغرق الأمر مني شهرين للتكيُّف، كنت أعاني من الاختناق طوال المباراة، ولم أقدر على المواصلة، لقد صُدمت تماما عندما أتيت؛ السرعة ليست هي التي تعودت عليها في فرنسا أبدا".

مع الوقت بدأ بن رحمة في تثبيت أقدامه مع الفريق، بذل مجهودا مضاعفا، واكتسب لياقة أعلى ووعيا تكتيكيا لم يتمتع به من قبل، وطبقا لليام تومي محرر "ذا أثليتك" فإن بن رحمة كان يُبدي اهتماما كبيرا بتحليل أدائه، ومشاهدة لقطاته مع محللي أداء النادي والاستماع إلى رؤيتهم حول أرقامه ومشكلاته التي يجب أن يعمل عليها.(4)

 

وبالفعل، تألَّق معهم تألقا لافتا، في الموسم الأول أحرز 10 أهداف وصنع 14، وفي الموسم الثاني أدّى أفضل مواسمه كونه لاعب كرة قدم محترفا، حيث سجَّل 17 هدفا بوصفه خامس هدافي التشامبيونشيب، وقدَّم تسع تمريرات حاسمة بوصفه سادس أكثر لاعب في البطولة.

هذا التألق الذي جعل الفريق ينافس على بطاقة الصعود للدوري الممتاز حتى اللحظة الأخيرة باحتلاله للمركز الثالث، لكنه فقدها بخسارته أمام فولهام في المباراة الفاصلة، وحُرم برينتفورد من الصعود إلى الدوري الممتاز هذا العام، لكن بن رحمة سبقهم إلى هناك.

 

كذلك لفت بن رحمة بتألقه نظر العديد من أندية الدوري الممتاز على رأسهم تشيلسي وتوتنهام وكريستال بالاس ووست هام، وحاولت بعض هذه الفِرَق ضمّه بالفعل في يناير/كانون الثاني الماضي، لكنهم اصطدموا بمطالب برينتفورد المالية، وراتب بن رحمة الذي يطلبه، الذي اعتبرته الأندية مبالغا فيه.(5)

 

لكن برينتفورد وافق أخيرا على عرض ويستهام الذي يقتضي إعارة لمدة عام مقابل 4 ملايين يورو مع إلزامية شراء بنحو 21 مليون يورو و5 ملايين أخرى إضافات، إن لم تتجدد إصابته مرة أخرى، وبذلك فإن بن رحمة باتت أمامه الفرصة لإظهار قدراته في الدوري الإنجليزي الممتاز.(6)

 

بن رحمة لاعب رائع، يشغل مركز الجناح الأيسر، ويمتلك مهارة فذّة وقدم تعرف طريق المرمى، يطلب الكرة بشكل مستمر ولا يخشى مواجهة المدافعين، كما يمكنه استخدام كلتا قدميه وهو ما يمنحه تفوُّقا مستمرا على المدافعين لعدم قدرتهم على تخمين خطوته المقبلة، إنه يشبه إيدين هازارد.

 

كان هذا تصريح مدربه الأول كلود بويل لصحيفة "ذا أثليتيك"، وطبقا لبويل أيضا فإن بن رحمة ورغم عدم تميزه ببنية ضخمة فإنه قوي للغاية في الالتحامات والصراعات البدنية، ويطلب الكرة دائما في أماكن خطيرة معتمدا على جودته ومهارته العالية.

 

طبقا لبن غرين محلل سكواكا فإن بن رحمة كان يعاني من الصورة الذهنية المنتشرة عن اللاعبين أصحاب المهارات العالية، لم تعد كرة القدم حاليا تُفضِّل هذا النوع من اللاعبين، لأن الجميع يفترض أن لديهم مشكلات مع الالتزام خارج الملعب والانصياع للتعليمات وبذل المجهود داخله، وأن ميلهم إلى الاستعراض والمراوغة دائما ما يُضيِّع على الفريق الكثير من الفرص، لكنّ موسمين رفقة برينتفورد سجَّل فيهما 30 هدفا وصنع مثلهم قضوا على هذه الشكوك تماما.(7)

 

اعتمد توماس فرانك مدرب برينتفورد على بن رحمة في مركز الجناح الأيسر، مع منحه الحرية للدخول في العمق وصناعة الفرص لزملائه، كذلك شكَّل هو وثنائي الهجوم أولي واتكينز وبريان مبويمو الخط الأول في تنفيذ الضغط العكسي الذي يقوم عليه أسلوب فرانك، وطبقا لسام سوندرز مساعد المدرب فإن بن رحمة أبدى وعيا كبيرا بمركزه، وأدّى أدواره التكتيكية على أكمل وجه، وحاز إعجاب الجميع، وسيفتقد الفريق لخدماته في الموسم المقبل بشدة.

 

منذ رحيل ديمتري باييت من ويستهام إلى مارسيليا، أنفق النادي اللندني الكثير من الأموال لتعويضه لكنه لم يجد ضالّته بعد، جلب فيليبي أندرسون وهو معار إلى بورتو حاليا، لانزيني لا يلعب، يارمولينكو لم يشارك إلا لدقائق معدودة منذ بداية الموسم، وربما قد وجد ضالّته بالفعل في بن رحمة.

بالنظر للأرقام، فإن بن رحمة يتفوق على الجميع، في الموسم الماضي على سبيل المثال، بالمقارنة مع لانزيني وأندرسون، وكذلك أندري يارمولينكو، الثلاثي الذي شغل موقع بن رحمة خلال الموسم الماضي، فإن بن رحمة يتفوق عليهم في كل شيء، فبن رحمة يراوغ بمعدل (5.88) في 90 دقيقة، يصنع فرص (2.27)، التسديدات (4.15)، وأكمل تمريرات في الثلث الأخير بمعدل (17.48)، كما أنه حقّق أفضل نسبة تمرير للأمام (31.12%)، لذلك لن يواجه صعوبة في اقتحام التشكيل.(8)

 

يلعب ديفيد مويس حاليا بخطة أقرب إلى 541، التي لجأ إليها لتفادي المشكلات الدفاعية التي تسبّبت في خسارته لعدة مباريات، ثلاثي خلفي يتحول إلى خماسي أثناء الدفاع، وثنائي في محور الارتكاز، مع ثلاثي في المقدمة؛ فورنالز في الجناح أيسر وبوين في الجناح الأيمن خلف أنتونيو مهاجم الفريق.

 

طبقا لبن جرين محلل سكواكا فإن هذه الخطة ملائمة تماما لأسلوب بن رحمة، حيث سيحظى بحرية كاملة دون التقيد بأدوار دفاعية، مع صعود الظهير المتكرر الذي يتيح المساحة لبن رحمة للدخول في العمق للتسديد أو صناعة الفرص، لكن المشكلة حينها ستكون في صعوبة إخراج الإسباني فورنالز من التشكيل بعد تألُّقه اللافت مؤخرا، لذلك قد يلجأ مويس للعودة إلى خطته المفضلة 4231 ويعود فورنالز إلى مكانه الأصلي في الوسط ويشارك بن رحمة على الجناح.(9)

من شأن ذلك أن يمنح الفريق قوة هجومية متنوعة، والمؤكد أن بن رحمة لن يواجه مشكلة في التكيّف مع أغلب هذه الخطط، ويمكنه بسهولة حجز مكان أساسي مع الوقت، مستغلا قدراته المتنوعة ومهارته التي تؤهله لشغل أكثر من مركز.

 

لذلك كان اختيار ويست هام مناسبا لبن رحمة، قد يتخوف البعض من أسلوب مويس المتحفظ قليلا والمائل للدفاع، أو عدم قدرته على تطوير الشباب، وتجاربه السابقة التي لم يُحقِّق فيها تطورا في مستوى لاعبي خط الهجوم، التي قد تُمثِّل تحديات بالفعل، لكن لا يُمكننا الجزم بتأثير أيٍّ منها على مسيرة بن رحمة مع المطارق.

 

يبقى الوقت هو الوحيد القادر على حسم هذه الإجابات، وحتى هذا الوقت، فإن ويست هام قد فاز بلاعب عظيم، وامتلك العرب لاعبا آخر قد يُكرِّر مسيرة مَثله الأعلى رياض محرز ومصدرا إضافيا للفخر بأبناء الجزائر.

_____________________________________________________

المصادر

  1. ‘He could nutmeg a mermaid’: the rise of Brentford’s Saïd Benrahma – the guardian
  2. said benrahma transfers – transfer market
  3. Clubs will need to get smarter in the transfer market when football returns – like Brentford – the times
  4. Skills, style and substance: What West Ham will get with Said Benrahma – the athletic
  5. Said Benrahma and the gift and curse of a ‘luxury’ player – the independent
  6. West Ham complete loan signing of Saïd Benrahma from Brentford – the guardian
  7. Said Benrahma: Brentford winger to alleviate discord at West Ham? – squawka
  8.  said benrahma stats 2019-2020 – fbref
  9. Is new formation the answer to West Ham dilemma over Pablo Fornals and potential signing Said Benrahma? hammers news

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة