عودة بيل إلى توتنهام.. هل سيعتزل الويلزي لعبة الغولف؟

عاد بيل إلى توتنهام، أو بتعبير أدق؛ عاد الويلزي إلى ممارسة كرة القدم من جديد. صحيح أنها عودة ستؤجَّل فعليا إلى ما بعد التوقف الدولي بسبب إصابته في ركبته، لكنه على الأقل سيُمارسها من جديد، رغم أن سبع سنوات كانت كفيلة بتغيير كل شيء مما اعتاد عليه قبيل رحيله، مثل الوايت هارت لين الذي أصبح جزءا من الماضي الآن، أو الرفاق الذين لم يتبقَّ منهم سوى هوغو لوريس حارس الفريق، ومركز التدريب الذي استُبدل بغيره، وحتى أوفى عنصر في كل ذلك وهو جماهير السبيرز أصبحت لا تحضر المباريات لأجل غير مسمى بسبب جائحة كورونا، لكن كل هذا لم يمنع لمَّ الشمل الصغير ذلك من أن يتم. نعم، عاد بيل إلى فريقه السابق وهو مُحمَّل باثني عشر لقبا مع ريال مدريد ومضرب للغولف، الكثير من مضارب الغولف في الواقع. (1)

 

لم يكن أحد قادرا على فهم حالة بيل الغريبة مع ريال مدريد، تحديدا في العامين الأخيرين، حينما أصبحت دورة حياة الويلزي تدور في فلك واحد لا يتغير طوال الوقت؛ إصابة طويلة وغياب عن الفريق، يشاهد في مدرجات الفريق إبان المباريات، يعود من الإصابة أخيرا ليلعب الغولف، فيصاب من جديد ويغيب عن الفريق، يشاهد المباريات من المدرجات، المزيد من الغولف، وهكذا دون توقف أو تغيُّر في النمط، مَن هذا؟ لاعب كرة قدم أم مدير صفحة كل يوم نفس الصورة للفنان راغب علامة؟

 

عوَّل البعض على أسباب تدنّي مستوى الويلزي بأن الرجل سئم الحياة في إسبانيا ومدريد، وأصبح يشعر بعدم الراحة مثلما كان يشعر بالماضي، ظهرت تلك المشكلة تحديدا بعد رحيل رونالدو عن الفريق ورحيل زيدان بعد ولايته الأولى، كان رحيل البرتغالي بمنزلة فرصة سانحة لبيل كي يُعبِّر عن نفسه كونه نجما أول للفريق، لكن ذلك لم يحدث، وهو ما يعتبره البعض مشكلة كبيرة زادت من احتدام الوضع بين بيل والبيئة من حوله في مدريد، خصوصا أنه حتى دقّ وقت رحيله لم يكن قد تأقلم على الحياة في إسبانيا، ولم يستطع الحديث باللغة الإسبانية جيدا.

 

لكن ما ذهب إليه جراهام هانتر، صحفي "ESPN" المقيم في إسبانيا، أن أحد أهم الأسباب التي دمَّرت مسيرة بيل مع مدريد هي طريقة التعامل معه كما لو أنه شيء مادي يمكن الربح والاستفادة منه باستمرار، تحديدا عندما كان كيليان مبابي متاحا، كان بيل بمنزلة الورقة التي بإمكانهم استغلالها ببيعهم له وتحقيق عائد مادي كبير من خلاله لتمويل صفقة الفرنسي، كل هذا أشعر الويلزي بأنه لا يُعامَل كونه إنسانا داخل الفريق، وهو ما جعله يتمادى في قصة الغولف، أو إصراره على عدم الخروج بالشكل الذي يريح ريال مدريد من راتبه ومستواه المتدنّي، الأمر الذي تبلور كليا هذا العام عندما ظهرت في الأفق كل تلك التصريحات بعدم رغبته في الرحيل، في حين أنه قبل عام بالظبط كان بيل مرحبا بشدة بمسألة انتقاله إلى الصين، حتى ظهر توتنهام هذا العام في المشهد وقرّر الرحيل إليه، وإلزام الريال بدفع نصف مرتبه طوال فترة وجوده في صفوف الفريق اللندني. (2) (3)

جاريث بيل لاعب توتنهام هوتسبير خلال مباراة الدوري الإنجليزي الممتاز بين توتنهام هوتسبير ونيوكاسل يونايتد على ملعب توتنهام هوتسبير

 

ولتلك الأسباب تحديدا تعتبر عودة غاريث إلى توتنهام منطقية إلى حدٍّ كبير، الرجل يريد الشعور بذاته من جديد، ربما قلَّ مستواه ولم يصبح بالدرجة نفسها من الكفاءة التي كان عليها قبيل مغادرته للفريق في 2013، وربما تخطيه حاجز الثلاثين سيزيد الأمر تعقيدا، لكن كم الاحتفاء الذي حظي به الويلزي بعد عودته داخل بريطانيا من غير المنتمين للفريق قبل المنتمين له يُظهِر لك لماذا توتنهام هو المحطة الأكثر ملاءمة لبيل في تلك اللحظة، فالرجل أخيرا بدأ في اكتساب التقدير المعنوي الذي افتقده طوال تلك السنوات في الظل هناك في مدريد.(4)

 

لا شك أن بيل يعتبر في السنوات الأخيرة أكثر لاعب بريطاني نجاحا خارج نطاق المملكة المتحدة، في حوزته أربعة ألقاب دوري أبطال ولقبَا دوري إسباني، وذلك الهدف الساحر الذي سجّله أمام ليفربول في كييف، هدفه في مرمى برشلونة الذي سنتذكر به بطولة كأس الملك الإسباني للأبد، صحيح أنه لم يعد كالسابق، لكن ما يُمثِّله بيل للكرة في بريطانيا أكبر بكثير مما يستطيع المرء تخيله.

ورغم كل مشكلاته، فالرجل خرج من لندن وهو يتألم بعد أن فقد فرصة الصعود لدوري أبطال أوروبا للعام المقبل في الأمتار الأخيرة مع توتنهام، وعاد إليهم من جديد ومعه أربعة من تلك البطولة بالإضافة إلى ثماني بطولات أخريات، عاد إليهم وهو لاعب حقيقي من الطراز الرفيع، وهذا أمر مختلف عن النهج الذي يتبعه السبيرز في التعاقدات، بالنظر إلى أسلوب التعاقدات الذي يقوم به الفريق، فتقريبا بيل هو أول لاعب من ذلك الطراز يتعاقد معه النادي، وهو الأمر الذي سيُعطي للويلزي وضعا مختلفا عن بقية اللاعبين في الفريق، وسيشعر لأول مرة منذ زمن طويل أنه مرغوب به.

وبالنظر إلى الأمر من ناحية السبيرز، فسنجد أن بيل يُعتَبر نقلة نوعية للفريق، وللطريقة التي سينظر بها الجميع للنادي فيما بعد، صحيح أن هناك جائحة كورونا تُؤثِّر على اقتصاديات الأندية، وصحيح أن السبيرز مُنهمِكون في سداد أقساط الملعب الجديد، لكن ذلك لم يمنعهم من التوقيع مع نجم من الطراز العالمي مثل بيل، ودفع نصف راتبه بالمساواة مع فريقه السابق ريال مدريد، ذلك النصف الذي يظل أكبر من أكبر سقف للأجور كان موجودا قبيل عودة بيل، بغض النظر أنه يبلغ 31 عاما وأن مسألة عودته للتألق تظل محل رهان قابلة بدرجة كبيرة للفشل، لكن نوعية تلك اللاعبين الذين يعرفون كيف يفوزون بالبطولات هي ما كانت تنقص توتنهام على مدار كل تلك السنوات، وهي النقطة التي يتمتع بيل بقدر كبير من التفوق بها عن أي لاعب آخر موجود في الفريق.

أضف إلى كل ذلك أن بيل كان دائما بمنزلة الحلم لمدربه الجديد جوزيه مورينيو، الذي لطالما كان معجبا بسرعته وفنياته وقدراته البدنية، قبيل إصاباته المتكررة بالطبع. صحيح أنه لا يوجد ضامن لبيل أنه سيحظى بمعاملة تختلف كثيرا عما كان يحظى به بول بوغبا من البرتغالي حينما لم يكن يُنفِّذ ما يريده منه مدربه، لكن أسلوب لعب مورينيو نفسه الذي يعتمد على التحولات السريعة، وعلى القدرات الفنية والبدنية الفردية للاعبي منظومته الهجومية، يجعل المراهنة على عودة بيل لمستواه والمراهنة على نجاحه أمرا سيُحقِّق فوائد كبيرة إذا نجح.

 

"لدى الكثير من الناس مشكلات معي بسبب لعب الغولف، ولا أعلم ما سبب ذلك".

"أنا فقط أحب أن أخرج للعب، الغولف يجعلني قادرا على الهرب من كرة القدم وأي شيء سلبي أمر به، ويريح عقلي كثيرا، وبعد مباراة غولف واحدة أشعر في اليوم التالي أنني أكثر نشاطا وحيوية وأكثر استعدادا للتركيز على كرة القدم والشعور بها من جديد في حياتي".

 

(غاريث بيل متحدثا إلى إيريك آنديرز، مايو/أيار 2020) (5)

ربما أحبَّ بيل الغولف، وربما أحبها لدرجة أكبر بكثير مما أحب كرة القدم، لكن مع كل تلك المعطيات التي أمامنا، يبدو أن الويلزي وجد بتلك الرياضة ملاذا آمنا من كل ما كان يُحيط به في ريال مدريد، ملاذا لا يوجد به صافرات استهجان عندما يلعب بصورة سيئة، ولا يوجد به زيدان ليستبعده من المباريات القادمة، لا يوجد به كل تلك الضغوطات والعراقيل التي صاحبت غاريث طوال مسيرته مع الميرينغي، وهو الأمر الذي يجعلنا ننظر بشكل مختلف في الطريقة التي يُتعَامل بها مع اللاعبين نفسيا فيما بعد.

يقول مدربه السابق هاري ريدناب، الذي درَّبه لأربعة مواسم متتالية، إن مفتاح بيل السري دائما كان الطريقة التي يُتعَامل معه بها، أحبَّ بيل أن يشعر براحته وسط المجموعة، كان لم يتم عامه العشرين بعد وقت بدايته مع ريدناب، لكن شعر الأخير بمشاعر قيادية ظهرت داخل الفتى الصغير وقتها، في الأوقات الصعبة تحديدا التي مَرَّ بها الفريق، اتفق معه في ذلك الأمر كريس كولمان مدربه بمنتخب ويلز بيورو 2016، عندما قدَّم بيل أداء استثنائيا وقتها، ظهرت على بيل ملامح قيادية في الوقت الذي احتاج إليه الفريق بشدة.

 

لكن ما اشترك كولمان فيه مع ريدناب، ومع أنشيلوتي في بدايات بيل مع الريال، أن الثلاثي استطاعوا أن يصلوا إلى الطريقة الصحيحة في التعامل النفسي مع بيل، التي مَكَّنتهم من الحصول على أكبر مستوى ممكن من اللاعب، فإذا كنت مُتعجِّبا من حديث بيل عن الغولف وعن الطريقة التي يخرج بها من الضغط، فستجد الأمر منطقيا عندما قال كولمان إن في معسكر المنتخب كانوا يهتمون بالمواد الترفيهية لأعضاء الفريق لخلق أجواء ممتعة ومرفهة للاعبين، حمامات سباحة وتنس الطاولة والألعاب الإلكترونية، كل ذلك كان ينخرط به بيل، وكانت طريقة فعالة له لإزالة الضغط عنه طوال فترات المعسكر، ربما ذلك يُفسِّر سر مستوياته الرائعة التي يُقدِّمها مع المنتخب الويلزي حتى اللحظة رغم كل تلك المستويات المتدنِّية التي كان يُقدِّمها مع ريال مدريد في الوقت نفسه، لأنه ببساطة كان يشعر بالراحة وبذاته، على عكس ذلك القفص الذهبي الذي ظلَّ حبيسه في أعوامه الأخيرة رفقة ريال مدريد وزيدان.

"أنا أتفهّم أن تسخط على لاعبي فريقك بعد أن يُقدِّموا أداء سلبيا في الملعب، لكن أن تُطلق صافرات الاستهجان على لاعبك وتسبه وهو يلعب أمامك، فهذا خطأ تماما.

 

لأن اللاعب إذا كان يلعب مباراة سيئة، فإنه يريد من جماهيره أن تظل بجواره، لكن إذا بدؤوا في إطلاق صافرات الاستهجان فإن ثقتك بنفسك ستتحطم، وسيصبح كل شيء أكثر صعوبة.

 

ستلعب بشكل أسوأ، مما سيجعلهم ساخطين بشكل أكبر، إنهم يُصعِّبون الأمور على اللاعبين وعلى أنفسهم، وهو أمر لم أستطع أن أفهمه أبدا".

 

(غاريث بيل متحدثا إلى إيريك أنديرز، مايو/أيار 2020)

في النهاية، لا يوجد ضمان لأحد ما إذا كان بيل سيستطيع استعادة شغفه للعبة أم لا، ولا يوجد أي ضمان إذا كان سينجح بيل مع توتنهام أم لا، لكن كما قلنا سابقا، يظل رهان أن يستعيد بيل مستواه في فريقك شيئا يستحق المجازفة، وتبقى ثلاثية مثل "بيل، كين وسون" شيئا سيُحقِّق البهجة لكل محبي اللعبة إذا شاهدناها تنجح، كل شيء متوقف على الطريقة التي سيُعامَل بها بيل مع فريقه الجديد، وعلى مدى سرعة عودته لمستواه، لذلك لا يوجد أي شيء أكيد حتى تلك اللحظة سوى شيئين تعرفهما سلبقا وهما؛ عودة غاريث بيل إلى توتنهام من جديد، وأنه لن يتوقف عن لعب الغولف حتى إشعار آخر.

_________________________________________

المصادر

  1. توتنهام تعيد التوقيع مع مهاجم ريال مدريد غاريث بيل
  2. فلورنتينو بيريز هو السبب الحقيقي وراء منع انتقال بيل إلى الصين
  3.  كيف تحصل على أفضل شيء ممكن من غاريث بيل، مدربيه القدامى يفسرون ما الذي يجعله يقدم أفضل ما عنده
  4. غاريث بيل هو واحد من أفضل إصدارات الكرة البريطانية
  5. غاريث بيل: "لا أعلم لماذا لدى الناس مشاكل معي بسبب لعب الغولف"

حول هذه القصة

خلق بارتوميو فراغا هائلا حول أهم لاعب يملكه، فراغا تمدّد فيه ميسي مُجبرا لإنقاذ الفريق من خسارة أهم أعمدته واحدا تلو الآخر بلا تعويض حقيقي، حتى أصبح الفريق عبارة عن ميسي ولاعبين أو ثلاثة غيره.

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة