إيفرتون أنشيلوتي.. طبيب نفسي وتكتيك وكرزة تُدعى خاميس

تعلّمنا أن تعثُّر الخُطى ليس كارثة طالما بحثت عن السبب ونهضت مجددا، والعودة للوراء خطوة أو بضع خطوات من أجل الانطلاق ثانية هي الشجاعة بعينها، وأنها ليست إعلانا للاستسلام على الإطلاق. كارلو أنشيلوتي يعرف ذلك جيدا، لذلك قرَّر بدء حكاية جديدة في إيفرتون.

 

في الماضي، كان برايان كلوف الذي بحث عن نفسه في غياهب الدرجة الثانية حتى استعاد اسمه وحقَّق أبرز معجزاته مع نوتنغهام فورست، كان أيضا أوتو ريهاغل الذي تلقَّى لكمة بايرن ميونخ وقرَّر الذهاب إلى كايزرسلاوترن القابع في الدرجة الثانية حينها، ليعود من بعيد ويُحقِّق معجزة اليورو في 2004 مع المنتخب اليوناني. الخلاصة؟ كل شيء في الحياة ينقلب أحيانا بسبب خطوة شجاعة إلى الخلف. (1)

 

أنشيلوتي أنهى تجربة ريال مدريد سريعا بشكل لم يكن يتوقعه أو يتمناه بعد موسم أول تاريخي، ثم إقالة مُهينة في بايرن ميونخ أعقبتها أخرى في نابولي بعد خلاف سينمائي مع الرئيس دي لاورينتس. في هذه اللحظة تقف أمام مفترق طرق، إما الانسحاب والاكتفاء بما تحقَّق من تاريخ، وإما نفض الغبار والمخاطرة من جديد، ولأن أنشيلوتي اختار طريق المغامرة، جئنا إلى هنا. (2)

 

جيمس رودريغيز وكارلو أنشيلوتي

في السنوات الأخيرة، تعاقب على إيفرتون رونالد كومان وماركو سيلفا وبينهما مئات الملايين من اليوروهات، بدا مُلَّاك النادي وكأن لديهم مشروعا، ولكن في حقيقة الأمر اقتصر الأمر على الإنفاق الجنوني فقط، صفقات تقوم على مُخلّفات الأندية الكبرى، بلا خطة واضحة حتى لإعادة تدويرها من جديد. (3)

 

بعد ذلك، قرَّرت إدارة النادي اللجوء إلى رجل يستطيع خَلْق شخصية للاعبين وللفريق، وهذا الذي حدث بالفعل مع وصول كارلو أنشيلوتي، حيث إنه منذ بداية رحلته في إيفرتون بدأ تأثيره في الظهور على لاعبيه نفسيا قبل أن يظهر فنيا، قبل أي تعاقدات أصبح لدى اللاعبين رغبة أكبر في تحقيق الانتصار ومزاجية أقل، وفي هذا الإطار الأمر ليس جديدا، فالتجارب السابقة للمدرب الإيطالي تُوضِّح هذه النقطة جيدا.

 

الجلسات التدريبية باتت قصيرة وحادة في آنٍ واحد على عكس المحاضرات والتدريبات الطويلة المُمِلَّة تحت قيادة سيلفا التي سئم اللاعبون منها. بات هناك إحساس بصرامة أقل مع اللاعبين الذين أصبحوا لا يُجبَرون على تناول الطعام في أوقات محددة. الصداقة مع اللاعبين مهمة لأنشيلوتي، لذلك سمح لهم بالخروج ليلا، طالما أنهم مستعدون للعمل في اليوم التالي. أشياء لخّصها والكوت حين قال: "يمكنك الاسترخاء والجلوس مع كارلو للتحدُّث كما تتحدَّث مع أي شخص آخر". (4)

 

هذه ليست سوى واقعة جديدة من سلسلة وقائع مشابهة كان بطلها المدرب الإيطالي، الذي اعتاد الحديث مع لاعبيه في كل شيء، وجعلهم يشعرون دائما بالرغبة في التحدُّث معه خارج حدود وظيفته ووظيفتهم، كأب؟ كطبيب نفسي؟ كذلك الحكيم الذي نسمع عنه في القصص القديمة الذي يجلس تحت شجرة ليمنح المارّة من خبراته؟ في الحقيقة تبدو الإجابة خليطا من كل ذلك.

 

الرسم التكتيكي لم يشهد اختلافا كبيرا عمّا اعتاده الرجل، حيث قدَّم أنشيلوتي الهجين المُفضَّل لديه بين 4-4-2 و​​4-3-3. الفرضية الأساسية هي الصلابة الدفاعية في 4-4-2 في حالة عدم امتلاك الكرة، مع انضمام الأجنحة إلى العُمق لتشكيل كتلة وسط متماسكة، والتحوُّل إلى 4-3-3 الأكثر انسيابية عند الفوز بالاستحواذ. (5)

 

يُحقَّق هذا التحوُّل عن طريق انتقال لاعب خط الوسط الأيمن إلى داخل الملعب والتقدُّم للأمام، في الموسم الماضي كان ثيو والكوت والآن خاميس رودريغيز، في حين يتأرجح المهاجم الأيسر بين مركزَيْ الجناح والمهاجم الثاني الذي يكون ريتشارلسون، مع وجود كالفيرت لوين في العمق رأسَ حربة صريحا.

 

أما عن الأظهرة، فلم تحصل ثنائية كولمان ولوكا ديني على حقها بعد، الثنائي الذي تقوم عليه أغلب التحوُّلات التي يعتمد عليها المدرب الإيطالي في خطته، التي ساعدت على ظهور الصفقات الجديدة واللاعبين الذين تألَّقوا رقميا مع الفريق في الموسم الجديد بأفضل شكل ممكن.

 

كولمان يصعد إلى الأمام، في ناحيته يوجد خاميس رودريغيز الذي يساعده بالميل إلى العمق ويُفسح له المجال بالتقدُّم، في هذه الحالة يأتي الوافد الجديد عبد الله دوكوري ليُؤمِّن ظهرهما، حتى لا تُكشَف الناحية اليمنى لإيفرتون دفاعيا، وحتى لا يُحرَم الفريق من الزيادة الهجومية الفعَّالة لأظْهِرَته، حيث يؤدي لوكا ديني الدور ذاته على الجانب الأيسر، التحوُّل السريع من الجانب الأيمن إلى الأيسر من خلال رؤية خاميس وتمريراته الطولية التي تنقل الحمل إلى الجانب الآخر من الملعب مما يمنح المزيد من الحلول بأقل عدد من التمريرات، والجدير بالذكر أن الثنائي يملك أعلى معدل لمس للكرة بالفريق في المباريات الخمسة الأولى. (6)

 

بالنظر إلى أهداف المهاجم المتألِّق كالفيرت لوين نجدها مثالا على كل ما قيل، خاميس إما يمنح التمريرة الحاسمة من كرة عمودية أو عرضية، وإما يمنح الفرصة لكولمان للتقدُّم وإرسال العرضية، وإما تأتي تمريرته العكسية إلى الجانب الأيسر ليتكفَّل لوكا ديني بإرسال العرضية على رأس أو قدم المهاجم الإنجليزي الشاب، الذي واجه انتقادات واسعة في الموسم الماضي ثم قدَّم انطلاقة استثنائية في الموسم الجديد، فقط لأن كل ما حوله سار بالشكل الأمثل. (7)

 

في إيفرتون، كانت مسألة وسط الملعب هي أكثر الأمور المُحيِّرة في الفريق، حيث حاول كومان وماركو سيلفا الاستقرار على توليفة مميزة ولم يحصلا على ذلك، وما زاد الطين بلّة هو رحيل العنصر الأفضل إدريسا جاييه إلى باريس سان جيرمان خلال موسم الانتقالات الصيفية لعام 2019، ليفقد التوفيز العنصر الوحيد القادر على بناء منظومة وسط ملعب حقيقية حوله.

 

رحل جاييه وفشل فابيان ديلف في تعويضه، وأصبح وسط ملعب إيفرتون الحلقة الأضعف في تشكيل الفريق، كلٌّ من جيلفي سيجوردسون وتوم ديفيز ومورجان شنايدرلين لم يُقدِّموا المُنتظَر، أما جان فيليب غبامين القادم من ماينز مقابل 25 مليون جنيه إسترليني فلم يُفلِت من الإصابات التي حرمته من تقديم المُنتظَر كذلك، بينما أندري غوميش كان يتحسَّس العشب بعد تعافيه من إصابة خطيرة في الكاحل، ثم لعب العديد من المباريات في نهاية الموسم الماضي بهدف استعادة لياقته ومستواه من جديد. (8)

 

أنشيلوتي قرَّر أن يُحوِّل الحلقة الأضعف إلى نقطة القوة الأبرز، حيث لاحظ على الفور مشكلات فريقه وشرع في إصلاحها هذا الصيف، وبدوره جلب آلان من نابولي وعبد الله دوكوري من واتفورد، وبينهما حبّة الكرز خاميس رودريغيز من ريال مدريد، ليُشكِّل وسطَ ميدان جديد تماما باستثناء أندري غوميش الذي كان موجودا من قبل، فقط عادت له الحياة بعد تحديد أدواره بشكل أقرب من المفضل بالنسبة له. (9)

 

تقسيم الأدوار بسيط للغاية، آلان هو مدمر الهجمات وقاطع الكرات ولاعب الارتكاز الذي يحافظ على الاستحواذ، بينما يتمحور دور دوكوري حول الركض من أجل ملء الفراغات التي يُخلِّفها صعود كولمان وخاميس وتأمين ظهرهما دفاعيا، والانتشار طوليا بين منطقتَيْ الجزاء لتأدية دور الـ "Box to box" الذي لا يتوقف عن الركض وقيادة التحولات. بينما يتعيَّن على غوميش الآن القيام بقدر أقل من الجهد البدني، وبات لديه مجال أوسع لمنح التمريرات والاعتماد على رؤيته. (10)

 

وماذا عن خاميس؟ هو اللاعب الأكثر حرية في تشكيل إيفرتون، يتحرَّك في مساحة ما بين الجناح وصانع الألعاب في أغلب الوقت، ويُترَك له المجال للتحوُّل بين العمق والأطراف كيف يشاء، اعتمادا على الرؤية الثاقبة والدقة في إرسال الكرات والتمريرات الطولية، بالشكل الذي اعتاد التألُّق به في أبرز محطاته مع موناكو وبورتو وريال مدريد أنشيلوتي وكذلك منتخب كولومبيا.

"يمكننا اللعب برقم 10 ولكن عندما نلعب بدون رقم 10، فإن الفكرة هي نفسها دائما؛ اللعب من داخل الخطوط".

 

(كارلو أنشيلوتي)

الفكرة بسيطة للغاية، خطط كارلو أنشيلوتي تبدو كلاسيكية، ولكن الرجل يمنحها بعض التفاصيل البسيطة واللمسات الخاصة التي تمنحها مواطن القوة. في إيفرتون كان هناك أكثر من لمسة ساهمت في ارتفاع نسق الفريق في زمن قياسي، ووصوله إلى القمة مع بداية الموسم الجديد وإضافة صفقات الصيف. (11)

 

إلى جانب تغيير التشكيل وعناصر الوسط، رفض أنشيلوتي الاتجاه المباشر الذي غرسه المدرب السابق ماركو سيلفا وذهب إلى أسلوب يعتمد أكثر على التمريرات والحركية، حيث يهتم كارلو بالسيطرة على الاستحواذ دون أن يصبح عديم القيمة. بعد ذلك يأتي توزيع أدوار لاعبي الوسط، حيث التمريرات العمودية بين الخطوط، الأمر الذي كشفه مايكل كين مؤخرا في مقابلة مع ستاد أسترو.

 

كين من جهته قال: "لقد غيَّر أنشيلوتي أشياء صغيرة في طريقة لعبنا، إنه يريد مزيدا من الحركة للدخول بين الخطوط، وكذلك يريد من ثنائي الوسط الخروج بالكرة والتقدُّم بها؛ يُحبِّذ المراوغة قبل التمرير للأمام لكي يدفعنا إلى أعلى الملعب بكثافة أكبر". لقد لخَّص كين كل شيء تقريبا في تصريحاته تلك. (12)

 

تكتمل هذه الميزة بحركية أكثر ذكاء في خط الوسط للتنقُّل بين المساحات الموجودة لدى الخصوم، كما يقول كين، مما يخلق خيارات تمرير عمودية وأكثر ديناميكية مقارنة بما كان يحدث تحت قيادة سيلفا، ما يُبعِد عن الفريق الأسلوب النمطي الذي عانى منه في الفترة الأخيرة.

 

في المباريات الأربعة التي لعبها إيفرتون في الدوري الإنجليزي هذا الموسم، ولقاء وست هام في كأس كاراباو، بدأ كارلو أنشيلوتي بالتشكيل نفسه عدا مباراة واحدة، تلك الأخيرة أمام وست هام التي لعبها بدون دوكوري وغوميش وكولمان، مداورة؟ لا، فقط لأنهم أُصيبوا، وهذه هي المشكلة التي ليست وليدة اليوم، بل هي مشكلة كارلو الأبرز منذ بدأت مسيرته التدريبية وحتى الآن. (13)

 

في موسم 2015 مع ريال مدريد انقلبت الأمور رأسا على عقب، في بداية الموسم حقَّق الملكي 22 انتصارا متتاليا في أطول سلسلة حقَّقها طوال تاريخه، ولكنه في النهاية خرج بموسم صفري، وفي حقبة ميلان التاريخية لعب أنشيلوتي 8 مواسم حقَّق فيها لقب الدوري مرة واحدة، والسبب في النَّفَس القصير دائما كان اعتماده على 11 لاعبا أو 14 على الأكثر في كل مباريات الموسم، لذلك فإن الإصابات كفيلة بهدم كل شيء، الأمر الذي من السهل أن يحدث بسبب الضغط الذي يتحمَّله اللاعبون دون راحة أو مداورة. (14)(15)

 

أضف إلى ذلك أن أنشيلوتي هذه المرة في دوري أكثر تنافسية، وأنه يُدرِّب فريقا اعتاد أن يقبع في منتصف الجدول مقابل رحلاته السابقة التي غالبا ما كانت مع الفريق الأكثر قوة، ولا تنسَ أن الموسم الحالي أكثر ضغطا من الطبيعي بسبب تأثيرات فيروس كورونا، فضلا عن احتمالية إصابة بعض اللاعبين بالوباء نفسه من الأساس. ضَعْ كل ذلك بجوار أزمات المدرب الإيطالي في حقباته السابقة، بجوار اعتماده على تشكيل واحد مع إيفرتون أيضا والاستمرار على النهج ذاته. في النهاية ستستنتج أن السقوط محتمل حتى لو سارت كل الأمور فنيا ونفسيا وتكتيكيا بالطريقة الأمثل.

 

ولكن قبل أن نضع نقطة الختام، تذكَّر أن الرحلة إجمالا ستكون شائقة، فصل جديد من قصص كرة القدم التي تكسر التقليدية وتمنح الأمل للتجارب الحالمة، رسالة تذكير بأن العالم لا يُدار بالعشوائية، وأن الكرة ما زالت تُمثِّل الأمل في عالم مليء بالخيبات، وأنه وسط كثير من الرتابة، هناك حدث يستدعي الجلوس أمام التلفاز لانتظاره أسبوعيا فقط لكسر الملل المحيط بك من كل جانب، كونه وحده الذي قد يمنحك الشيء الخارج عن المألوف.

___________________________________________________________

 

المصادر

  1. عودة مورينيو .. الانتقام على طريقة كلوف وريهاغل – ميدان
  2.  تاريخ أنشيلوتي مع الإقالات
  3. إيفرتون وإنفاق واسع مع رونالد كومان وماركو سيلفا
  4. كارلو أنشيلوتي .. ماذا غيّر المدرب الإيطالي منذ وصوله إلى إيفرتون؟ – بي بي سي
  5. تحليل تأثير أنشيلوتي على إيفرتون – دايلي ميل
  6. المصدر السابق
  7. المصدر السابق
  8.  كيف حوّل أنشيلوتي إيفرتون إلى ثاني أفضل فريق في الدوري الإنجليزي – النسخة الدولية لموقع goal
  9. كيف تمكن جيمس رودريغيز من فتح قفل سيموس كولمان ولوكاس ديني – ذا أثليتيك
  10. المصدر السابق
  11. كارلو أنشيلوتي .. ماذا غيّر المدرب الإيطالي منذ وصوله إلى إيفرتون؟ – بي بي سي
  12. المصدر السابق
  13.  تشكيلات إيفرتون في أول 5 مباريات من موسم 2021
  14. ريال مدريد يحقق أطول سلسلة انتصارات في تاريخه مع أنشيلوتي في 2015
  15. أنشيلوتي يحقق الدوري الإيطالي مع ميلان مرة واحدة في 8 سنوات 

حول هذه القصة

انتصار وهمي بعد ميركاتو نشط للفريق اللندني؛ أعاد للجماهير ذكريات سوق الانتقالات التاريخي مع مورينيو في موسم 2004/2005.. فهل استحق لامبارد ثقة الإدارة لدفع كل هذه الملايين في الميركاتو الأخير؟

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة