"ماما أليكس مورغان".. كيف تكون كرة القدم بطموح امرأة وقلب أم؟

بعد المباراة الأولى لها بقميص توتنهام أمام آرسنال لم تخطف أليكس مورغان الأضواء بنفسها، حيث خطفتها ابنتها تشارلي، تلك البالغة من العمر 5 أشهر فقط، التي التقطت مورغان صورة معها في ملعب اللقاء توثيقا لأول مباراة تخوضها وهي أم، وفي الحادية والثلاثين من عمرها، وبعد فترة انقطاع عن اللعبة امتدت لأكثر من عام. (1)

 

أليكس غابت عن كرة القدم منذ كأس العالم للسيدات في (يوليو/تموز) عام 2019 بسبب الحمل والولادة، وامتدت فترة الغياب بسبب تفشي وباء كورونا وتعطيل المنافسات، لتفتح مورغان بقصتها بابا من التساؤلات التي توجد بالطبع بداخل كلٍّ منا حتى وإن لم نبح بها أبدا، تلك التي تتعلّق بما تفعله لاعبات الرياضات المختلفة وخصوصا كرة القدم مع الحمل والولادة.

 

الحمل ليس إصابة، والولادة كذلك، هي ليست أشياء تحدث في جزء محدد من الجسد، بل تغييرات فسيولوجية كاملة يمتد تأثيرها إلى آخر العمر. المعاناة في هذه القصة مع ممارسات الرياضة ليست فقط في تجاوز فترة الحمل وما بعد الولادة وكأن شيئا لم يكن، لأنه في حالات كثيرة تصدر شهادة وفاة مرونة الجسد بالتزامن مع شهادة ميلاد الطفل الجديد.

 

في هذا الصدد، تقول كريستي إليوت أستاذة علم وظائف الأعضاء بجامعة نوتنغهام إن الحياة بعد الحمل تختلف كليا مع بعض السيدات، بينما يستعيد البعض الآخر حياة ما قبل الولادة بمرور الوقت. هذا بالنسبة للرياضة يشبه الإصابات القوية بالكسور المضاعفة وتمزقات الأربطة التي لا ينجح جزء كبير من اللاعبين في استعادة الكفاءة نفسها التي كان عليها قبلها، حتى لو تعافى منها ولم تجبره على الاعتزال. (2)

 

كريستي إليوت تتحدث عمّا هو أخطر من ذلك، فالتغيرات الجسدية بعد الولادة تؤثر على الجهاز العضلي والهيكل العظمي بالكامل، حيث تجعل المرأة تمشي بشكل مختلف قليلا وتتوازن بطريقة مختلفة. عندما يتضخم الرحم، فإنه يضغط عموما على الأعضاء الأخرى، مما يؤدي إلى تغييرات في سعة الرئة مثلا، يمكن أن تؤدي التغييرات في الهرمونات التناسلية -زيادة هرمون الإستروجين والبروجسترون- إلى زيادة تراخي المفاصل والأربطة، وهو عامل خطر رئيسي لإصابات الرباط الصليبي وتمزُّق الأربطة بشكل عام، إضافة إلى التغيرات القلبية وتغيرات تخص الأوعية الدموية وضغط الدم وإيقاع القلب.

كأس العالم للسيدات 2019 في ليون

أَزِح الحمل والولادة من الفقرة السابقة وأَعِد قراءتها وأنت تتخيل أن هناك لاعبا ما أصيب بشيء ما تسبّب في كل ذلك، فبات يعاني على مستوى القلب والأوعية الدموية وسعة الرئة وتراخت مفاصلة بصورة كبيرة، كما أنه بهذه التغييرات سيعود إلى الملاعب بعد غياب لأكثر من عام وسيكون مطالبا باستعادة مستواه والعودة إلى ما كان عليه قبل الإصابة، علما بأنه إما يقترب من الثلاثين وإما تجاوزها. حتى لو كان أفضل لاعب في تاريخ أي لعبة، هل يقدر على ذلك؟ (3)

 

حين تتخيل هذه الصورة تذكّر أن التأثيرات لا تنتهي هنا فقط، بل إن تضخم الرحم يُحدِث ضغطا على منطقة الحوض مما يضرب سهما في مرونة الجسد من ناحية، ويؤدي إلى صعوبة التحكم في البول والبراز من ناحية أخرى، خاصة مع الجهد البدني المبذول بممارسة الرياضة، مما يضطر بعض اللاعبات للعب باستخدام الحفاظات لفترات طويلة. (4)

 

كل ذلك إضافة إلى اضطرابات الوزن وتغير النظام الغذائي، ولا تنسَ أنه مع الولادة يزداد حجم الثدي والسيولة فيه التي قد تؤدي إلى تسرب في حالات الاحتكاك أو اصطدام الكرة بتلك المنطقة، وتخيل في عالمنا أن لقطة مثل هذه حدثت أمام الكاميرات، وحجم الأذى النفسي الذي سينتج عن تعليقات الملايين في عالم ينسى الشعور بالشفقة بمجرد أن يلمح فرصة السخرية من أي شيء.

 

بالطبع لا يوجد رجل على وجه الأرض قادر على القيام بنصف ما تقوم به زوجته في وقت واحد بالكفاءة نفسها، الفروق الفردية تصب في صالح السيدات في هذه النقطة، سيقف الرجل متعجبا أمام زوجته من قدرتها على تحضير الطعام والإشراف على دروس الأبناء ومشاهدة مسلسلها المفضل وإجراء مكالمة تليفونية وملاحظة خصلة شقراء على كتفه الأيسر في الوقت نفسه.

 

وبالعودة إلى معاناة ممارسات الرياضة، ستجد ذلك يحدث أيضا ولكن بعبء بدني أكبر. واحدة من أساطير الكرة النسائية في ويلز، وهي هيلين وارد، تحكي تجربتها في هذه المنطقة، هيلين أنجبت مرتين في 2014 و2017، وفي كل مرة كانت تصر على العودة لكرة القدم من جديد، ولكن الأمر يحتاج إلى الحكمة في التعامل معه، والأهم من ذلك يحتاج إلى كثير من التضحيات. هيلين اعترفت أنها عانت كثيرا بعد الإنجاب لأول مرة لأنها لم تتعامل مع الأمر بالصورة المناسبة، لتستعين في المرة الثانية بالأطباء والخبراء. (5)

 

حين يحدث الحمل، تنفصل العضلتان اللتان تجريان في منتصف المعدة حيث يفصل الرحم بينهما. عادة، تعود الأمور إلى طبيعتها بعد 8 أسابيع، ولكن هيلين كانت تشعر حين بدأت في الركض وكأنها بلا عضلات بطن، لا يوجد أي دعم من قِبَل تلك النقطة بسبب انفصالها تماما وعدم عودة الأمور إلى طبيعتها خلال الأسابيع الثمانية المتعارف عليها، حيث وصفت الأمر بوجود مساحة بين العضلتين تسمح بوضع ثلاثة أصابع في منتصف بطنها، ضع 3 أصابع بين عضلات بطنك وتخيّل أن هذه المنطقة فارغة، بالطبع ستشعر بالألم بمجرد التخيُّل. (6)

 

الأمر استغرق من هيلين أسابيع من التمرينات الشاقة في الوقت نفسه الذي تقوم فيه بواجباتها كونها أُمًّا جديدة، عليك أن تضم هذه العضلات بأن تسحب العضلتين إلى بعضهما بعضا كما لو كنت تريد منع نفسك من التبول. عليك أن تتجنّب أي شيء يدفع معدتك للخارج لأن ذلك قد يزيد الأمر سوءا، وكل ذلك بالطبع بالتوازي مع التدريبات العادية لاستعادة اللياقة، وربما لا يمنعها كل ذلك من ملاحظة الخصلة الشقراء على كتف زوجها الأيسر كذلك. (7)

 

قبل نصف ساعة من حفل افتتاح كأس العالم للسيدات في يونيو/حزيران 2019، تحرّكت سيوبهان تشامبرلين في الخفاء صعودا وهبوطا 6 مرات خوفا من أن يراها أحدهم وهي تُجري اختبار الحمل، لقد شعرت بأعراض الحمل يوم افتتاح كأس العالم، وفي هذه اللحظة تحديدا بدأ مسار حياتها يتأرجح بين طموح لاعبة وقلب أم. (8)

 

طوال فترة الحمل أخذت تشامبرلين تمارس كل التمارين المتاحة، في البداية كانت تمارس تمارين القرفصاء والقفز على ساق واحدة، حتى 20 أسبوعا من الحمل شاركت تشامبرلين في بعض التدريبات على التحرك والتمرير مع بعض الاختلافات الصغيرة، مثل إلقاء الكرة باليد بدلا من ركلها، والركض ببطء واستخدام الدراجة، كما كانت تسبح وتمارس اليوغا. في الثلث الثالث من الحمل، كان مقدار الحركة في حوضها يعني أنها لا تستطيع أداء أي جلسات تدريبية، وحينها فقط توقفت. (9)

 

مع العودة إلى كرة القدم بعد الولادة أدركت تشامبرلين أنها لا يجب أن تضع لنفسها أهدافا كما اعتادت، لأنها في هذه المرة لا تمتلك زمام الأمر بيدها، بل بأحكام الجسد الذي لا يرحم. أخذت طريقها للعودة خطوة خطوة حتى تغلبت على ثقل الحركة والإحساس بالخمول، وتخلّصت من الوزن الزائد وباتت قادرة على ممارسة أغلب الأشياء بالكفاءة نفسها التي اعتادت عليها قبل الولادة تقريبا.

 

تشامبرلين تطلّعت لأن تراها ابنتها وهي تلعب حتى وإن لم تدرك شيئا مما ترى، كان لديها الكثير من الأحلام، وبمجرد عودتها إلى الملاعب من جديد لم تُكمل شهرين حتى قرّرت الاعتزال، مُفسِّرة ذلك بأنها شعرت بالذنب حين وضعت ابنتها خارج الحسابات وتركتها مع أجدادها للتركيز على متطلبات كرة القدم، التي هي نمط حياة كامل وليست مجرد عمل يمتد لـ 8 ساعات ولمدة 5 أيام أسبوعيا. (10)

 

ما قدّمته تشامبرلين من تضحيات وتحمُّل لمشقة التدريبات أثناء فترة الحمل يُوضِّح كيف كان الطموح لديها والرغبة في العودة لكرة القدم، ولكنه توقف للحظة حين وُضِع في كفة أخرى مع قلبها وهي أم. لاعبات أخريات أكملن طريقهن ولم يشعرن بأي تعارض بين الأمومة وكرة القدم، هو صراع نفسي يتحكّم فيه ترتيب الشخص لأولوياته، ولكن مع إقحام قلب الأم في المعادلة فلن نحتاج إلى الكثير من الجهد لمعرفة أين ستذهب الأولوية في أغلب الحالات. (10)

 

مع تفشي فيروس كورونا، بدأت الأندية تُقلِّص حمولتها الزائدة بالاستغناء عن العمال والموظفين ما داموا لن يقوموا بعملهم المعتاد لفترة من الوقت، وفي ظل قانون الرأسمالية الذي يحكم العالم، فمن الطبيعي أن تُفكِّر بعض الأندية في الاستغناء عن لاعبة بمجرد ظهور أعراض الحمل، كونها ستجلس لأكثر من عام بدون تقديم أي شيء يفيد النادي.

 

وفي هذا الشأن، كان الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" حاسما بمشروع قانون لحماية الأمهات، جاء ذلك بعد أيام فقط من ظهور أليكس مورغان في مباراتها الأولى بعد الولادة، ذلك القانون الذي سيمنح إجازة أمومة للاعبات بحد أدنى 14 أسبوعا مع دفع ثلثي الراتب والتزام النادي بتقديم وسائل المساعدة كافة للاعبة بعد عودتها لتسهيل استعادة لياقتها وتجاوز آثار الولادة، مع فرض عقوبة على النادي الذي لا يلتزم بذلك بالحرمان من دخول سوق الانتقالات لعام مع دفع تعويض مادي للاعبة. (11)

 

في الحقيقة نحن لا نعلم هل هناك ارتباط بين أمومة أليكس مورغان وهذا القرار أم أن التتابع الزمني فقط مَن يُعطي الإيحاء بذلك، ولكن بكل تأكيد سيكون لـ "ماما مورغان" دور كبير في تسليط المزيد من الأضواء نحو قضية الأمهات في عالم كرة القدم، ولِمَ لا يكون لها قانون باسمها على شاكلة بوسمان بالحديث عن تأثير يمتد إلى ما لا نهاية. أما عن تجربتها الشخصية، فهي الآن في بداية رحلة جديدة مع كثير من المشاعر المختلطة، حيث موهبة كبرى ستُدار لأول مرة بعد 31 عاما بواسطة قلب أم.

——————————————————————
المصادر

  1. عودة أليكس مورغان إلى كرة القدم بعد أكثر من عام 
  2. العودة لكرة القدم بعد الحمل – ذا أثليتيك 
  3. المصدر السابق 
  4. المصدر السابق
  5. المصدر السابق
  6. المصدر السابق
  7. المصدر السابق
  8. المصدر السابق
  9. المصدر السابق
  10. ثيوبهان تشامبرلين تعتزل كرة القدم بعد أشهر قليلة من الولادة 
  11. فيفا يستعد لإصدار قانون حماية الأمومة في كرة القدم 

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة