في ذكرى سقوطه.. كيف غيّر جدار برلين كرة القدم الألمانية بلا رجعة؟

تبدأ الحكاية مع نهاية الحرب العالمية الثانية، وتحديدا في اللحظة التي وقَّع فيها المارشال فيلهيلم كايتل على وثيقة استسلام ألمانيا في 8 (مايو/أيار) لعام 1945، الاستسلام الذي أنهى ألمانيا النازية وعهد هتلر تماما وترك البلاد غنيمة في أيدي الحلفاء، وعليه فلم يمضِ وقت حتى قُسِّمت ألمانيا بينهم تعويضا عن خسائر الحرب، وعندها بدأ عهد جديد لألمانيا، عهد ألمانيا المقسمة.(1)

 

قضى التقسيم بخضوع الجزء الشرقي لسيطرة الاتحاد السوفيتي، بينما يكون الجزء الغربي تحت سيطرة مشتركة من فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة الأميركية، كما قُسِّمت العاصمة برلين إلى نصف شرقي ونصف غربي رغم وقوعها في الجزء التابع للاتحاد السوفيتي.

 

فيما بعد تحوَّل الجزء الشرقي إلى ما عُرف بجمهورية ألمانيا الديمقراطية أو ألمانيا الشرقية، والجزء الغربي إلى جمهورية ألمانيا الاتحادية أو ألمانيا الغربية، وبذلك فإن ألمانيا باتت جزءا مهما في الصراع العالمي بين المعسكر الشيوعي الذي يتزعمه الاتحاد السوفيتي والمعسكر الرأسمالي وعلى رأسه الولايات المتحدة الأميركية، وباتت برلين ركنا أساسيا في عمليات الحرب الباردة وبؤرة للصراع بين قطبَيْ الحرب، مما أوجب الكثير من التوجس بين الطرفين.

 

في أعقاب التقسيم، بدأت تتشكّل أوضاع جديدة في كلتا الدولتين، في الجانب الغربي نجحت سياسات الرأسمالية في تحسين الأوضاع قليلا، مع الاستثمارات والسوق المفتوحة وجد الكثيرون فرصا للحياة ومجالا لتعمير ألمانيا ما بعد الحرب، بينما على بُعد خطوات كانت الشيوعية تفرض سيطرتها على كل شيء، أُمِّمت الممتلكات الخاصة، وامتلكت الدولة مُمثَّلة في الحزب الاشتراكي الحاكم كل وسائل الإنتاج والموارد، وهو ما زاد الأوضاع المعيشية صعوبة وترك البلاد تعاني الفقر وآثار الحرب.

 

مع التباين الشديد في مظاهر الحياة وفرص العمل بين الدولتين فإن عملية هجرة كبيرة قد بدأت في أعقاب الانفصال، وخرج سكان الشرق باحثين عن فرص الحياة في ألمانيا الغربية، يُرجِّح المؤرخون أن نحو 3 ملايين من سكان ألمانيا الشرقية كانوا قد هربوا إلى الغرب حتى عام 1961، من بينهم أمهر العمال والفنيين، وفي شهر (يوليو/تموز) 1961 وحده هرب أكثر من 30.000 إلى الغرب، وازداد العدد في شهر أغسطس/آب إلى 40.000، وهو ما أثار غضب الحكومة الشيوعية في ألمانيا الشرقية ودفعها إلى تجريم السفر بين الدولتين، وقرّرت حينئذ بناء سور خرساني دائم بلغ طوله 137 كم يفصل بين الجزء الشرقي والغربي للمدينة، فيما عُرف بجدار برلين.(2)(3)

جدار برلينكان هذا هو الحد الذي فصل ألمانيا الشرقية عن أختها الغربية للأبد، عدة خطوات فقط كانت فاصلة، وتُرك الملايين يعانون خلف الجدار، ولم يمانع أحد بناء هذا الجدار، لأنه على حد تعبير جون كينيدي رئيس الولايات المتحدة حينها، فإن الجدار كان جحيما لكنه أفضل من حرب عالمية جديدة.

 

عاش الجدار 30 عاما كاملا شاهدا على فروق مهولة بين سكان الألمانيتين، وقد مضى الوقت وهُدم الجدار لكن تأثيره ما زال باقيا، آثار اقتصادية وسياسية ومجتمعية ما زالت موجودة، وما يهمنا بشكل خاص أنه شَكَّلَ وجه كرة القدم الألمانية التي نعرفها حتى الآن.

 

على عادة الأنظمة الشيوعية، فإن الرياضة لا تشغل حيزا مهما من اهتمام الدولة، ولا يُنظر إليها إلا عندما ترغب الدولة والنظام الحاكم في استخدامها لمصالحهم، وكان هذا هو المحرك الفعلي والدافع الأكبر في إدارة الرياضة في ألمانيا الشرقية.

 

في البداية لم تكن كرة القدم محطّ اهتمام النظام الشيوعي في ألمانيا الشرقية، فقد كان الاهتمام موجها نحو الرياضات الفردية مثل السباحة والتجديف باعتبارها قادرة على جلب ميداليات أولمبية بشكل أكبر، لأنه طبقا لشيلدون أندرسون، الباحث التاريخي المختص، فإن حزب الوحدة الاشتراكي الألماني كان يؤمن أن عدد الميداليات التي ستفوز بها البلاد في الأولمبياد والبطولات الدولية الأخرى هي الطريقة الأكثر فعالية من حيث التكلفة لعرض نظامهم الاشتراكي، خاصة بالمقارنة مع ألمانيا الغربية، حيث سيكون عدد الميداليات مقياسا موضوعيا لقوة النظامين، لذلك كان الاهتمام ودعم المواهب مُوجَّها للألعاب الأولمبية بشكل أساسي.(4)

 

لكن رغم صرف أنظار الجميع عن كرة القدم وإهمالها تماما فإن شغف أفراد الشعب بها لم ينتهِ، وتصاعد اهتمامهم بمتابعتها خصوصا مع وصول منتخب ألمانيا الغربية إلى نهائيات كأس العالم 1954، اجتمع الشرقيون حينها لمتابعة المباريات بحماس واهتمام، والتف الجميع حول تشجيع المنتخب الألماني الغربي الذي حقّق البطولة حينها، وهو ما لم يرق للحكومة الشيوعية، وقرّروا استغلال اهتمام الجميع باللعبة الشعبية الأولى لمصلحة الدولة والنظام الحاكم، واقتنعوا بأهميتها في منح ألمانيا الشرقية اعترافا دبلوماسيا من العديد من دول أوروبا، وقدرتها على التسويق للنظام الشيوعي في البطولات والمحافل الأوروبية.(5)

على المستوى الفني امتلكت ألمانيا الشرقية العديد من اللاعبين والفِرَق البارزة، وحقّقت نتائج طيبة على مستوى منتخبات الشباب وكذلك المنتخب الأول الذي كان فوزه على غريمه الغربي في بطولة كأس العالم 1974 حدثا رائعا للنظام هناك، كذلك كانت مشاركات الفِرَق الشرقية في أوروبا مقبولة، وإن لم تكن على القدر المطلوب، لكن الظروف الداخلية لم تكن أفضل ما يمكن ولم تساعد على تقديم مستويات أفضل.(6)(7)

كانت كرة القدم داخل ألمانيا الشرقية تُعاني من عدة ظواهر شكَّلت واقعها في تلك الفترة، أهمها كان المستوى العالي من التدخُّل السياسي في اللعبة، لأنها لم تكن مجرد لعبة في منظور الحكومة، بل على حد تعبير وزير الرياضة آنذاك مانفريد إيوالد فالرياضة لم تكن مجرد لعبة أو تسلية خاصة، إنما تعليم اجتماعي ووطني، حيث كان اللاعبون يُلقَّنون الأيديولوجية الاشتراكية وتُغرَس صورة اشتراكي صديق – رأسمالي عدو في أذهانهم، وطبقا لمارك دينيس، الباحث بجامعة ولفرهامبتون، فإن المدرب كان يتحدث مع لاعبيه كما يتحدث الضباط مع جنودهم وليس كمدرب إطلاقا.(8)(9)

 

عانت الأندية أيضا من إعادة تسميتها ونقلها من مدينة لأخرى بشكل متكرر ومُربك، وبيع اللاعبين إلى فِرَق ضد رغباتهم، والصراع المستمر بين السلطات المركزية للسيطرة على كرة القدم، كذلك انشقاق كبار اللاعبين إلى الغرب الذي مَثَّلَ مشكلة مزمنة للنظام، وأخيرا وهو الأهم جهاز أمن الدولة أو ما يُعرف بـ "ستاسي".

 

ربما كان هذا عنوان هذه الحقبة الأبرز ومشكلتها الأهم، ستاسي هو أحد أهم أجهزة الشرطة السرية والاستخبارات على مدار التاريخ، وكان هو الكيان الأهم وصاحب السطوة الأكبر داخل ألمانيا الشرقية، وعلى رأس هذا الجهاز كان إريك ميلكه الرجل المهووس بالسيطرة والتحكم والمحب لكرة القدم في الوقت نفسه.(10)

 

تحت راية ستاسي تأسَّس نادي دينامو برلين، الاسم الشهير لعدة أندية تحت الحكم الشيوعي (دينامو زغرب، دينامو موسكو، دينامو كييف)، ولم يرغب ميلكه في امتلاك نادي كرة قدم فقط، بل عزم على جعله النادي الأول في ألمانيا، وبالفعل جلب ميلكه لهذا النادي أفضل اللاعبين والمدربين من كل أنحاء البلاد، ولم يجد في ذلك صعوبة لأنه لا أحد يرفض طلب ستاسي. (11)

دينامو برلين

لم يكتفِ ميلكه بذلك، بل إنه طبقا لمؤرخ كرة القدم الألمانية الشهير هانز ليكسي، فإن الحكام احتسبوا لدينامو العديد من أهداف التسلل بشكل صارخ، بل وأشهروا البطاقات الصفراء للاعبين المنافسين الرئيسيين (لدينامو برلين) في المباريات السابقة لضمان حرمانهم من اللعب أمام دينامو، كانت الجماهير المنافسة ترفع دوما لافتات "مرحبا بدينامو برلين وحكامه".(12)

 

كانت نتيجة طبيعية لذلك حصول فريق دينامو على 10 بطولات متتالية للدوري منذ موسم 1978 حتى موسم 1987، لكنها ظلّت بطولات مشبوهة في اعتقاد الجميع، وطبقا لمايك دينيس فإن تصدُّر نادي دينامو برلين ممثل ستاسي للمشهد الكروي في ألمانيا الشرقية كان خير عنوان للأوضاع الداخلية حينها.(13)

 

لم يكن دور ستاسي في كرة القدم يتوقف على دعم فريقه فقط، بل إنه كان داخل كل الفِرَق والمنتخبات، وقام بتجنيد العديد من اللاعبين للتجسس على زملائهم، ماتياس سامر نجم ألمانيا الشرقية والحاصل على الكرة الذهبية في عام 1996 صرّح في وقت سابق أنه كان مجندا لحساب ستاسي للتجسس على زملائه خلال وجوده مع نادي دينامو دريسدن أو منتخب ألمانيا الشرقية.(14)

كان على كاهل ستاسي أيضا عبء أكبر في تأمين رحلات الفِرَق والمنتخبات إلى خارج ألمانيا، خوفا من تأثرهم بالأفكار الرأسمالية الموجودة في تلك البلدان، أو فرار أحد اللاعبين إلى الغرب، الهرب المتكرر الذي أرَّق ستاسي كثيرا.

 

لذلك كانت الرحلات تمتلئ بجنود ستاسي الذين يتظاهرون بأنهم مشجعون، لكن كما يقول فالكو جوتس لاعب دينامو برلين السابق عن ذلك: "بعض مرافقينا كانوا في هيئة جماهير، لكنهم أبدا لم يكونوا كذلك، عندما تكون في الطابق الرابع بالفندق وهناك شخصان يجلسان أمام السلم طوال الليل، فعندها ستُدرك أنهما ليسا مشجعين بكل تأكيد"، جوتس تحدث أيضا عن تناولهم للمنشطات دون علمهم ووضعها في العصائر، واكتشافه ذلك بالمصادفة عند توقيع الكشف عليه في إحدى مباريات دوري أبطال أوروبا.

 

مَن هو فالكو جوتز؟ هو أحد اللاعبين الذين فرّوا إلى الغرب في مغامرة طويلة رفقة صديقة ديرك شيليجل، ولعبوا بعد ذلك في باير ليفركوزن وهيرتا برلين وعدة أندية أخرى، وظلّ ستاسي يطاردهم لزمن بعد هربهم لكنهم كانوا محظوظين ولم يلقوا مصيرهم على يديه كما حدث مع لوتس إيجندروف، مَن هو إيجندروف، وما قصته؟ هذه حكاية أخرى قد نحكيها لاحقا.(15)

 

لكن هذا كان المشهد الداخلي لكرة القدم في ألمانيا الشرقية، أضف إلى ذلك أن النوادي كانت ملكا للدولة ومؤسساتها، لذلك كان اللاعبون يُعامَلون كأي موظف، ولم تكن الأجور ملائمة تماما لإمكانيات اللاعبين وقدراتهم، وأشياء مثل عقود الرعاية والاستثمارات الرياضية وسياسة العرض والطلب لم يكن لها وجود في أوساط الشيوعية.

 

على مدار 40 عاما كانت الأوضاع في ألمانيا الشرقية تزداد سوءا على جميع الأصعدة، ضاق الناس ذرعا بسياسات ستاسي الأمنية الخانقة وبالظروف المعيشية التي أجبرتهم عليها الشيوعية، وتزامن ذلك مع بداية تفكيك الاتحاد السوفيتي وفقدانه لأهم حصونه في أوروبا الشرقية، وفي عام 1989 وبعد هرب 50000 مواطن من ألمانيا الشرقية دفعة واحدة إلى النمسا عبر المجر، وكذلك خروج نحو مليون متظاهر يُندِّدون بالنظام الشيوعي وتزايد وتيرة الاحتجاجات يوما بعد يوم، ومع عدم قدرة النظام الشيوعي الضعيف آنذاك على تدارك الأوضاع، خرجت الحكومة لتُعلن أنها ستُعيد فتح الحدود مع ألمانيا الغربية وتسمح بالسفر بشروط يسيرة أملا في تهدئة الأوضاع، لكن لم يجلس أحد من الأصل ليسمع تلك الشروط، ولم يكد الخطاب يكتمل حتى خرج الملايين من الشرقيين نحو السور، ولم يتمكّن الحراس من صدّهم ففتحوا الأبواب، وبدأت الحشود في تكسير السور بما طالته أيديهم، وبذلك فإن سور برلين الذي فصلهم عن العالم طيلة 30 عاما قد انتهى، كان ذلك في 9 نوفمبر/تشرين الأول 1989، وبعدها بعام وحيد اندمج الجانبان، وبدأ عصر جديد لألمانيا، عصر ألمانيا الموحَّدة.(16)(17)

 

بسقوط السور، رأى الملايين من الشرقيين أمامهم فرصا أفضل للحياة، بعد سنوات من التضييق، بات بإمكانهم التنعُّم بالرفاهية التي ينعم بها إخوتهم الغربيون، وظن الشرق بأكمله أن مستقبله، أيًّا كان، سيكون أفضل من ماضيه، ونظرت أندية كرة القدم الشرقية نحو أموال البث التلفزيوني وعقود الرعاية التي يتمتع بها جيرانهم في الغرب، ولم يكن أحد يدري ماذا تُخبِّئ لهم الأيام.

بعد توحيد الألمانيتين بدأ العمل على دمج الشرق مع الغرب، الدمج اقتصاديا ومجتمعيا ورياضيا، ولم يكن ذلك سهلا على الإطلاق، لأن الشرق كان محطما وما زال يُعاني من آثار الحرب، إضافة إلى أن الاتحاد السوفيتي ترك كل البلاد التي كانت تحت إمرته في مواجهة فروق مالية مهولة، ولذلك كانت الهوة الاقتصادية الكبيرة بين البلدين عائقا كبيرا لهذا الدمج.

 

مع إغلاق المصانع التي كانت تحت إمرة الشيوعيين وفقدان الملايين من الشرقيين لوظائفهم فإن الأمور الاقتصادية في الشرق لم تتحسن كثيرا، وبذلك ظل الشرق يُعاني، ولم يرتقِ أبدا لمستوى الغرب حتى الآن رغم مرور نحو 30 عاما على هدم السور، صحيح أنه مؤخرا، ومع اتجاه الحكومات لإعادة تعمير الشرق، بدأت الأمور تتحسّن وباتت ظروف المعيشة أفضل، ويمكن أن يكون الدمج اقتصاديا واجتماعيا قد حدث ولو بشكل ضعيف، لكن في كرة القدم فإن عملية الدمج المزعومة قد فشلت تماما.(18)

 

بعد التوحيد، تَقَرَّرَ أن تندمج الفِرَق من الجانبين في بطولة دوري واحدة، وأن يكون موسم 1990 هو الأخير لدوري كرة القدم الشرقية (أوبرليجا) قبل أن ينضم إلى دوري ألمانيا الغربية (بوندزليجا)، وستتوزّع الفِرَق كالتالي: أول فريقين سينضمان إلى الدوري الممتاز مباشرة، بينما سينتقل أصحاب المراكز من الثالث إلى الثامن إلى دوري الدرجة الثانية، وباقي الفِرَق إلى الدرجة الثالثة، وطريقة التقسيم باعتبارها أولى خطوات الدمج كانت كارثية بالطبع، وكانت لحظة حاسمة وفاصلة في مستقبل أندية الشرق للأبد.(19)

 

كانت ألمانيا الغربية وخصوصا بعد تتويجها بكأس العالم في العام نفسه تتعامل من منطق قوة، لكن طريقة الدمج كانت قاسية وظالمة للغاية، على سبيل المثال اقتضت تلك الطريقة أن ينتقل النادي صاحب أقوى سجل في دوري ألمانيا الشرقية، وهو دينامو برلين، إلى الدرجة الثالثة، والأمر ذاته بالنسبة لماغدبورغ، بطل كأس الكؤوس الأوروبية عام 1974، الذي حصد ثلاثة دوريات شرقية سابقة، وهو ما لم يكن منطقيا أبدا، ومَثَّلَ سببا رئيسيا في فشل الاندماج بالطبع.

 

السبب الثاني كان الفجوة المالية الضخمة بين الجانبين، بمجرد سقوط الجدار وجدت أندية الغرب الفرصة سانحة للحصول على مواهب مميزة بأسعار زهيدة، شهر واحد فقط بعد هدم الجدار كان كافيا لإتمام أول صفقة انتقال لاعب من الشرق إلى الغرب، المهاجم أندرياس توم لاعب دينامو برلين والموهبة الأبرز في ألمانيا الشرقية في ذلك الوقت انتقل إلى ليفركوزن، تبعه أولف كيرستين وماتياس سامر ولاعبون آخرون، وعلى مدار عامين، فرغت أندية الشرق من مواهبها تماما.(20)

أندرياس توم

وقفت أندية الشرق حينئذ تشاهد ذلك صامتة ولم تستطع تغيير أي شيء، لأن الفوارق المادية لم تكن هيّنة، ولم يستطع اللاعبون الصمود أمام مغريات أندية الغرب، كذلك كان من تبعات الحكم الشيوعي أن الشرق كان خاليا من أي مستثمر أو شركة يمكنها الاستثمار في أحد النوادي، إمساك الحكومة بكل جوانب الاقتصاد صنع فراغا عملاقا عقب خروجهم، وبالطبع لم يجازف مستثمرو الغرب بضخ أموالهم في سوق تعاني كهذه، لذلك لم تجد الأندية مَن يساعدها في حل أزماتها المادية، ومنذ ذلك الحين لم يتغير أي شيء وما زالت أندية الشرق تُعاني من الفوارق المادية، ومواهبهم تذهب إلى الغرب في أول فرصة.

 

السبب الثالث كذلك كان افتقار الأندية لكل المهارات الاقتصادية والتسويقية، وطبقا لأوفه روسلر، أحد لاعبي ألمانيا الشرقية السابقين، فإن الأندية كانت تفتقر لأبسط طرق الإدارة الرياضية، ولم تكن هناك أي معلومات عن التسويق الرياضي أو العقود أو أيٍّ من هذه الأمور، لذلك لم تتمكّن من إدارة الأزمة بشكل صحيح، لكن روسلر كذلك طرح سؤالا منطقيا، وهو كيف كان بإمكانهم تعلُّم الإدارة تحت ظل الحكم الشيوعي الذي يُدير كل شيء؟(21)

 

كان الفشل الإداري ظاهرا بشدة، ناي هانزا روستوك بطل الأوبرليجا عام 1990 الذي صعد إلى الدوري الألماني الممتاز هبط بعد موسمه الأول فقط، بينما استمر رفيقه دينامو دريسدن لأربع سنوات، ثم هبط هو الآخر مُثقلا بالديون، وطوال الـ 30 عاما الماضية ظلّت الأندية تنتقل من درجة إلى أدنى ولم يقدر أيٌّ من هذه الفِرَق على العودة من جديد.

 

استمرت الكرة الشرقية في الانحدار، حتى إن تمثيلها في المنتخب الوطني قد تضاءل مع مرور الأعوام، وعلى سبيل المثال فلم يوجد في قائمة ألمانيا الفائزة بكأس العالم 2014 سوى لاعب واحد من أصول شرقية وهو توني كروس نجم ريال مدريد، وهو إحدى المواهب التي التقطها الغرب من الشرق في سن صغيرة، وكذلك خلا الدوري الألماني من أي فريق من الشرق مطلقا منذ ذلك الحين، سوى جولات قصيرة لبعض الأندية لم تستمر طويلا، واستمر ذلك حتى 2017 حين صعد لايبزيج وتبعه يونيون برلين وأعادوا أندية الشرق إلى الصورة مرة أخرى.

 

تجربة لايبزيج هي الوحيدة التي تمكّنت من تغيير واقع الأندية الشرقية، وإن كان لايبزيغ غير مرتبط بواقع باقي الأندية الشرقية الذي نتحدّث عنه، باعتباره تأسّس عام 2009 ولم يُدرك تأسيس الجدار ولا هدمه، وكذلك هو يتبع إحدى الشركات التجارية وهو ما لا يُحبِّذه الألمان، لكنه على أية حال نادٍ من الشرق صار بإمكانه المنافسة على الدوري الألماني، بعد عقود لم يكن للشرق أي تمثيل.(22)

بالعودة إلى اللحظات الأخيرة قبل هدم الجدار، فإن كُرة القدم في ألمانيا الشرقية لم تكن سيئة إلى هذه الدرجة، بل نافست الفِرَق أوروبيا بشكل مقبول، وكانت ندا لأندية كميلان ويوفنتوس وليفربول، وكان المنتخب الوطني على بُعد مباراة واحدة فقط من الصعود إلى كأس العالم 1990، لكن هدم الجدار، رغم فوائده، فإنه أتى قاسيا وظالما للبعض للأسف، ولم يعد أمام الشرقيين إلا الماضي للتغني به، والآن في الذكرى الـ 31 لسقوط الجدار أيقن الجميع أن وعود الاندماج لم تكن صادقة، وأن ألمانيا قد فشلت في دمج كرة القدم الشرقية تماما.

_____________________________________________________________________

المصادر

  1. جولة في صفحات تاريخ تقسيم ألمانيا وإعادة توحيدها – dw
  2.  Whatever happened to the Berlin Wall? – the guardian
  3. berlin wall facts – history
  4. soccer and the failure of East German sports policy by sheldon anderson
  5. Behind the Wall: East German football between state and society.
  6. The forgotten story of … East Germany’s DDR-Oberliga – the guardian
  7.  Oberliga and Out – The Story of Domestic Football in the GDR
  8. Behind the Wall: East German football between state and society.
  9. Learn about East Germany’s Stasi (Ministry for State Security) under the leadership of Erich Mielke.
  10. The secret police with its own football team
  11. Dynamo Berlin: The soccer club ‘owned’ by the Stasi
  12. المصدر السابق.
  13. Eleven pigs and the secret police: the story of BFC dynamo
  14. Sammer says he served in Stasi regiment but did not spy
  15. Dynamo Berlin: The soccer club ‘owned’ by the Stasi
  16. Fall of Berlin Wall: How 1989 reshaped the modern world
  17. German reunification: Young Germans in search of their eastern roots.
  18. the east german curse: how footballing reunification failed?
  19. The last days of football in East Germany
  20. WHY reunification failed football?
  21. المصدر السابق.
  22. RB Leipzig: How did Red Bull build a Champions League side from scratch?

حول هذه القصة

نحن اليوم هنا لأجل فصل آخر من فصول هذه الرواية، رواية الموهوبين الذين خرجوا من البلاد العربية إلى ملاعب أوروبا لإبهار الجميع وإمتاع الجمهور في كل مكان.. وبطلها اليوم هو سعيد بن رحمة.

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة