روبن دياش لمانشستر سيتي.. اختيار القدر في رحلة بحث غوارديولا عن السعادة

بدا بيب غوارديولا كاذبا عندما سُئل عن مشاعره عقب فوز فريقه على ولفرهامبتون في افتتاحية الدوري الإنجليزي لهذا الموسم، حينها صرّح بأنه "في منتهى السعادة"، وبينما كان يقول ذلك فإن وجهه كان يُوحي بالعكس تماما، خاصة بعدما استباح الذئاب دفاع السيتي مرارا إلى أن أوشكوا على إحراز التعادل حتى سجّل جابرييل خيسوس رصاصة الرحمة التي أنهت معاناة بيب غوارديولا وضمنت له ضربة بداية ناجحة لموسمه الخامس مع الفريق، لكن لسوء الحظ مشاعر السعادة لم تدُم طويلا بعدما خسر الفريق في الجولة التالية بنتيجة 2-5 من ليستر سيتي وخرج بتعادل باهت مع ليدز، لتصبح حصيلة ما استقبله الفريق في أول 3 جولات في الدوري هو 7 أهداف، ما يعادل -تقريبا- ثُلث ما استقبله الفريق في الموسم قبل الماضي كاملا، الذي أنهاه بطلا للمسابقة، وهو ما يُفسِّر لماذا كان الرجل يدّعي السعادة بعد مباراة ولفرهامبتون! (1)

إذا أردنا التفتيش عن هوية أفضل مهاجمي العالم فلن نستغرق وقتا طويلا حتى نصل إلى نتيجة بعد مشاهدة مقاطع الفيديو ومراجعة تحليل البيانات والتقارير الفنية والتكتيكية، وذلك لأن قيمة أفعال المهاجم يمكن تمييزها على الفور، لكن عندما يتعلّق الأمر بالبحث عن المُدافع الأفضل فإن الأمر يأخذ منحى آخر من التعقيد، لا توجد إحصائية محددة أو وحدة قياس نستطيع بها تحديد هوية المدافع الأفضل، بسبب كثرة المتغيرات عندما يتعلّق الأمر بالعملية الدفاعية، وأحد أهم تلك المتغيرات هو السياق؛ كيف يلعب الفريق الذي يلعب له ذلك المدافع وما فلسفته؟ ما نوع الدفاع الذي ينتهجه المدرب؟ ما المرجعيات الدفاعية لذلك الفريق؟ مَن يلعب بجوار ذلك المدافع؟ ما الثقافة الكروية السائدة في ذلك الدوري؟ نوعية الخصوم؟ إلخ. (2)

 

الأمر أكثر تعقيدا من ذي قبل، عندما كان لدى البعض إجابات سهلة، فالمدافع الأفضل قبل سنوات كان المدافع القوي، الطويل، الذي يملك أعلى معدلات التدخُّل والاعتراض، لكن مع التطور التكتيكي الذي شهدته اللعبة مؤخرا أصبح الجميع مهووسا بمحاولة محو المشهد ابتداء، ومنع تطور الأمر لتدخل المدافع من الأساس عن طريق وأد الهجمات في مهدها، قبل أن تتبلور إلى تهديد حقيقي، لأن الفاصل بين رؤية كريستيانو رونالدو في وضعية 1 على 1 ضد مدافعك من عدمها هو في العادة مجرد تمريرة.

بوجود الوقت والمساحة الكافية، يمكن لمدافع متوسط المستوى أن يضع مهاجم فريقه منفردا بحارس الخصم بمجرد تمريرة، وهنا كان التحدي، كيف يمكن إيقاف شيء بدائي مثل التمرير؟ يبدو الأمر مجنونا، لكنها الحقيقة التي وجدنا أنفسنا أمامها بسطوع شمس بيب غوارديولا واستخدامه لما يُعرف حاليا بالضغط العالي والضغط المضاد، وهو محاولة قطع الكرة فور خسارتها في أسرع وقت ممكن في مناطق الخصم من أجل قتل الهجمات قبل بدايتها وحماية مدافعيه، ولأن في ذلك احتمالات تسجيل مضاعفة، يتطلب الأمر تضييق الملعب قدر المُستطاع على الخصم لخنقه، ما يعني أن الفريق عليه أن يضغط بكل خطوطه للأمام وحدةً واحدة، وتباعا سوف يترك خلفه طواعية مساحات شاسعة مستفيدا من قانون التسلل. مخاطرة؟ اتفقنا سابقا أن الأمر برمّته جنوني. (3)

 

صحيح أن بيب نجح نجاحا ساحقا بأفكاره، لكنه عانى كثيرا في المقابل وتحديدا في دوري الأبطال، خاصة مع ظهور النماذج المضادة التي استطاعت تطوير أدوات وحلول لمواجهة تلك الأفكار، وعمل نماذج مضادة ناجحة، فالخصم إذا استطاع التغلُّب على الضغط وتدرَّج بالكرة بنجاح، أو كسر سلسلة الاستحواذ بطريقة أو بأخرى، فسيجد نفسا منفردا مبكرا بمدافعين متقدمين عن مرماهم بمسافة 40 مترا، ومن هنا تبدأ المعاناة، لأن ذلك النوع من الكرة يُفرد العملية الدفاعية ويجعل نجاحها من عدمه قائما كُليا على كفاءة المدافعين الفردية في التعامل مع تلك المواقف، وهو ما يُفسِّر إنفاق بيب غوارديولا على تدعيم خط الدفاع أكثر من غيره في فترته مع السيتي -قرابة نصف مليار يورو-، والغريب أن مُعدلات الاستثمار في المدافعين لا تتناسب إطلاقا مع مُعدلات نجاحهم، وهو ما يقودنا إلى التساؤل ما إذا بات غوارديولا الرجل الذي نسي كيف يُدافع أم الرجل الذي يُدرِّب مَن هم دونه كفاءة وجنونا؟ (4)

قدَّم غوارديولا بما لا يدع مجالا للشك طوال مسيرته أدلة براءة على تُهمة هشاشته الدفاعية، لأن أرقام فِرَقه الدفاعية كانت تنتمي دائما إلى النُّخبة. بنهاية موسمه الثاني في برشلونة حقّق بيب أفضل سجل دفاعي في تاريخ النادي، قبل أن يعود في موسمه الثالث ويكسر ذلك السجل، ربما حصول فيكتور فالديز معه على جائزة زامورا 4 مرات متتالية يُخبرك بالقصة كلها، الأمر ذاته تكرّر في بايرن ومان سيتي حقّق بيب معهم أفضل سجلات دفاعية في تاريخهم، إضافة إلى مساهماته العريضة في التطور المستمر للأفكار والنماذج الدفاعية، يُعتبر غوارديولا أحد أكبر المُلهمين للجيل الجديد من المدربين فيما يتعلّق بكيفية الدفاع ابتداء وكيفية الدفاع ضد لعبة التحوُّلات، نظرا لكمية الحلول التي أنتجها خلال مسيرته للتعامل مع تلك الوضعيات ومراحل اللعب المختلفة. (5) (6)

 

التساؤل الآخر؛ هل يُدرِّب غوارديولا مَن هم دونه كفاءة وذكاء وجنونا؟ والإجابة الأقرب عن هذا السؤال ربما تكون؛ نعم! لم يُغيِّر مُدرب معالم كرة القدم الحديثة بقدر ما غيَّر بيب، وبالعودة إلى آخر لحظات السعادة التامة التي عاشها غوارديولا وتحديدا مع برشلونة حيث نجح في فرض هيمنته على العالم، سنجد أن الرجل لم يكن العبقري الوحيد في الغرفة، بل كانت غُرفة مليئة بالعباقرة واللاعبين الذين أدرك التاريخ فيما بعد أنهم لا يأتون في العُمر إلا مرة، لسوء حظه لم يجد شيئا مماثلا في بايرن أو مان سيتي، ربما كان هناك بعض العباقرة مثل مولر وفيليب لام ودافيد سيلفا ودي بروين، لكن بيب لم يجد مراده بوفرة جنة برشلونة نفسها.

 

يساعدنا كل ذلك في فهم لماذا يشتري بيب دائما أغلى من غيره؟ لأن الرجل ببساطة يبحث عن النُّخبة التي تستطيع فهمه ومُجاراة تطرُّف أفكاره ومُعدلات جنونه، يساعدنا ذلك في فهم لماذا لا يمكن لبيب النجاح بمشروع صغير مُستقبلا، لأنه ببساطة لن يجد النوعية التي تُجاريه كفاءة وذكاء، لن يجد اللاعب الذي يتصل به ليلة الكلاسيكو ليخبره أن عليه أن يأتي إلى مكتبه في الحال، ومن ثم يطلب منه نسيان كل ما تدرب عليه طوال الأسبوع لأنه يريده أن يلعب مُهاجما وهميا بدون إعداد سابق، ليُسجِّل هدفين ويصنع الثالث. (7)

كل ذلك يجب أن يقودنا إلى الجانب السيكولوجي؛ بالعودة إلى الوضع في مانشستر سيتي، لا يخفى على أحد الهشاشة التي يُظهِرها الفريق باستمرار في اللحظات الحاسمة، مان سيتي هو الفريق الكبير الوحيد الذي يكون أقرب للهزيمة منه إلى الفوز عند تأخُّره في النتيجة في المواعيد الكُبرى، والهشاشة الذهنية التي يُظهِرها الفريق ربما يكون تفسيرها هو شعور اللاعبين بالدونية تجاه مدربهم، وأنهم أقل منه كفاءة وشأنا، وبالتالي عند أي إخفاق يصل إليهم توكيد ذاتي بأنهم المذنبون والمسؤولون عن ذلك، ليتطور الأمر فيما بعد لعُقدة الذنب، يُشبه الأمر عندما تعمل مساعدا لأينشتاين، ويحدث خلل في عملية ما، بالطبع لن تشك للحظة أن الخطأ ربما يكون من العالم الجليل بل منك، وعندما يتكفل السيد أينشتاين بحل المعضلة في كل مرة سيترسخ عندك الشعور بالدونية، وستفقد ذاتك وقدرتك على إنتاج الحلول، لأنك دائما تنتظر الحل منه.

 

فشل مانشستر سيتي في ضم كاليدو كوليبالي (نابولي)، ومن ثم استبعد النادي خيارات خوسيه خيمينيز (أتليتكو مدريد) وخوليس كوندي (إشبيلية) نظرا لمُغالاة أنديتهم، حتى انتهى به المطاف للتعاقد مع قائد بنفيكا السابق ومُدافع منتخب البُرتغال الأول -صاحب الـ 23 عاما- بـ 70 مليون يورو، ليُصبح رابع أغلى مدافع في تاريخ اللعبة. يحظى روبن دياش بسُمعة جيدة في البُرتغال؛ مُدافع قوي، طويل، ذكي في قراءة مجريات اللعب، مُمرر جيد، لديه حس تمركزي عالٍ، والأهم أنه قائد بالفطرة، مواصفات تبدو عصرية على الورق، لكن يُستحسن أن نقترب قليلا. (8)

"من السهل وصفه على المُستوى التقني، هو قاطع كرات (Stopper)، هو الشرطي السيئ الذي يعترض الخصوم، أراه مدافعا متكاملا دائما. دفاعيا؛ يُجيد الدفاع ضد الكرات الطويلة والقصيرة، وحش في الصراعات، ولديه حس توقع عالٍ، هو اللاعب الذي يبحث عنه مان سيتي، أحد الأشياء التي أستطيع تأكيدها عن روبن هو أنه مستعد جدا للتعامل مع الوضعيات التي يعيشها مدافعو السيتي، لأنه اعتاد على تلك الوضعيات مع بنفيكا، ليس فقط مع الفريق الأول ولكن مع الشباب أيضا، دائما ما كان مكشوفا والمخاطر عالية جدا. بينما هجوميا يتحسَّن باستمرار، هو مُمرر من المستوى الأول حاليا، تحسَّن كثيرا منذ بداياته، وأعتقد أنه سيستمر في النمو في مان سيتي". (9)

 

كانت تلك كلمات جواو ترالهاو مُدرب شباب بنفيكا السابق، بينما يرى روي فيتوريا مدرب بنفيكا السابق -الذي صعّد دياش للفريق الأول- أن المُدافع يجب أن يكون عدوانيا، ولديه حس قتالي ملموس، يجب أن يجعل وجوده محسوسا. يعتقد فيتوريا أن المُدافع الذي لا يصعد لمواجهة خصمه بين الحين والآخر ليس مُدافعا حقيقيا، ويرى روي أن روبن لديه تلك النزعة التنافسية. صحيح أنه يتجاوز الحدود أحيانا، ولكن هذا جزء من وظيفته. إذن على المُستوى التقني فإن مانشستر سيتي قد أضاف الكثير من الكفاءة الفردية لدفاعه المُترهل، يستطيع بيب الآن إشراك مدافع لديه شيء من التكامل، بعدما كان يعيش على نقائص ستونز وأوتاميندي.

"أول شيء يجب أن تعرفه عن دياش هو شخصيته. هو مميز لأنه مقاتل وصاحب شخصية قوية، إنه قائد بالفطرة ويحب دائما قيادة كل شيء. يحب الفوز في كل مرة حتى في التدريبات. هو مُتطلِّب جدا من نفسه ولديه رغبة جامحة للتعلُّم، هو ذلك النوع من اللاعبين الذي يتجاوزون أخطاءهم ولا يقفون عندها طويلا، تحكُّمه العاطفي ينتمي للنُّخبة، وأنا أعتقد أن أحد أكثر الأشياء التي أثارت إعجاب كشافين السيتي هي شخصيته، عندما يتأقلم سوف يدفع زملاءه نحو معاييره، يمكنني أن أتخيَّل مدى تحمُّسه لفرض أسلوبه هناك".

(جواو ترالهاو) (10)

ولمَن لا يعلم، فإن رد الفعل تجاه الأخطاء وكيفية التعامل معها من الأمور التي يُدقِّق فيها غوارديولا وطاقمه حقا. فقد توصَّلوا بمرور الوقت إلى استنتاج مفاده أن اللاعبين الكبار هم القادرون على "تجرُّع السم" والمُضي قُدُما كما لو لم يحدث شيء على الإطلاق، لابورت يمتلك تلك القدرة، في حين أنهم كانوا قلقين بشأن ستونز لأنه يقف كثيرا عند أخطائه ويسمح لها بالتأثير على أدائه.

 

بشكل عام، يتفق هيلدر كريستوفاو (مُدرب دياش في رديف بنفيكا) مع جواو ترالهاو، إذ يعتقد أنه لن يمر الكثير من الوقت حتى يفرض روبن دياش نفسه قائدا للخط الخلفي، لأنها طبيعته، يعتقد كريستوفاو أن بمجرد وصوله سيكون هو مَن يقود خط الدفاع، لن ينتظر شخصا آخر للقيام بذلك، سيتحمل المسؤولية بنفسه، وسيخبر الجميع بما عليهم القيام به، لأنه لا يتوقف عن الكلام والتوجيه طوال الوقت، للدرجة التي جعلت الكثير من مدربيه السابقين يخبرونه بتخفيف حِدَّة ذلك لكي لا يُؤثِّر على قرارات زُملائه.

بالنظر إلى آراء التقنيين، يبدو أن غوارديولا قد حصل على مبتغاه في مُدافعه الجديد شكلا وموضوعا، وتحديدا فيما يتعلَّق بقوة الشخصية، والصلابة الذهنية، ومهارات القيادة، وهي أمور يحتاج إليها مانشستر سيتي بشدة في ظل الهشاشة الذهنية ولحظات انعدام اليقين التي تنتاب الفريق في اللحظات الحرجة والمواقف الكبرى، خاصة بعد رحيل فينسينت كومباني، الرجل الذي كان يُعوِّل عليه بيب كثيرا في ذلك الشق، صحيح أن دياش لم يكن خيار بيب الأول ولا الثاني ولا الثالث، وعمليا لا يوجد ما يُثبت أن الخيار الأول دائما كان الخيار الأنسب، محمد صلاح لم يكن خيار كلوب الأول، لكن الآن بعد 4 سنوات رُبما يخبرك كلوب بأنه يتمنى لو أن كل الصفقات محمد صلاح. لم يحصل بيب على كوليبالي، لكن ربما يكون دياش اختيار القدر له في رحلة بحثه الدؤوب عن السعادة مرة أخرى. لن يكون دياش حلا لكل مشكلات مانشستر سيتي، لكنه محاولة للتأقلم مع متغيرات اللعبة التي ساهم بيب نفسه في إحداثها، وبقدر تأقلم بيب مع تلك المتغيرات، بقدر ارتفاع فُرصه في السعادة.

__________________________________________

المصادر

  1.  أرقام السيتي الدفاعية الموسم الماضي
  2.  وحدات قياس أداء المدافعين
  3. كيف حوَّل غوارديولا برشلونة إلى أستاذة الضغط
  4. إنفاقات مانشستر سيتي على خط الدفاع
  5. أرقام بيب الدفاعية خلال مسيرته
  6. فيكتور فالديز سيد جائزة زامورا
  7. اتصال بيب غوارديولا الذي غيَّر مسيرة ليونيل ميسي
  8. محاولات السيتي لضم عدة مدافعين قبل روبن دياش
  9.  تصريحات جواو ترالهاو مُدرب شباب بنفيكا السابق عن روبن دياش
  10. المصدر السابق.

حول هذه القصة

تعلمنا أن تعثر الخطى ليس كارثة طالما بحثت عن السبب ونهضت مجددًا، والعودة للوراء بضع خطوات من أجل الانطلاق ثانية هي الشجاعة بعينها. وكارلو أنشيلوتي يعرف ذلك جيدًا، لذلك قرر بدء حكاية جديدة في إيفرتون. 

14/10/2020
المزيد من مقالة
الأكثر قراءة