حبيب نور محمدوف.. أن تخسر والدك فتصبح بطولة العالم بلا معنى!

"لا تنتظر خصْمًا أقل شجاعة

وارفع جبينك مثلما عودتنا"

(قمرٌ جنوبي – أحمد بخيت)

للمرة التاسعة والعشرين ينتصر البطل الداغستاني المسلم حبيب نور محمدوف في بطولة "يو إف سي" (UFC) للفنون القتالية، التي هي أقل رياضات الفنون القتالية من حيث قوانين السلامة. يدخل شخصان إلى الحلبة المُثمَّنة (ثمانية الأركان) ولا يخرجون منها حتى يقضي أحدهم على الآخر، سواء بلكمة تكون كفيلة بإسقاطه أرضا، أو بإخضاعه كخنقه حتى الاستسلام أو فقدان الوعي، وفقدان الوعي كانت هي الطريقة التي انهزم بها غاستن غيتشي المقاتل الذي تحدى حبيب على لقب بطولة العالم في الوزن الخفيف مساء سبت 24 أكتوبر/تشرين الأول بمدينة أبو ظبي، ليصل حبيب إلى فوزه التاسع والعشرين في سجله الذي لا يحتوي على خسارة واحدة.

 

يترك حبيب خصمه مغشيا عليه ثم ينزل على ركبتيه، تظن أنه سيخر ساجدا كعادته بعد كل فوز، ولكن هذه المرة ينهمر في البكاء على والده ومدربه في الوقت نفسه، الذي توفي في مايو/أيار الماضي بعد تدهور حالته الصحية بسبب إصابته بفيروس كورونا، يواري حبيب دموعه عن عيون الكاميرات فيفضحه جسده الذي يتشنج من شدة البكاء، ولأن تلك الرياضة هي الأعنف في العالم فإن نزيف الدماء فيها من الأشياء العادية، قد تجد لاعبا ينزف من عينيه ومن أنفه خلال المباراة دون أن يُعير ذلك اهتمامه، لكن نزيف الدموع أمر مختلف هذه المرة، في كل مبارياته كان حبيب يذهب إلى والده ومدربه في هذا الوقت ليعانقه بعد الفوز، أما هذه المرة فيقف حبيب ويمزق قفازيه أثناء إعلان تتويجه بطلا للعالم في إشارة إلى اعتزاله: "اليوم هو آخر يوم لي في هذه اللعبة، لن أستطيع أن أفعل ذلك مجددا من دون أبي!". (1)

 

 

كانت علاقة حبيب بوالده عبد المناب نور محمدوف المدرب العسكري الداغستاني السابق علاقة استثنائية بين أبٍ وابنه، فلم يكن حبيب كما صرّح في إحدى المرات ليصبح بطلا للعالم إلا بفضل وجود هذا الأب في حياته، فمنذ طفولة حبيب كان والده عبد المناب قد لاحظ أن ابنه يمتلك نشاطا زائدا بعض الشيء، يسأله المراسل ذات مرة: "ماذا كنت تفعل حينما تريد معاقبته؟"، فيرد عبد المناب: "كان حبيب في كل مرة يرتكب فيها خطأ يُوجِب العقاب، يسرع بالجري نحو جدته ويعترف لها بكل ما فعل، ودائما كانت تدافع عنه وينجو بفعلته"، قرّر عبد المناب أن يتعامل مع نشاط ولده الزائد باعتباره ميزة بإمكانه الاستفادة منها، فقرّر منذ نعومة أظافره بالبدء في تعريضه إلى التدريبات القتالية الشاقة، حتى إنه في إحدى المرات أحضر له دُبًّا بريًّا لمصارعته والتدرُّب على إسقاطه أرضا. (2)

(بطل العالم في مسابقة الفنون القتالية حبيب نور محمدوف يصارع دبًا في طفولته)

 

بدأ اهتمام حبيب بالألعاب القتالية من سن السادسة نتيجة مشاهدته للطلاب الذين يتدربون على الفنون القتالية بصالة الألعاب الرياضية التي أنشأها والده في الطابق الأرضي من بيتهم المكوّن من طابقين، وبدأ حبيب رحلته في التدريب على المصارعة حتى سن الخامسة عشرة، ثم إلى لعبة الجودو حتى السابعة عشرة، ثم إلى لعبة السامبو القتالية، وحسب حبيب فقد كان الانتقال من كل لعبة إلى أخرى أمرا صعبا، لكن والده أراد منه أن يعتاد جميع أنواع القتال. (3)

 

ظهر حبيب للمرة الأولى في "MMA" لعبة فنون القتال المختلطة في سبتمبر/أيلول 2008، ولفت الأنظار بعد أن حصد أربعة انتصارات في أقل من شهر حتى أصبح بطلا لكأس "أتريوم" (Atrium) في سبتمبر/أيلول من العام نفسه بعد أن هزم خصومه الثلاثة، واستمر حبيب في سجله الحافل بالانتصارات حتى انتقاله إلى بطولة القتال النهائية (UFC) للوزن الخفيف، ولم يحدث جديد، فقد استمر حبيب في حصد الانتصارات المتتالية بدون التعرض لهزيمة واحدة حتى بلغ فوزه السادس والعشرين في إبريل/نيسان 2018 على خصمه آل ياكوينتا بقرار الحكام بعد انتهاء جولات المباراة الخمسة، ثم فاز مدافعا عن لقبه ضد كونور ماكغريغور البطل الأيرلندي ذي الشعبية الكبيرة، الذي كان قد أبدى عدم احترامه لحبيب وعائلته في لاس فيجاس قبل المباراة التي جمعتهم بأيام، وخرج حبيب قبلها على جمهور لاس فيجاس الداعم أغلبه لماكغريغور قائلا:

 

"الحمد لله، أعرف أن هذه الكلمة لا تعجبكم، وغدا سوف أحطم وجه صبيّكم"، وبالفعل قام حبيب بتمزيق ماكغريغور خلال ثلاث جولات قبل الانتصار عليه في الجولة الرابعة عن طريق الإخضاع ليُسجِّل فوزه السابع والعشرين دون هزيمة، ثم فوزه الثامن والعشرين مدافعا عن لقبه مرة أخرى في سبتمبر/أيلول 2019 بأبو ظبي أمام داستن بويرير في ثلاث جولات فقط بالإخضاع، ويحتفل كعادته في أحضان والده ومدربه، ثم فوزه التاسع والعشرين في 24 أكتوبر/تشرين الأول أمام جايستن غيتشي خلال جولتين فقط بالإخضاع أيضا، وبعد فوزه بكى حبيب بكاءه الحار الذي سجّلته الكاميرات والعيون ممزقا قفازه أثناء تتويجه بطلا للعالم قائلا: "لأول مرة آتي إلى هنا من دون والدي، لقد تحدث مع أمي طيلة الأيام الثلاثة الماضية وقالت لي لا يجب أن تلعب بدون والدك، وأنا وعدتها أن تلك المرة هي الأخيرة، وإذا وعدت فيجب أن أفي". (4)

 

وكان من المرتقب لحبيب ألّا يعتزل قبل بلوغه الفوز الـ 30:0، ولكن جاء الاعتزال في هذا التوقيت وفاء لوالدته وتعبيرا منه عن أن كل ما يمكن أن يُحقّقه في غياب والده لا يساوي شيئا، فحبيب هو الذي وقف قبل عام من وفاة والده أمام الكاميرات والمراسلين طالبا منهم أن يسألوه عن والده: "دعونا نتكلم عن والدي، أنا أحب الحديث عنه، ليس لديكم فكرة يا رفاق كم أحب والدي".

"حبيب نور محمدوف" (يمينا) مع والده "عبد المناب نور محمدوف"

 

أحد أكثر الأسئلة اللافتة عند إدراك حجم الشعبية التي تحظى بها الفنون القتالية، وافتتان الناس بمبارياتها التي تسيل فيها الدماء، هو التفكير في طبيعة العنف عند البشر، وما إذا كان الإنسان لديه ميل فطري للعنف، ورغم أن الإجابة العلمية والفلسفية عن هذا السؤال ليست بسيطة ولا مباشرة، فإن كثيرا من العلماء يميلون إلى وجود نزعات وغرائز العنف في مختلف الأجناس الحية من أجل الحفاظ على النوع وحماية الموارد الخاصة (5)، منهم الباحث ديفيد كاريير الذي شارك في دراسة نُشرت في مجلة "إكسبيريمنتال بيولوجي" تقترح أن فنون القتال كانت سببا في عملية تطور اليد البشرية، يقول كاريير عن فكرة وجود الميول العدوانية عند البشر:

"أعتقد أن ثمة معارضة كبيرة لهذه الفكرة، خاصة بين الأكاديميين، ففي مرحلة معينة، يعتقد البعض أن البشر في الأصل بطبيعتهم كائنات عدوانية، وأنا شخصيا أفكر بهذه النهج، أما من يحاولون أن يُثبتوا لنا أنه ليست لنا طبيعة معينة، فهم في الحقيقة لا يساعدون في الوصول إلى نتيجة، أعتقد أننا سنكون أفضل حالا إذا ما واجهنا الحقيقة، وهي أننا نحمل بين جوانحنا تلك المشاعر، التي توجهنا في بعض الأحيان نحو التصرف بطريقة عنيفة. وأعتقد أننا إذا ما اعترفنا بذلك، فسنكون أكثر قدرة على منع العنف في المستقبل".

لذلك ربما يمكننا فهم تهافت الناس لمشاهدة الألعاب القتالية بوصفها نوعا من التنفيس الآمن عن غرائز العنف المتأصّلة التي هذّبتها الحضارة، فنحن نعيش الآن في مجتمعات متحضّرة تنظر إلى العنف بازدراء كبير، لذلك قد يجد مَن يشعر في نفسه ميلا إلى العنف في الألعاب القتالية تجربة لا مثيل لها في تحرير هذه المشاعر بطريقة آمنة، إذ تعمل فنون القتال على حصار هذا العنف داخل قفص من ثمانية أركان، فلا يكون العنف مسموحا إلا بداخله فقط.

وقد يرى صاحب أي نظرة عابرة في هذا النوع من الألعاب العنيفة مدى وحشيتها وبربريتها وعشوائيتها، لكن تحت هذا السطح، هناك آليات ومهارات معقدة تساهم في تفوُّق طرف ما على الآخر دون أن يكون هذا التفوُّق مبنيا فقط على القوة الجسدية الأولية، وخلف كل انتصار هناك آلاف الساعات من التدريب والتعلُّم والحمية الغذائية وإستراتيجيات كثيرة، وأمام تلك الصفات فإن ما يحدث هو شيء معقد وفنّي إلى حدٍّ كبير. (6)

 

وخلف هذا الاعتبار فإننا يمكننا أن نرى مدى قدرة حبيب نور محمدوف الفنية الخالصة في هذه اللعبة، فكما قلنا سابقا إن أكثر مشهد في مشاهد تلك اللعبة شهرة هو مشهد الدماء وتورُّم الوجه وزرقته نتيجة الضرب المبرح، فإنه في المقابل من النادر جدا أن تجد صورة واحدة للبطل الداغستاني حبيب نور محمدوف تعلو وجهه الدماء أو مُتورِّم الوجنتين، بل في كثير من المباريات يقف حبيب عند إعلان فوزه كمَن خرج للتو من حمامه قبل أن يرتدى ملابسه ذاهبا إلى مقابلة عمل ما، وليس كمَن أنهى للتو نزاله في نهائي بطولة العالم.

 

قدرات حبيب القتالية ومهاراته في الضغط على الخصم ومراوغته وتلقّي أقل قدر ممكن من الضربات هي مهارات استثنائية وفائقة للغاية، رغم أن الكثيرين توقّعوا أن يفقد حبيب قدرته على الثبات والتركيز بهذا المستوى في أول مباراة له بعد وفاة والده، وهذا لأن صفاء الذهن هو أهم أدوات المقاتل في تلك اللعبة ورأس ماله، ولكن حبيب برهن في تلك المرة أيضا على أن قدراته أبعد بمراحل كثيرة عن أي خصم مُحتمَل في لعبة الفنون القتالية كلها، قبل أن يُوجِّه رسالته الأخيرة:(7)

 "أعرف شيئا واحدا أريده من "UFC"، الثلاثاء، عليكم أن تضعوني على لائحة أفضل مقاتل خفيف الوزن في تاريخها لأنني أستحق هذا".

_____________________________________________________

المصادر

  1. Khabib Nurmagomedov enters conversation of MMA’s greatest of all time after UFC 254 win and retirement
  2. Khabib Nurmagomedov Historipedia
  3. المصدر السابق
  4. Khabib Nurmagomedov pays tribute to father after emotional UFC 254 win
  5. Are Human Beings Naturally Violent And Warlike?
  6. Why do people like watching or even participating in MMA when it is so brutal and animalistic?
  7. Khabib Nurmagomedov Announces Retirement | UFC 254

حول هذه القصة

بالطبع لم نأتِ لنخبرك أن بارتي سيُعوِّض فييرا في أرسنال، ولكنه خطوة ضخمة للغاية على الطريق الصحيح، والأهم أن صفقة كتلك تعني الكثير لأرسنال في سوق الانتقالات على مستوى المكانة بين عمالقة القارة.

1/11/2020
المزيد من مقالة
الأكثر قراءة