مشروع تشيلسي.. حتى لا يخدعك لامبارد بالميركاتو

كرة القدم رياضة خادعة. مقولة غريبة، أليس كذلك؟ ولكنها صادقة، لأنها دائما تعطيك الفرصة لانتصارات وهمية، فكم مرة جعلتك كرة القدم تقفز فرحا، وتذهب لكي تحتفل عنادا بصديق لك يشجع الغريم، ثم تعود ويخسر فريقك البطولة أمام هذا الغريم في النهاية؟ كم مرة ذهبت لـ "قصف جبهة" صديقك لأن لاعبا ما فضَّل فريقك على فريقه، ثم عاد هذا اللاعب وفشل؟

 

كم مرة قمت بمشاركة تعليق لاعبك أو مقطع فيديو لحركة استفزازية له، لا لشيء إلا لتشعر بأنك منتصر على خصومك من المشجعين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فيعود اللاعب ويسب في فريقك بعد ذلك؟ كلها أسئلة تكون إجاباتها؛ عدد لا يحصى من المرات. هذا بالضبط ما يفعله جماهير نادي تشيلسي هذه الأيام.

 

انتصار وهمي بعد ميركاتو نشط للفريق اللندني أعاد للجماهير ذكريات سوق الانتقالات التاريخي مع مورينيو في موسم 2004-2005، وبعد موسم أول اعتبره البعض مُبشِّرا للغاية رغم ما شهده من أخطاء كارثية، واعتقد الجميع أن الحل في تلك الاستقدامات المُنتظَرة في هذا الصيف، ولكن السؤال هنا: هل كان ذلك كافيا حقا؟ وهل كان الموسم بمنزلة الحجرة الأولى في بناء المشروع؟ وهل استحق لامبارد ثقة الإدارة لدفع كل هذه الملايين في الميركاتو الأخير؟

 

بالعودة للوراء قليلا، سنجد أن أبراموفيتش، مالك نادي تشيلسي، وجد نفسه في ورطة كبيرة بعد حرمان الفريق اللندني من التعاقدات لمدة فترتين متتاليتين، ومع رحيل نجم الفريق الأول البلجيكي إيدن هازارد، لم يجد الملياردير الروسي ورفاقه مَفرًّا غير التعاقد مع أسطورة جماهيرية لديها قبول واسع لدى الجماهير مثل: فرانك لامبارد.(1)

 

اختيار منطقي في ظروف غير مُهيَّأة للنجاح، سيضطر فيها المدرب الشاب للاعتماد على لاعبي الأكاديمية، والمعارين عقب عودتهم من أنديتهم، وبعض الخبرات الموجودة مثل: ويليان وبيدرو وأزبيليكويتا، حتى لو حدث أكثر السيناريوهات سوءا وخرج الفريق في ذلك الموسم بدون تحقيق أي بطولة، أو التأهل إلى دوري أبطال أوروبا، فاحتمالية تقبُّل الجماهير لذلك الأمر أكبر بكثير في حالة وجود لامبارد عن أي مدرب آخر.(2)

 

حصيلة الموسم الأول مع لامبارد كانت مُرْضية لإدارة النادي وللجماهير على حدِّ السواء، حيث أنهى الموسم ضمن الأربعة الأوائل؛ مما يعني التأهل إلى دوري أبطال أوروبا، في المقابل خسر السوبر الأوروبي بركلات الترجيح أمام كلوب، ثم أنهى الموسم بخسارة الكأس أمام أرتيتا، وخرج الفريق خالي الوفاض من البطولات.(3)

 

عندما يكسر فريق مثل شيفليد يونايتد حاجز الـ 200 مليون يورو في الميركاتو، فحتما سيدعونا الأمر للتأني قليلا، ويبدأ الحديث عن أهداف المشروع الجديد الذي يهدف إليه الفريق، ولكن الغريب أن هذا الكلام ينطبق على فريق مثل تشيلسي، وأصبح إنفاق 247 مليونا هو الضمان الوحيد لوجود مشروع في النادي اللندني، حتى ولو لم تُصرِّح الإدارة بذلك أو يُصرِّح المدرب.

 

بالعودة قليلا للوراء والبحث في تاريخ الميركاتو مع تشيلسي، سنرى أن تلك الأرقام أمر متكرر معتاد، ففي موسم 2018-2019، الذي سبق موسم منع الفريق من فترتَيْ تعاقد، أنفق الفريق 208.8 مليون يورو، فيما ربح 72.25 مليونا من بيع اللاعبين، مع الأخذ في الاعتبار أن تلك الأرقام ميزانية موسم واحد فقط، على عكس الموسم الحالي، الذي أُضيفت إليه ميزانية موسم الإيقاف، والذي شهد رحيل هازارد بـ 80 مليون يورو آخرين.

 

إذا واصلنا العودة للخلف في ميركاتو المواسم السابقة للفريق، فسنجد انخفاضا ملحوظا في النفقات على مدار 3 أو 4 مواسم، ومع ذلك شهدت تلك المواسم تحقيق عدة بطولات محلية، ولكن ما يهمنا هنا أنه إذا كان انطلاق المشروع الجديد مرتبطا بالميركاتو، فلماذا لم يُطلَق المشروع مع ساري؟ وإذا كانت نتيجة مشروع ساري هي الحصول على الدوري الأوروبي، والتأهل إلى دوري أبطال أوروبا، فما الاختلاف الذي ستُحدثه الأموال نفسها مع لامبارد إلا ما حقّقه في موسمه الأول والتأهل أيضا لدوري الأبطال؟(4)

 

لا شك أن التجربة القياسية في تاريخ تشيلسي هي تجربة البرتغالي جوزيه مورينيو في موسم 2004-2005، الذي يُعَدُّ جيلا ذهبيا للفريق، ولو على المستوى المحلي، حين حصد الأخضر واليابس في إنجلترا، وقتها نشط مورينيو أيضا في سوق الانتقالات بـ 166 مليون يورو؛ في واحدة من أهم تجارب الاستثمار الرياضي في العصر الحديث.(5)

 

جاء مورينيو إلى لندن حاملا معه لقب دوري أبطال أوروبا التاريخي مع بورتو، بالإضافة إلى عدة تجارب سبقت هذا التتويج، حيث قضى سنوات مدربا مساعدا مع المدرب الإنجليزي الشهير بوبي روبسون. في المقابل، جاء لامبارد إلى الفريق الأول بعد رحلة قصيرة مع ديربي كاونتي في الشامبيونشيب لمدة موسم فشل خلاله في الصعود، سبقها تجربة قصيرة مع فريق الشباب في تشيلسي أيضا.

"جرِّب وافعل كل هذه الأشياء بعيدا عن الكاميرا، و قبل أن تختبر نفسك في الدوري الأوروبي أمام الآلاف والآلاف من المشجعين، ضع نفسك في أفضل وضع ممكن قبل أن تذهب إلى هناك".

(يورغن كلوب إلى ستيفن جيرارد)

بالطبع المقارنة بين الاثنين لن تُسمن ولن تُغني من جوع، ولكن الاختلاف بين التجربتين هو تماما الاختلاف بين مشروع حقيقي بمدرب قادر على قيادة هذا المشروع، وتوظيف سليم لملايين الميركاتو، وبين تجربة اضطرارية لم يستطع خلالها النادي توفير مدرب يقود تلك التجربة، ولكنه استطاع توظيف الملايين نفسها في سوق الانتقالات.(6)(7)

 

في مقابلة له مع يورغن كلوب، قال جيرارد إن المدرب الألماني نصحه بأن ينسى ما كان عليه بوصفه لاعبا إذا أراد النجاح كونه مدربا، وأن يذهب في هذا الطريق دون الاسم الذي حمله قميصه، وأن يعود إلى خط البداية، ويسلك الطريق من جديد، وهذا ما لم يفعله لامبارد، وانعكس ذلك عليه، سواء في معالجة أخطاء الدفاع الكارثية من الموسم الماضي، باستقدام صفقة يشوبها العديد من علامات الاستفهام مثل تياغو سليفا، أو حتى في احتواء كيبا في ظل تذبذب مستواه، ومؤخرا في الأحاديث التي أُثيرت عن مشكلات داخل حجرة اللبس بسبب سوء معاملته مع اللاعبين.(8)(9)

التجربة قد تبدو منطقية أكثر لو أعدنا فهم طبيعة العلاقة بين لامبارد وتشيلسي، نحن أمام مشروع مدرب يحتاج إلى النادي، وليس مشروع نادٍ يحتاج إلى المدرب، وبالتبعية يحتاج إلى المزيد من الوقت من أجل التعلُّم والتطور، ولكن هل البلوز هو ذلك الفريق الذي سيُعطي لامبارد الوقت الذي يريده، وهل سيصبر عليه الملياردير الروسي رومان أبراموفيتش؟

 

بناء على تجارب أبراموفيتش الأخيرة مع المدربين، فالإجابة قطعا لا، وهذا يُفسِّر حتى ما نُشِر في تقارير إنجليزية مؤخرا حول بدء التفكير في إقالة سوبر فرانك من تدريب النادي، بعد النتائج المحبطة في بداية الموسم الحالي، ثم الخروج المُخيِّب من كأس الرابطة أمام توتنام بركلات الترجيح.(10)

"فرانك لامبارد يعرف أنه يمكن أن يكون أول مدرب في الدوري الإنجليزي الممتاز يحصل على إقالة هذا الموسم".

(توني كاسكارينو، لاعب تشيلسي السابق)

فرانك لامبارد

إذن فالضمان الوحيد لبقاء لامبارد في منصبه هو أن يظل يُقدِّم مردودا مُرْضيا للمالك الروسي، الذي لا ينظر إلا لمكاسب محددة؛ لدرجة أنه أصبح يستثمر أمواله في لاعبين من خارج الفريق، لا لشيء سوى جني تلك المكاسب؛ الفوز ببطولة الكأس مثلا، والصعود إلى دور الثمانية، مع ختام الموسم في الأربعة الأوائل من جدول الدوري، ستكون نتيجة مُرْضية لأبراموفيتش، أما إذا فشل الفريق في إرضائه، فسيلقى لامبارد مصير مَن سبقوه.(11)

 

ختاما، قد ينجح لامبارد ويُقدِّم موسما عظيما ويُفاجئنا جميعا، خصوصا مع عودة المصابين وزيادة الانسجام بين المجموعة الحالية من اللاعبين، ولكن حتى ولو فاز تشيلسي بدوري أبطال أوروبا هذا الموسم، فستظل التجربة تحت اسم الاستثناء، ولن يستطيع الفريق الاستمرار في المنافسة على البطولات، لأن الحديث عن بناء مشروع فريق يكون قادرا على المنافسة لسنوات لا يعتمد على كم من الملايين أنفقت في الميركاتو فقط، ولعل تجربة ليفربول مع يورغن كلوب خير مثال.(12)

المصادر

  1. تشيلسي يستأنف على قرار حرمانه من فترتي انتقالات
  2.  لامبارد مدربا لتشيلسي
  3. بروس باك: لامبارد نجح في موسمه الأول مع تشيلسي 
  4. تاريخ الميركاتو مع تشيلسي – ترانسفير ماركت
  5. موسم مورينيو الأول في تشيلسي – ترانسفير مارك
  6.  من هو جوزيه مورينيو – José Mourinho؟
  7. مشوار لامبارد التدريبي – ترانسفير ماركت
  8. ماركوس ألونسو تشيلسي المستقبل في شك بعد تسخين فرانك لامبارد
  9. هل ينجح «ليونيل ميسي» في تدريب فريق برشلونة مستقبلًا؟
  10. كاسكارينو: من المتوقع أن يكون لامبارد أول المقالين في البريميرليغ
  11. ملفات FinCEN: رومان أبراموفيتش لديه حصص سرية في لاعبي فرق منافسة
  12. 25 لاعب جلبهم يورغن كلوب إلى ليفربول

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة