سيرجينيو ديست.. عندما يتزامن ربيع عمرك مع خريف برشلونة

يعتدل زعيم المتمردين السيد مورفيوس في جلسته ليقترب بكامل جسده تجاه بطل القصة، الرجل المختار والمسمى نيو، ثم يخبره بحزم أن تلك هي فرصته الأخيرة ليُحدِّد اختياره ولا مجال أبدا للعودة.

 

يبسط مورفيوس راحة يده اليسرى حيث تستقر حبة دواء زرقاء اللون، إذا تناولها نيو فستنتهي القصة بأكملها ويستيقظ في سريره مستقرا تماما داخل وهمه الخاص، دون حتى أن يعرف أنه يعيش داخل حياة وهمية، فقط تستمر الحياة كما اعتادها من قبل.

 

ثم يبسط راحة يده اليمنى حيث تستقر حبة دواء حمراء، إذا تناولها نيو فسينهار الواقع الذي يعيشه لكنه سيحظى بفرصة مهمة لمعرفة حقيقة نفسه أولا ثم حقيقة الأشياء فيما بعد.

 

كان ذلك واحدا من أهم مشاهد فيلم "ماتريكس" الشهير، لكن ما يهمنا أكثر هو السؤال الذي يطرحه المشهد الذي يصلح أن يكون سؤالا مُوجَّها للجميع؛ هل يتناول المرء الحبة الزرقاء مُفضِّلا واقعا مريحا أم يتناول الحبة الحمراء لبدء رحلة حقيقية لمعرفة نفسه وتحمُّل نتائج تلك المعرفة؟ (1) (2)

 

في الحقيقة جميعنا مَرَّ بهذا الاختبار، يختار الكثيرون وهم الاستقرار بدلا من واقع فوضوي مليء بالشك لا تؤمَن نتائجه. لكنّ سيرجينو ديست الظهير الأيمن الأميركي صاحب التسعة عشر عاما فقط قرّر أن يختار حبة الدواء الحمراء، فعل ذلك حينما وقَّع على عقود الانتقال لفريق برشلونة.

 

لماذا يبدو برشلونة كأنه واقع فوضوي؟ ولماذا تحديدا قرّر ديست أن يُقامر في مواجهة المضمون؟ وما مضمون ديست؟ وهل نستطيع اعتبار ديست الرجل المختار أم أنه نواة لكتيبة المتمردين في انتظار المختار؟ ها قد تشابكت الخيوط وكثرت الأفكار مثلما يحدث مؤخرا عندما يتطرق الحديث لبرشلونة. حسنا، يبدو الخيط الأول واضحا في المشهد، ديست بطل المشهد الأهم.

سيرجينو ديست

 

منذ الدقيقة الأولى التي تلت هزيمة برشلونة التاريخية بالثمانية أمام بايرن ميونخ بدأت الفوضى داخل النادي الإسباني. المتتبع العادل لوضعية برشلونة خلال السنوات الأخيرة يُدرك أن ما حدث كان نتيجة منطقية تماما، لكن تبقى فكرة استقبال ثمانية أهداف أمرا مربكا للجميع.

 

تماما مثلما يفعل أحدهم بإعادة افتتاح مطعمه الخاص بعد تعرُّضه لفضيحة تقديم لحوم فاسدة للزبائن، فيقوم بتغيير الديكور وتعيين موظفين جدد في محاولات يائسة لمحو آثار الفضيحة. قرّر السيد بارتوميو استقدام رونالد كومان لتدريب الفريق مع وضع قائمة لا مساس بها من اللاعبين وعرض آخرين للبيع.

 

ولأن الجماهير لا تملك إلا الأمل، تتعلَّق جماهير برشلونة بأمل بسيط وهو أن تنتج تلك الفوضى عن رحيل لاعب منتهٍ أو استقدام لاعب كرة قدم حقيقي. تلك المرة كان الاسم الأوضح هو الهولندي سيرجينو ديست، لكن تكمن المشكلة في أن اللاعب محط أنظار الفريق نفسه الذي أذاق برشلونة مرارة الثمانية.

 

يُمثِّل بايرن ميونخ مستقبلا مستقرا لديست بلا شك. بطل أوروبا الذي له اليد العليا في بلاده، الذي يملك مدربا مولعا باللاعبين متعددي الوظائف ويُجيد التعامل معهم. ديست الذي بدأ حياته جناحا يستطيع أن يرى مستقبله في ديفيز أو كيميتش، علاوة على ذلك فإن الفريق مستقر بشكل كافٍ ليجد ديست نفسه لاعب وسط أو جناحا ومن خلفه بافار.

 

بايرن ميونخ هو الحبة الزرقاء التي ستضمن لديست نوما هنيئا اليوم وغدا وخلال مدة العقد الذي كان على وشك توقيعه، لكن ديست كان يعلم أنه لا ينتمي إلى مدرسة الاستقرار، ديست مغامر ويريد أن يستمتع بالتجربة، كما أنه يحب برشلونة، وكان هذا كفيلا لديست كي يرتدي حُلّة نيو ويتناول الحبة الحمراء.

 

"ديست موهبة رائعة بلا شك، لكن الشيء الأكثر تميزا هي الطريقة التي ينظر بها إلى العالم".

هكذا بدأ السيد جيري فينك حديثه للأتليتيك عن سيرجينو ديست، فينك هو المدرب المساعد لفريق فيلم تو تيلبورغ الذي عمل مدربا لشباب أياكس قبل ذلك. استقبل فينك الطفل ديست الذي التحق بشباب أياكس عام 2012 قادما من نادي الخراف السوداء فريق المير سيتي.(3)

 

استطرد فينك في الحديث عن ديست مؤكدا أنه كان يعلم أنه بصدد موهبة مختلفة منذ اليوم الأول لديست في الفريق، كل يوم كان يحمل حدثا جديدا رفقة ديست، صحيح أنه انطوائي وخجول، لكنه أراد بشدة أن يكون مختلفا عن زملائه، مختلفا للحد الذي يجعله يُقرِّر ارتداء قميص ذي لون مغاير إذا ما قرّر بقية لاعبي الفريق ارتداء قميص أبيض.

"موطنه الطبيعي على أرض الملعب حيث يشعر بالحرية والقوة. خارج الملعب كان أقل نضجا. إذا قررت أن تصب تركيزك أكثر من اللازم على سلوكه فربما لن ترى كيف يتطور كونه موهبة حقيقية".

ينتقل هنا الحديث للسيد ديفيد إندت المدير العام السابق لفريق أياكس الذي يؤكد أن ديست كان ناشئا مثيرا للاهتمام، سريعا للغاية ومحبا للأدوار الهجومية، كما يمتلك قدمين قويتين، لكنه يجد صعوبة كبيرة عندما يتعلَّق الأمر بالتفكير في الأمور التكتيكية.

 

واجه مدربو الناشئين في أياكس الكثير من المشكلات المتعلقة بسلوك ديست. يمتلك ديست شخصية متمردة بشكل واضح، لكنه يُجيد كرة القدم بالقدر نفسه. تنقَّل بين أدوار لاعب الوسط والجناح ثم استقر به الأمر في الظهير الأيمن.

 

لم تُقدِّم إدارة أياكس عقدا احترافيا لديست إلا في ديسمبر/كانون الأول 2018، حيث كان يبلغ 18 عاما، وهو وقت متأخر بطبيعة حال أياكس، كان الأمر واضحا أن إدارة أياكس تملك الكثير من الشكوك حول مدى احترافية ديست. استغل ديست إصابات نُصير مزراوي الظهير الأيمن الأساسي للفريق ليشغل مركزه ويُنهي موسم 2020 كونه أفضل موهبة داخل أياكس رسميا.

 

ما بين لاعب ناشئ ذي سمعة ليست بالمثالية ولاعب تُوِّج رسميا بالموهبة الأفضل، خاض ديست تجربة ربما أصقلته وجعلته يؤمن بنفسه أكثر وأنه قادر على صنع مصيره بيديه.

 

رونالد كومان

وُلِد سيرجينيو ديست ونشأ في ألمير في هولندا لأم هولندية وأب أميركي، لم يكن ديست على رادار المنتخب الهولندي للناشئين على الإطلاق، وهو ما سهَّل مهمة ديف فان دين بيرغ مساعد مدرب منتخب الولايات المتحدة السابق تحت 20 سنة ولاعب أياكس السابق في إقناع ديست أن يرتدي قميص المنتخب الوطني الأميركي.(4)

 

ساعدت منافسات الكونكاكاف المتواضعة في اكتساب ديست الثقة والظهور بشكل مميز، مستغلا التفوق البدني والفني ضد الكثير من المنافسين، وهو ما جعله يصبح محور أداء مهما للمنتخب الأميركي الشاب الذي اعتمد في طريقته على ظهيرين يقومان بأدوار هجومية واضحة.

"كثير من الناس لا يريدونك إلا عندما تسير الأمور على ما يرام. ساعدني المنتخب الأميركي عندما لم تسر الأمور على ما يرام، وأنا ممتن لذلك. إذا لم يمنحوني الفرصة فربما لم أستطع أن أكون هنا الآن مع أياكس وربما لم أكن قد وصلت إلى هذا المستوى أبدا".(5)

ما فقده ديست من ثقة في كونه مستقبل النادي في أياكس وجده بسهولة في تعامل المنتخب الأميركي معه، اتضح هذا جليا بعد عامين عندما أُتيحت لديست فرصة الاختيار بين منتخبَيْ هولندا وأميركا لتمثيل المنتخب الأول.

 

رتَّب مسؤولو الاتحاد الأميركي لكرة القدم جلسة خاصة رفقة ديست ووالده داخل أحد مطاعم أمستردام، كان الهدف هو توضيح الدور الرئيسي الذي سيلعبه ديست مستقبلا داخل الفريق الأميركي.

 

قرَّر ديست أن مستقبله سيكون رفقة الفريق الذي صقل موهبته وأعطاه الثقة، وعندما تلقّى اتصالا هاتفيا للانضمام لصفوف المنتخب الهولندي الأول كان جوابه لا، كان الرجل الذي قام بتلك المكالمة هو نفسه رونالد كومان.

 

قرّر كومان أن ديست هو الشخصية المناسبة لبناء فريق جديد لبرشلونة، وهكذا قدَّم له حبة الدواء الحمراء التي تناولها ديست على الفور.

 

سُئِل ديست خلال مقابلة تسبق اهتمام برشلونة به ما إذا سنحت له فرصة الاختيار بين برشلونة وريال مدريد، وكانت إجابة اللاعب واضحة. شبَّه ديست ريال   مدريد ولاعبيه بالمحاربين، لكن برشلونة هي كرة القدم التي تُشبه أياكس، وهي الكرة التي يريد لعبها ديست، ولذا سيختار برشلونة.(6)

 

وبعد انضمامه للفريق كان حديثه واضحا أنه لم يختر برشلونة بعد تفكير عميق.

"اخترت نادي برشلونة لأنه كان حلمي دائما اللعب هنا. عندما علمت باهتمام برشلونة كان من السهل اتخاذ القرار".(7)

قرّر ديست أن يتتبّع حلمه القديم حتى ولو تزامن ربيع عمره مع خريف برشلونة الأكثر قسوة منذ بدء تاريخ النادي، فعلى رأس النادي رجل فعل كل ما يستطيع لينتهي الأمر بخراب الفريق.

 

لا يوجد أسوأ من أن تكون صفقة جديدة لرجل مشكلته الأساسية هي إبرام الصفقات، سينتهي بك الأمر إما محاطا بأسماء كبيرة لا يفهم أحد علاقتهم ببعضهم بعضا، وإما مشكوكا فيك، فربما تذهب للصين الموسم المقبل. أما كونك لاعبا مناسبا فنيا فهذا لن يشفع لك الآن، ربما ستُقيَّم التقييم المناسب بعد رحيل بارتوميو، هذا إن رحل.

 

يبدو خيار برشلونة أقسى حتى من خيار حبة الدواء الحمراء، فبرشلونة لا يوجد داخله كتيبة متمردين، ولا يعرف أحد كيفية التخلُّص من الماتريكس المسيطر على الفريق، حتى الرجل الوحيد الذي يستطيع أن يلعب دور الرجل المختار أينما وُجِد على وشك الرحيل من النادي نهاية الموسم.

"رأيت الجميع اليوم بمَن فيهم ميسي. هو لا يتحدث الإنجليزية، لكن كان لقاؤه مميزا للغاية. لكي أكون صادقا ليس لدي أي فكرة عما قاله لي، ولكن طالما أننا نبتسم لبعضنا بعضا فسيكون كل شيء على ما يرام".

تبدو شخصية ديست المغامرة شديدة الثقة في نفسها، لن تسمح له أبدا ألا يخوض التجربة كاملة، ولماذا لا يكون هو نفسه الرجل المختار؟

 

يمتلك ديست طريقة لعب قريبة للغاية من طريقة برشلونة الهجومية، أو بشكل أدق الصورة النمطية لهذا الفريق في عقول المشجعين، ديست هو الظهير الذي يقضي وقتا أطول في نصف ملعب المنافس مثلما تُوضِّح الخريطة الحرارية للاعب الشاب.

الخريطة الحرارية لسيرجينو ديست خلال الموسم الماضي رفقة اياكس – مصدر الصورة marca

يبدو أن برشلونة على وشك أن يمتلك ألفيس جديدا أو ألبا آخر، لكن هل يبدو ديست وكأنه الرجل المختار الذي سيحل كل مشكلات برشلونة على الرواق الأيمن؟ بل هل يختلف ديست عن الراحل سيميدو فنيا من الأساس؟

 

حاولت الماركا الإجابة عن هذا السؤال، أول شيء يمكن ملاحظته هو المؤشر المكاني للاعبين الذي يُوضِّح أن مناطق تحركات ديست مماثلة بنسبة 95% لتلك المناطق التي يوجد بها سيميدو، لكنّ ديست مختلف عن سيميدو فيما يتعلق بالتعامل مع الكرة.(8)

 

استطاع ديست خلال الموسم المنقضي أن يُحقِّق نسبة مراوغات ناجحة بلغت 71.9% خلال الثلث الأخير من الملعب بنسبة 2.93 مراوغة صحيحة في المباراة الواحدة، وينتهي عدد لا بأس به من تلك المراوغات بتسديدة على المرمى، وهو الأمر الذي يُبشِّر بظهير هجومي جيد للغاية.

مراوغات ديست خلال الثلث الأخير من الملعب – مصدر الصورة marca

كما أنه يشارك كثيرا في بناء اللعب من الخلف، ولا يتردد في طلب الكرة، وهو الأمر الذي توضحه نِسَب "xGChain" و"xGBuildup" الخاصة باللاعب التي تُفسِّر مساهمته في الهجوم بعيدا عن تسجيل الأهداف وتقديم التمريرات الحاسمة. يقيس العامل الأول كل ما يُعتَبر حدثا هجوميا، أما العامل الآخر فهو يقيس الأحداث الهجومية باستثناء الأهداف وصناعة الأهداف.

النسب الموضحة لقدرة اللاعب في بناء الهجمات – مصدر الصورة marca

يحتاج ديست إلى تحسين تمريراته الحاسمة، حيث إن معدل نجاحه في التمرير ينخفض بنسبة 85.1% مع اقترابه من منطقة الخصم، ربما إذا استطاع تطوير هذا الجانب من قدراته نكون على موعد مع ألفيش جديد.

 

أما على الجانب الدفاعي فعلى ديست أن يُطوِّر من نفسه بلا شك، فأرقامه كما تُوضِّحها شبكة "سوفاسكور" خلال الموسم ذاته متواضعة بشكل واضح.

أرقام ديست الدفاعية – مصدر الصورة sofascoreكل تلك الأرقام تُوضِّح لنا أن ديست إضافة واضحة وموهبة تحتاج إلى أن تُصقل بشكل جيد، لكن المثير هنا أن كومان على الأغلب قام بانتداب ديست لا لاستغلال قدراته وصقل موهبته، بل لأنه يمتلك شخصية عنيدة ورغبة في إثبات النفس.

 

قطعا سيستفيد كومان من شخصية ديست التي ستؤهِّله لقبول تحدي اللعب ظهيرا أيسر إذا لزم الأمر، أو تقديم لمحة جيدة كلما أُتيحت له الفرصة، لكنه في المقابل ما زال يحتاج إلى الكثير من العمل، خاصة إذا أصبح في ليلة وضحاها في مرمى انتقادات الجماهير.

 

حتى على مستوى الشخصية، فمَن يضمن لكومان وإدارة برشلونة أن هذا الشاب الذي قَبِل المغامرة قد يلتزم بقواعدها مع مرور الوقت؟ قديما كانت هوية فريق برشلونة هي الضامن الأساسي لحل كل تلك المشكلات، سواء داخل الملعب أو خارجه.

 

الآن وقد فقد برشلونة هويته، فلا أحد يملك قراءة مستقبل واضح لهذا اللاعب الشاب. لقد ضُغط على زر التزامن بين ربيع ديست وخريف برشلونة ولا نملك سوى الانتظار لمعرفة أيهما سينتهي أولا.

____________________________________________________________________

المصادر

  1. مقطع يحتوي على مشهد من فيلم ماتريكس- youtube
  2. معلومات عن فيلم ماتريكس- imdb
  3. سيرجينو ديست : قصة الظهير الأيمن الأمريكي الذي حصل على حلمه مع برشلونة – the athletic
  4. سيرجينو ديست : نجم الولايات المتحدة الذي يهدف إلى أن يصبح مارسيلو الخاص بأياكس – the guardian
  5. لماذا اختار ديست اللعب لمنتخب الولايات المتحدة- espn
  6. سيرجينو ديست : سأختار برشلونة على ريال مدريد- onefootball
  7. سيرجينو ديست : لم أفهم كلمة مما قاله ميسي – as
  8. سيرجينو ديست : ظهير هجومي يحتاج أن يثقل- marca

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة