رافاييل نادال.. لاعب كرة القدم الذي أصبح ملك التراب في التنس

المكان: ملعب فيليب شاترييه، باريس.

التاريخ: 11 أكتوبر/تشرين الأول، 2020.

الحدث: نهائي بطولة رولان غاروس.

 

الأمور تبدو قريبة كعادتها هنا في رولان غاروس، أدخل المباراة ولم أخسر أي مجموعة في البطولة، الجمهور يفكر في اللقب الثالث عشر على تراب باريس، ومعادلة رقم روجر بـ 20 لقبا في الغراند سلام، ولكن كل ما فكرت فيه حقا قبل ساعات من النهائي هو تحقيق الفوز على منافسي العنيد نوفاك، ومعي ذكريات أليمة منذ عام 2015.(1)

 

تاريخ مواجهاتي مع ديوكوفيتش يقول إنه إذا أردت الفوز على الصربي فلا بد أن أُقدِّم أفضل ما لدي، وهذا ما انعكس عليّ خلال المباراة، التي بدأتها بمستوى عالٍ، واستطعت الفوز بالمجموعة الأولى (6-0)، وقتها شعر المتابعون أني فزت باللقب، ولكني لا آمَن مكر نوفاك أبدا.

 

استمر أدائي على المنوال نفسه في المجموعة الثانية، وقتها أدركت أن غريمي ليس في يومه، في الثالثة حاول العودة بطريقته المعهودة، ولكن لم تشفع له تلك الاستفاقة للفوز بالمجموعة والعودة؛ لأني كنت قد قررت الفوز بالمباراة.(2)

 

فوز تاريخي ولقب لن يُنسى، ولكنها فرحة غير مكتملة تماما، نظرا لما نعيشه الآن من ظروف على خلفية تداعيات جائحة فيروس كورونا، لذلك أنا اليوم معكم لأسرد لكم القصة منذ بدايتها، القصة التي لا يعلم الكثير منكم عن تفاصيلها شيئا. مرحبا بكم أصدقائي، أنا رافاييل نادال.

 

وُلدت في الثالث من يونيو/حزيران عام 1986، في مدينة ماناكور على سواحل جزيرة مايوركا في إسبانيا، لأسرة لم تُعانِ من المشكلات المادية المعتادة لأغلب أُسر الرياضيين، حيث كان والدي رجل أعمال، أما والدتي فكانت تهوى تجارة العطور، واكتفت برعايتي أنا وشقيقتي في المنزل.

 

لم أجد نفسي في أيٍّ من المجالين، فقرَّرت الحبو نحو الرياضة، فعمّي هو توني نادال، لاعب التنس المحترف سابقا، والمدرب وقتها، وخالي ميغيل أنخل، لاعب كرة القدم السابق، والذي قضى حياته رفقة فريق مدينتنا ريال مايوركا، وبين هذا وذاك عشت طفولتي بمذاقها الرياضي.(3)

 

ما زلت أتذكر عندما أهداني العم توني مضرب تنس، كنت وقتها في الرابعة فقط، لقد كان مناسبا لجسدي الصغير، ويحمل ألواني المفضلة، بعد ذلك عرفت أنه كان وسيلة لإغرائي من أجل تنفيذ برنامج بدني وضعه لي لتطوير البنية الجسمانية الضئيلة نسبيا وقتها، التي أعتقد أنه لولا تلك الهدية ما كنتم لتسمعوا عني في عالم التنس اليوم.

في المقابل لم يدخر الخال أنخل جهدا في محاولة استقطابي إلى كرة القدم، وبالفعل كنت ألعب التنس وكرة القدم معا؛ الأمر الذي أثّر على مستواي التعليمي، فلاحظ أبي أن درجاتي في المدرسة لا تتغير، فحياتي كلها كانت للرياضة فقط، وهو بالطبع الأمر الذي لم يعجبه إطلاقا.

 

حاول إصلاح هذا الخلل، وفي الوقت نفسه لم يُرد أن يمنعني عن الرياضة، فقالي لي عليك أن تختار بين التنس وكرة القدم، القرار كان صعبا للغاية، ولكني فضَّلت التنس رغم حبي لكرة القدم أكثر، وأعتقد أنه كان قرارا موفقا، فلو لم أكن لاعب تنس لكنت لاعب كرة قدم في فريقي المفضل ريال مدريد، ولكن لا بد أن نُفرِّق دائما بين ما نحب وما يجب أن نختار.(4)(5)

 

أثناء سنواتي الأولى مع المضرب، لاحظ عمي، الذي أصبح مدربي بعد ذلك، أني أًجيد اللعب باليدين، فنصحني أن ألعب باليسرى، لأنها ستكون ميزة إضافية لي في ملاعب التنس، وظهرت نتائج تلك النصيحة مبكرا عندما فزت بكل بطولات إسبانيا المحلية تحت 12 عاما.

 

رحلتي الاحترافية مع التنس بدأت في عام 2002، عندما وصلت إلى نصف نهائي بطولة ويمبلدون للشباب، ثم كنت أصغر لاعب يصل للدور الثالث في بطولة ويمبلدون للكبار في سن الـ 17، ومن هنا بدأت أتحسس طريقي نحو البطولات الكبرى.

 

في عام 2005، كنت أصغر لاعب في التاريخ يحصل على لقب بطولة رولان غاروس في سن التاسعة عشرة فقط وفي أول مشاركة لي هناك، وهو رقم لم يستطع أحد تحطيمه حتى الآن، ثم اقتحمت بعدها قائمة الـ 5 الأوائل، لأصل إلى الترتيب الثالث في التصنيف الدولي للاعبين.

كان الأمر لا يُصدَّق عندما عدت لأفوز باللقب للمرة الثانية على التوالي، بالإضافة إلى 4 ألقاب أخرى، في موسم ذُقت خلاله مرارة الإصابات لأول مرة، ولكن الموسم الذي لم أنسه حقا كان في 2008، عندما فزت برولان غاروس للمرة الثالثة، وانتصرت على فيدرر في أطول نهائي في تاريخ ويمبلدون، ثم ذهبية أولمبياد بكين، في عام شهد تحقيقي لـ 32 انتصارا متتاليا، وتربُّعي على عرش التصنيف الدولي لأول مرة.

 

ألحقت هذا الموسم بموسم آخر تاريخي في 2010، عندما حققت بطولات الغراند سلام معا، لأكون ثاني لاعب يُحقِّق البطولات الأربع إلى جانب ذهبية دورة الألعاب الأولمبية، وينتهي عقدي الأول مع التنس وفي جعبتي 43 لقبا متنوعا.(6)(7)

 

حسنا، أعتقد أنكم تحبون ذلك اللقب: "ملك الملاعب الترابية"، ولا أخفيكم سرا، فأنا أيضا أحبه كثيرا. طوال مسيرتي حصلت على 86 لقبا، 60 منهم على تلك الملاعب، ومن 20 لقبا في الغراند سلام 13 لقبا في رولان غاروس الترابية، وطوال تاريخي في تلك البطولة فزت في 100 من أصل 102 مواجهة، حينما أقرأ معكم تلك السطور لا أتخيل أني حققت كل هذا فعلا!(8)

 

تلك الأرقام دائما ما تطرح عليّ سؤالا؛ ما سر هذا التفوُّق على التراب؟ وبكل صدق أنا لا أستطيع أن أُرجع الأمر إلى سبب واحد، فالإجابة هنا معقدة قليلا. قد يكون السبب أن الملاعب الترابية هي أول ما تدربت عليه منذ الصغر، وهي تشبه طبيعة معظم الملاعب لدينا في إسبانيا.

الطقس أيضا يلعب دورا كبيرا، دعوني أعترف أني أُفضِّل الجو المشمس، وأشعر أني أتحكم في الملعب بشكل أفضل عندما يكون الجو دافئا، ولحُسن حظي فإن البطولات الترابية عادة ما تُقام في الفصل الربيعي والصيفي من الموسم، وأعتقد أنها ميزة إضافية لي.

 

هل تتذكرون نصائح توني نادال لي منذ الصغر؟ نعم، اللعب باليد اليسرى والتركيز على الجانب البدني، أعتقد أيضا أنهما عاملان إضافيان في سر تفوُّقي على التراب، لأن طبيعة الملاعب تحتاج إلى أداء بدني عالٍ، كما أن اليد اليسرى تعطيني فرصة للعب في زوايا يصعب على منافسي الأيمن التحكم بها.

 

بشكل عام أنا أشعر أن اللعب في رولان غاروس تحديدا هي الظروف المثلى لي من أجل إظهار كل ما لديّ، الملعب الواسع الذي يسمح لي بالعودة إلى ما بعد خط الملعب ولعب الكرات الطويلة، وأيضا طبيعة الرمال التي أُتقن تماما التحرُّك بكلتا القدمين عليها؛ وبالتالي لعب الكرات القصيرة والصعود إلى الشبكة، كلها مزايا تعطيني أفضلية بالفعل، ولكني لا أُفكِّر فيها كثيرا، أُركِّز دائما على حسم المباراة ولا شيء آخر.(9)(10)

 

أعتقد أن هناك سؤالا يراود الكثير منكم الآن، ألا وهو: ماذا بعد التنس؟ متى ستتوقف تلك الرحلة؟ وإلى أين ستتجه؟ حقا أسئلة مشروعة، وبشكل شخصي أُفكِّر فيها يوميا، ولكني حقا لا أعرف متى ستتوقف الرحلة، أشعر أنني ما زلت قادرا على العطاء، وبالتالي سأستمر، وهذا ما أعلمه حتى الآن.

 

في الوقت نفسه لا أرى نفسي في مجال آخر غير التنس، فأنا لست بالشخص الذي يُجيد الظهور في الإعلانات أو العمل عارضَ أزياء مثل صديقي روجر، ولكني دائما أُفكِّر في اللعبة، وكيفية تطويرها، من الممكن أن أعمل مدربا، أمر وارد لكنه غير مؤكد الحقيقة.

 

لكن الأمر المؤكد حتى الآن أني سأتفرَّغ للعمل في أكاديميتي التي افتتحتها في عام 2016، في مسقط رأسي هناك في مايوركا، افتتحنا الفرع الثاني لها في منطقة الشرق الأوسط في دولة الكويت مطلع العام الجاري، وأُخطِّط الآن رفقة فريق عملي في افتتاح عدد أكبر في دول أكثر خلال الفترة القادمة.

أود من خلال هذا المشروع المساهمة في تطوير اللعبة، وتخريج عدد أكبر من اللاعبين الموهوبين، لدينا الآن لاعبون في الـ 100 الأوائل، وأعتقد أن نتائج هذا المشروع ستظهر بشكل أوضح خلال السنوات القليلة القادمة، فهو بمنزلة رحلة البحث عن نادال الجديد، أحلم بحصول أحد لاعبينا على بطولات الغراند سلام وتَصدُّر التصنيف الدولي، وقتها سأكون الإنسان الأسعد في هذا الكوكب.

 

قبل الختام، دعوني أؤكد لكم أن هناك جانبا آخر من القصة لم أُرِد الإفصاح عنه، لأننا في أجواء الاحتفال برولان غاروس، ونظرا لما نمر به أيضا من ظروف صحية صعبة، ولكن من المهم أن نتفهّم أن تلك القصص المضيئة حتما تحوي بداخلها جانبا آخر مظلما للغاية، ولكن الإنسان الناجح هو مَن يتحكَّم في تغليب الجانب الأول على الثاني دائما، إلى اللقاء.

__________________________________________________________________________________

ملاحظة:

* العبارات الواردة على لسان نادال في التقرير تخيُّلية، ولكن كل ما ورد به من معلومات صحيح.

المصادر

  1. نهائي رولان جاروس 2020.. أبرز أرقام نادال وديوكوفيتش قبل المواجهة 56
  2. نهائي رولان جاروس 2020 | نادال يقهر ديوكوفيتش ويعادل رقم فيدرر التاريخي
  3. قصة طفولة رافاييل نادال
  4. السيرة الذاتية لنادال
  5. توني نادال: نادال أحب كرة القدم أكثر من التنس
  6. حقائق لا تعرفها عن رافاييل نادال
  7. تاريخ بطولات نادال عبر المواسم المختلفة
  8. نادال ملك الملاعب الترابية بعد لقبه الـ 13 في رولان غاروس
  9. رولان غاروس 2020: لماذا يتميز نادال على الملاعب الرملية ؟
  10. 6 أسباب لتفوق نادال على الأراضي الترابية
  11. رافاييل نادال يكشف أكبر التحديات لبناء أكاديميته
  12. رود كاسبر ينضم إلى مونار في قائمة أفضل 100

حول هذه القصة

انتصار وهمي بعد ميركاتو نشط للفريق اللندني؛ أعاد للجماهير ذكريات سوق الانتقالات التاريخي مع مورينيو في موسم 2004/2005.. فهل استحق لامبارد ثقة الإدارة لدفع كل هذه الملايين في الميركاتو الأخير؟

13/10/2020
المزيد من مقالة
الأكثر قراءة